قراءة القرآن جماعة بين الحظر والإباحة

الاجتماع على تلاوة القرآن يكون على هيئتين اثنتين، إحداهما: أن يقرأ أحد المجتمعين والباقي ينصتون ويستمعون لقراءته، وهذه الكيفية لا خلاف على جوازها عند العلماء. أخراهما: أن يقرأ الجميع بأصوات عالية مجتمعة على إيقاع واحد، وبوقف واحد، وهذه الكيفية اختلف فيها العلماء، فكرهها الإمام مالك وأنكرها على أهل الشام، وقال : “عندنا كان المهاجرون والأنصار، ما نعرف هذا”[2]، وأجازها المازري، واستحبها أبو الطاهر الفاسي، ونسب أبو سعيد بن لب القول بالجواز والاستحباب إلى جمهور العلماء، وقال أبو إسحاق بن شعبان بمنعها وجرح من أدمن عليها في شهادته وإمامته[3].

وقد أفتى بعض المعاصرين بعدم مشروعية هذه الطريقة، واعتبروا أقل أحوالها الكراهة، لأنها لم تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم[4]، وذهب الدكتور تقي الدين الهلالي إلى أنها “بدعة قبيحة تشتمل على مفاسد كثيرة”[5]، ومن أهم مفاسدها :

–  عدم الإنصات، لأن كل واحد من المجتمعين يقرأ ولا ينصت للآخر.

–  المجتمعون للقراءة يجهر بعضهم على بعض، وقد ورد النهي عن ذلك في حديث “كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن”.

–  اضطرار القارئ إلى التنفس واستمرار رفقائه في القراءة، مما يُلجؤه إلى قطع القرآن وترك فقرات كثيرة منه، وهذا محرم قطعاً.

–  قراءة القرآن بهذه الهيئة فيه تشبه بأهل الكتاب في صلواتهم في كنائسهم.

–  استحالة التدبر في مثل هذه القراءة.

لهذه المفاسد قال الدكتور تقي الدين الهلالي بالحرمة.

وقد أفرد المسألة الفقيه القاضي عمرو كميتي الآزموري بمؤلف خاص عنوانه إسماع المساعد وإقماع المعاند بترغيب الشارع في قراءة القرآن جماعة في المساجد.

ترك النبي لا يدل على التحريم :

القول بمشروعية القراءة الجماعية للقرآن هو الراجح من حيث الدليل، وإن لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، لأن من المعلوم أن النبي لم يفعل جميع المندوبات والمباحات، لذلك لا يعد تحريم كل ما تركه مقبولا وسائغا، لأن الحرام هو ما حرمه الشرع، ولا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره “إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معتد ومبتدع ومتنطع”[6]، يؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه”، ولم يقل: وإذا تركت شيئا فاتركوه، وهذا دليل على أن ما تركه النبي ولم يفعله يبقى على أصله؛ وهو الإباحة؛ ولو قلنا بحرمة كل ما ترك النبي لوسّعنا دائرة التحريم وضيّقنا دائرة الإباحة، وهذا عين المشقة والحرج الذي نفاه الله عن هذا الدين القائم على التيسير.

من هنا يتبين خطأ من قال بعدم مشروعية القراءة الجماعية للقرآن، وأنها بدعة قبيحة، لذلك قال الإمام ابن لب: “إن الترك المروي عن السلف لا يدل على حكم إذا لم ينقل عن أحد منهم أنه كرهه أو منعه في ذينك الوقتين، وشأن نوافل الخير جواز تركها، فالحق أن فيه الأجر والثواب، لأنه داخل في باب الخير المرغب فيه على الجملة”[7].

مناقشة القائلين بعدم مشروعية القراءة الجماعية للقرآن :

القول بكراهة القراءة الجماعية المروي عن الإمام مالك مبني عنده “على عادته في إيثار الاتباع” كما نص على ذلك أبو سعيد بن لب من المالكية[8]، وعلى فرض عدم صحة هذا التأويل، فلا حرج في القول بالكراهة، لأنها من قبيل الجواز كما نص على ذلك الأصوليون، أما تأويل الدكتور تقي الدين الهلالي لما روي عن الإمام من الكراهة أنها كراهة تحريم فتأويل متعسف، ويحتاج إلى دليل.

ثم إن المكروه هو ما نهى عنه الشرع نهياً غير جازم، ولو ورد النهي عن ذلك، لأورده القائلون بالكراهة أو التحريم، ولا تمسك لهم بحديث “لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن”، وسبب وروده يوضح ذلك.

روى الإمام مالك أن النبي خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: “إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن”[9]، فالصحابة الذين توجه إليهم النبي بهذا النهي كانوا في صلاة، وكان كل واحد منهم يقرأ في صلاته جهراً، ولم يتجمعوا لتلاوة القرآن جماعة بإيقاع واحد مثل عادة المغاربة في قراءة الحزب الراتب، لذا لا يعد الاستدلال بهذا الحديث في مسألتنا استدلالا في محله.

وما قاله الدكتور الهلالي عن وقوع القارئ الذي يضطر إلى التنفس في الحرام، لأنه يقطع القرآن ويترك فقرات كثيرة بسبب استرسال رفاقه في القراءة، غير صويب، ولنا عليه ملاحظات، أهمها :

*  تضمن كلامه مبالغة كبيرة، لأن من يضطر للتنفس لا تفوته إلا كلمة أو كلمات كما هو مشاهد ومجرب، ولا تفوته فقرات كثيرة.

*  حكمه بأن ذلك محرم قطعاً، لا يسعفه الدليل، ولتوضيح ذلك أسوق المثال الآتي : هب أن شخصا جلس سويعة من نهار، وقرأ منفرداً سورة الفاتحة وفواتح البقرة وآية الكرسي وخواتيم البقرة وآيات أخر منتقاة من القرآن الكريم، ثم ختم بالإخلاص والمعوذتين. لم يقل أحد بحرمة هذه القراءة رغم ترك مقاطع وسور وأحزاب من القرآن، فكيف يقول الدكتور الهلالي بحرمة ترك فقرات – إن صح هذا – من الحزب الواحد ؟!.

*  القارئ المضطر للتنفس يكون مأجوراً حتى في لحظة توقفه عن القراءة، لأنه في تلك اللحظة يكون مستمعاً لرفاقه المسترسلين في القراءة، ومعلوم أن المستمع للقرآن مثله مثل القارئ في الأجر.

وفي فتوى الشيخ ابن باز ورفيقيه[10]نصٌ على عدم مشروعية القراءة الجماعية، وعللوا ذلك بأنها لم تؤثَر عن النبي أو الصحابة، ثم قالوا عقب ذلك : “لكن إذا كان ذلك من أجل التعليم، فنرجو أن يكون ذلك لا بأس به”، وهذا منهم تناقض غير مقبول، لأن ما نصوا على أنه “لا بأس به” لم يؤثر كذلك عن النبي أو الصحابة، ولا يعقل أن يفتى بعدم مشروعية الحالة الأولى لأنها غير مأثورة، ويفتى بجواز الحالة الثانية رغم أنها غير مأثورة، هذا تفريق بين المتماثلات!.

أدلة القائلين بمشروعية القراءة الجماعية للقرآن :

استدل القائلون بمشروعية قراءة القرآن جماعة، بما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”[11]، وهذا الحديث عام وشامل لقوم/جماعة “يتلون كتاب الله”، سواء قرأ أحدهم والباقي يستمعون، أم قرؤوا جماعة متحدين، وتخصيصه بنوع دون نوع من غير دليل لا يجوز، لأن العام لا يخصص إلا بدليل كما تقرر.

وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تعاهدوا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها”[12]، وقراءة الحزب جماعة بعد صلاتي الصبح والمغرب أحدثها المغاربة لمساعدة الحفظة على عدم نسيان ما حفظوه من كتاب الله، فهي من طرق تعاهد القرآن، لذلك كانت مشروعة بعموم هذا الحديث أيضاً[13].

مقاصد القراءة الجماعية للقرآن :   

لقراءة القرآن جماعةً فوائد ومقاصد، منها :

–  أجر القراءة الجماعية غير لازم للقارئ وحده، بل مُتعَدّ إلى الغير، فينال الأجر كل المستمعين وإن كانوا أميين لا يحسنون القراءة.

–  من لا يتقن قراءة القرآن يقتدي بغيره من المتقنين، فيحاكيهم في الأداء والوقوف والمدود… وهذه فائدة لا تنكر.

–  تعاهد القرآن بالطريقة المغربية – حزب بعد الصبح وحزب بعد المغرب – والالتزام بذلك ييسر على القارئ ختم القرآن مرة في الشهر على الأقل، ويساعده على حفظه.

–  من فوائدها أيضاً، ترسيخ حفظ القرآن في أذهان الحفظة، إذ هي من وسائل تعاهد القرآن المأمور به في الحديث كما مرّ.

التحذير من التحريم بغير دليل:

مسألة القراءة الجماعية للقرآن تقع في دائرة الاجتهاد في الفروع، وهي من القضايا الخلافية التي لم يرد فيها نص صريح واضح، ولم يحصل حولها إجماع العلماء، فلا يحق لأحد أن يصف مخالفه في مثل هذه القضايا الفرعية بالبدعة أو الفسق أو غير ذلك، لأن البدعة المذمومة هي ما يمس العقيدة كبدعة القدرية والمجسمة…[14]، أو “ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها”[15]، والقراءة الجماعية ليست من هذا القبيل قطعاً.

بناء على هذا، فالابتداع الخطير ليس فيمن يقرأ القرآن جماعة، وإنما فيمن يتصور أن ذلك بدعة مذمومة محرمة، والذين يحرمون المباح يقعون حتماً في محظورين اثنين:

أولهما: يوسعون نطاق المحرمات، ويضيقون نطاق المباحات التي هي الأصل، فيوقعون أنفسَهم ومقلديهم في المشقة والضيق والحرج، وهذا من أهم أسباب الغلو في الدين، الذي يترتب عنه التطرف في الأفكار والتصورات والتصرفات، فلا غرابة إذن أن نرى من يُـبَدّع قُرّاء القرآن جماعة، يُكفّر من يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو من يشارك في الانتخابات، ومنذ مدة صدر كتاب القول السديد في أن “دخول المجلس النيابي” ينافي التوحيد!! وهكذا ننتقل من قضية فقهية فرعية، إلى التبديع والتفسيق والتكفير، وهذا خلل منهجي خطير.

ثانيهما : يتشبهون بالمفسدين في الدين من الأمم السابقة، يقول الدكتور أحمد الريسوني : “فما أكثر ما فرض على الناس من تكاليف وتعبدات وآصار وأغلال باسم الدين، وما أكثر ما حرم عليهم وحرموا منه باسم الدين، والدين من ذلك كله براء، وفي هذا إفساد كبير للدين والدنيا معاً، وقد وقع هذا واستمر زمناً طويلاً، عند اليهود وعند النصارى وعند العرب المشركين، وعند أمم وأقوام آخرين، ولذلك نجد في القرآن الكريم حملة شديدة ضد هذه الأشكال من الإفساد الديني والدنيوي، مع تثبيت قوي لمعنى هذه القاعدة: لا دين إلا ما شرعه الله، ولا تحريم إلا ما حرمه الله”[16]، وأورد آيات قرآنية في هذا المعنى، منها: {قل أرايتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون} [سورة يونس: 59.] {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}[ سورة النحل: 116].

مراجع البحث :

*  إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة: عبد الله بن الصديق، دون ذكر تاريخ ومكان الطبع.

*  إحياء علوم الدين: الإمام الغزالي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت (د ت).

*  تقريب الأمل البعيد في نوازل الأستاذ أبي سعيد: أبو سعيد بن لب الغرناطي، تحقيق حسين مختاري وهشام الرامي. دار الكتب العلمية، ط: 1. 1424/2004.

*  جامع العلوم والحكم: ابن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ط: 1. 1408هـ.

*  صحيح مسلم: الإمام مسلم، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.

*  الفوائد الجليلة على الآيات الجليلة: أبو الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي، دراسة وتحقيق إدريس عزوزي، من مطبوعات وزارة الأوقاف المغربية، 1409هـ/1989م.

*  القواعد الكبرى: عز الدين بن عبد السلام، تحقيق د. نزيه كمال حماد ود. عثمان جمعة ضميرية، دار القلم دمشق، ط: 1، 1421هـ/2000م.

*  الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية: د. أحمد الريسوني، منشورات حركة التوحيد والإصلاح. ط: 1. المغرب.

*  المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب: أبو العباس أحمد الونشريسي، من مطبوعات وزارة الأوقاف المغربية بإشراف الدكتور محمد حجي، 1401/1981.

 *  الموطأ: الإمام مالك بن أنس، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا البحث نشر في مجلة “منار الهدى”، العدد 14، خريف 2009، ص 95.

[2]  ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم:1/344.

[3]  الشوشاوي : الفوائد الجميلة: 237 – 238. ابن لب : تقريب الأمل البعيد: 1/200 – 201. الونشريسي، المعيار: 1/155.

[4]  فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز وعضوية الشيخ عبد الرزاق عفيفي وعبد الله بن قعود.

[5]  تقي الدين الهلالي، الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق: 90. ورأي الدكتور الهلالي موجود في كثير من المواقع الإلكترونية، أخذته من موقع www.alhilali.net.

[6]  أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية: 85.

[7]  ابن لب، تقريب الأمل البعيد : 1/201. الونشريسي، المعيار: 1/155.

[8]   ابن لب، تقريب الأمل البعيد : 1/200 – 201. الونشريسي، المعيار: 1/155.

[9]  رواه الإمام مالك في الموطأ: 1/80.

[10]  عبد الرزاق عفيفي وعبد الله بن قعود.

[11]  صحيح مسلم : 4/2074. رقم الحديث: 2699. دار إحياء التراث العربي.

[12]  رواه الإمام مسلم في صحيحه: 1/545. رقم الحديث: 791.

[13]  عبد الله بن الصديق، إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة: 26.

[14]  العز بن عبد السلام، القواعد الكبرى: 2/173.

[15]  أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين: 1/276.

[16]  أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية: 84.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: