غزوة بدر ومدرسة الاعتبار التاريخي لمسلمي اليوم

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

تتجدد ذكريات الإسلام العظيمة، لتتجدد معها أرواح المسلمين تشوقا لزمن الانتصار الإسلامي على قوى الباطل، خروجا من راهنية الهزيمة والانحطاط التي تعيشها الأمة، في كل مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولئن كانت غزوة بدر الكبرى حدثا فارقا في زمن الإسلام بين مرحلة الاستضعاف والتعذيب ومرحلة القوة والندية، فإن عناية الله تعالى في هذه الغزوة كانت واضحة بجلاء، نظرا لكون الفئة المؤمنة فيها، تشربت الإيمان اليقيني، وأخلصت القصد لله، وأخذت بتدابير الأسباب، هذه العناية، التي غيرت حتى ما خططته هذه الفئة، خرج النبي ﷺ وأصحابه للعير فأرادتها عنايةُ الله للنفير، لتكتبَ هذه الفئةُ بماء الذهب خارطةَ طريق لكل مستضعف فردا كان أو جماعة، كيف يحول استضاعفه إلى قوة، باستحضار المنظومة العامة التي كونت هذه الفئة، ولعل أبر ز تجليات هذه المنظومة تكمن في:

  • الدعوة نبات والدولة راعية:

كانت المرحلة المكية أرضا زُرعت فيها دعوة الإسلام الواضحة، انْبَنَتْ على تركيز عقيدة التوحيد في القلوب، وتربية رجال الدولة الربانيين، يؤطر تصورَهم وتصرفَهم وسلوكَهم، الوازعُ الرقابي من الله تعالى، إخلاصا في نية، وصدقا في قول، وقصدا في عمل، واستجمعت شياطين الإنس والجن وصناديد قريش وأزلام اليهود، قوتها لتقف في وجه هذه الدعوة الفتية، ومادام أن الإيمان والفكر يجب أن يقاوما بحجة فكر وقوة إيمان، لم تستطع هذه القِوى مجابهة الدعوة على هذا المستوى، فلجأت إلى أسلحة الضعفاء، وهي البطش والقوة والفتك، فتحمل النبي ﷺ كل صنوف الاستضعاف، دون التفات إلى ردة فعل، لأنه ﷺ صاحب مشروع وفعل، وما أطلق نبلا ولا سهما على أعدائه في هذه الفترة، فسرى الإسلام في مكة خُفية وجهرا، وأسلم من قريش خيرة الشباب والكهول، فتوافق صفاؤهم مع صفاء الدعوة، ألهموا من عرفهم أو رآهم أو عاشرهم، بحب الدين الجديد، ومع توالي القتل والفتك بأتباع النبي ﷺ أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة، لتبحث الدعوة عن غطاء يحميها، وهي الدولة، فأسس النبي ﷺ أثافيها الثلاث، بناء المسجد ومحوريته في الدولة، وبناء النسيج المجتمعي وتآلف الجبهة الداخلية بمآخاة الأنصار والمهاجرين، وترتيب أولويات المواجهة بمعاهدة اليهود، لتنطلق هذه الدولة تحمي الدعوة لبناء صرح الأمة الخالدة، وتخاطب الأعداء باللغة التي يفهمون.

لكن الدعوة اليوم، هي أَمَةُ السلطان، استباح حماها يوم أن انكسر تاريخها عندما تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض وجبري، أوجد لنفسه بيئة أخرى، جعل ذروة سنامها التسلط بالسيف، فحكم السيفُ الدعوة، وقطع لسانها عن شهادة الحق في السلطان الجائر، وترك لها ثرثرة الكلام عن مكان بول النملة، وهل يُذبح الحلزون أم يُنحر.؟!!..

ولإعادة البناء من جديد وجب الوعي كل الوعي، بالرجوع إلى النقطة الفاصلة التي زاحم فيها السلطان القرآن، وتنازع معه ليسيطر عليه، ويُلزَم القرآنُ حكمَ السلطان.، بعدما كان القرآن يحاسب السلطان، ويوجهه، وجهة الرشد التي أرادها الله تعالى، قال ﷺ ” أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ”[1].

 البناء النفسي للانتصار:

إن وجود القائد رئيس الدولة بين أتباعه يعيش حياتهم ويتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، يقوي الروابط النفسية والعاطفية بين الجماعة، فأثناء سير النبي ﷺ وأصحابه لبدر كان مع المسلمين سبعون بعيرًا يتَعاقبون على ركوبها، فكان رسول الله ﷺ وأبو لُبابة وعليُّ بن أبي طالب يتَعاقبون على بعيرٍ واحد،..، فأرادا أن يُؤثِراه بالركوب، فقال: “ما أنتُما بأقوى منِّي، ولا أنا بأغنى عنِ الأجرِ مِنكم”[2].

عندما يَستوي القائد والجند في تحمُّل المشاقِّ والشدائد، ويدفعهم الصدقُ والإخلاص في التطلع إلى ثواب الله ورضوانه، فإن الجنود يَكسبون طاقة نفسية إضافية عندما يجدون قائدهم يُسابقهم إلى البذل والتضحية، وكيف لا تَستولي محبته على قلوبهم وهو الرؤوف الرحيم بهم، وتتقوى هذه الروابط أكثر، عند إشراك القائد لهم في القرار، ففي لحظة الإقبال على حرب المشركين في غزوة بدر، يستشير القائد ﷺ أصحابه بقوله: ” أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَدَدَ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بُرَآءٌ مِنْ ذِمَامِكَ حَتَّى تَصِلَ إِلَى دَارِنَا، فَإِذا وَصَلْتَ إِلَيْنَا فَأَنْتَ فِي ذِمَامِنَا، نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَخَوَّفُ أَنْ لا تَكُونَ الأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نُصْرَتَهُ إِلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاللَّهِ، لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَا أَرَدْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا. إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدْقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ”[3].

فعندما تخالط جنودك وتستشيرهم، وأنت مؤيد بالوحي فهذا لعمري روعة قيادة، وسمو أخلاق، تغرس في أتباعك حبا وشوقا للموت في سبيل ما تدعو إليه، ولا أعتقد أن جيشا يملك وضوح رؤية وتشاركية قرار وتنفيذ، لا أعتقد أنه سينهزم، ولو قلت عدته..علما أنه قد لهذه المشورة ونتائجها ثمنا يُدفع، إذا كان اجتهاد الأغلبية خطأً، كما في غزوة أحد، حيث أصر كثير من الصحابة على الخروج من المدينة لمواجهة المشركين، بينما كان النبي ﷺ يريد التحصن بها، وخرج ﷺ، وتظافرت عوامل أخرى أدت إلى هزيمة أحد.

ومُرْ على حكام المسلمين قواد الجيوش الآن، لا يملكون إلا الأوامر وهم أبعد الناس عن الصفوف، والقائد فيهم أول من يشبع، وآخر من يموت، إن أدركه الموت طبعا، لا عقيدة لديه يدافع عنها اللهم، إلا مسميات أشخاص، ومسميات عصبيات ما أنزل الله بها من سلطان، ويشترون الأسلحة لا ليواجهوا بها أعداء الدين، بل لقتل الشعوب إذا فكرت يوما في المطالبة بحقها المهضوم في السياسة والعدالة والتعليم والتطبيب، أو راودها يوما عطفها على أخوانها المستضعفين في العالم.

  • الكيف لا الكم:

إن من عظمة المشاهد في بدر هو أن تجابه فئة قليلة العدد فقيرة العدة، جيشا منظما يفوقها ثلاث مرات عددا، ومسلحا بأحدث عتاد ذلك الزمان، التحليل العقلي والمنطقي لا يخرج عن كون أن هذا الأمر انتحار عسكري، لكن علمنا الإسلام أن العقيدة القتالية العالية، وصدق الطلب والإيمان بالمشروع، يجعل من الإنسان سلاحا بذاته، ولذلك لا يؤخذ آنئذ بمعيار الكم بقدر ما يؤخذ الامر بمعيار الكيف، قال تعالى: ( إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ)[4]، فوضوح عقيدة القتال المشرفة لدى الجيش التي يكون الله تعالى فيها أسمى مبتغى، وعندما يرى الجيش قادته في مقدمة الصفوف، لا يستأثرون بمصلتحم عنه، إن عاشوا عاشوا بالكرامة كلهم، وإن ماتوا ماتوا على خير الحسنيين، تتفجر في عزيمة هذا الجيش إيمانا منقطع النظير، وقوة مهيبة في القتال، تجعل المعايير الإنسانية عاجزة عن التحليل.

  • فقه النصر:

اختص الله عز وجل النصر بنفسه حيث قال: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)[5]، وقال أيضا: ( وما النصر إلا من عند الله)[6]، واختصاص الله تعالى بالنصر كي ينزله عندما تتشكل على أرض الواقع دوافع تنزله، وينزله سبحانه حسب الاستقراء القرآني، في ثلاثة مواقف:

  • الموقف الأول: عند استشراء الظلم من طرف فئة باغية على أخرى، فينصر الله تعالى الأخرى إذا قامت بمواجهة الفئة الباغية، فالظلم حرمه تعالى على نفسه ولا يريده لعباده، وجميع الظالمين على مر التاريخ أمهلهم عز وجل حتى أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وجميع المظلومين الذين أخذوا بأسباب مواجهة الظالمين نصرهم الله تعالى قال سبحانه: ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)[7]، وقال أيضا: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[8]. وفي غزوة بدر تمثل لهذا الموقف، لما قامت فئة الحق تدافع عن دين الله، فاعترضتها فئة البغي والاستكبار ظلما وعدوانا، فأنزل الله عز وجل نصره، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[9].

وما تعطل نزول نصر الله اليوم على الأمة المظلومة إلا بتلكؤ المظلومين عن ابتغاء السبل الحقيقية لاستجلاب النصر، وتحادهم من محجة الاتقان في دنيا الأسباب، مع تفريطهم في فقه الأولويات.

  • الموقف الثاني: عند إعداد القوة على الوسع والطاقة، والإلحاح في الدعاء، والتجرد من الاعتداد بالنفس بالتوكل على الله تعالى، فالنبي ﷺ أخذ في هذه الغزوة بالأسباب، فحفز الجيش واستعد بما عنده من قوة، ودبر وخطط، وأرسل العيون، وتطلع الأخبار، وحلل المعطيات، وخطط الاستراتيجيات، وبعدها رفع يديه بالدعاء لله توكلا عليه، روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: “اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض” فما زال يهتف بربه ماداً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك..”[10]..الحديث.

وجعل الله تعالى التجرد من حظوظ النفس وما أوجدته من عدة وعتاد شرطا أساسيا في استجلاب النصر، يعلق ابن كثير رحمه الله تعالى على آية غزوة حنين: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)[11] فيقول: “يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعددهم ولا بعددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله. ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين”[12].

  • الموقف الثالث: عند اتباع منهج الله في التصور والسلوك، أفرادا وجماعات، فالله تعالى لا ينزل النصر على قوم ينتسبون إليه، ولا يطيعون أوامره، ولا يقيمون حدوده، ولا يتنزل النصر على أمة تقصى تعاليم القرآن والسنة عن واقع الحياة العامة فى كل شئون حياتها، ولا يتنزل النصر على أمة تخالف هدى النبي ﷺ وتقف من السنة موقف العداء والخصومة، ولا يتنزل النصر على أمة تستورد القوانين البشرية، والفلسفات المادية الأرضية فى تنظيم حياة الناس وشئونهم، ولا يتنزل النصر على أمة تعيش فى بطالة، وأفرادها كسالى يعتمدون على غيرهم، فى طعامهم وشرابهم ومواصلاتهم وأسلحتهم، ولا يعتمدون على كد يمينهم، وعرق جبينهم، وكدح سنينهم.

ولا يتنزل النصر على أمة لا تأخذ بأسباب القوة والعقيدة والإيمان، أو الوحدة والأخوة، أو الساعد والسلاح. إنما يتنزل النصر إذا كانت الأمة كلها على طاعة لله عز وجل فتنصر دينه وهدى نبيه فى كل شئون حياتها قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)[13] وقال أيضا :(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)[14]، فالنصر لا يتنزل إلا على المؤمنين الصادقين الذين تاجروا مع الله عز وجل بالغالى والنفيس، قال تعالى: (إن الله اشترى المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)[15].

وكانت دائما وصية الخلفاء الراشدين إلى جنودهم إن أخوف ما أخاف عليكم ذنوبكم فإذا تساويتم مع الأعداء فى المعصية كانت الغلبة للأقوى.[16]

وقد جعل الله تعالى أمورا خمسة في هذه الآية الكريمة تؤكد صحة الموقف الثالث، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).[17]

 فلا بد من العناصر الخمسة التى فى الآية وهى:

 الثبات: إذ كيف ينزل النصر على قوم فروا من الميدان، وولو ظهورهم للأعداء والله عز وجل يقول عن يوم بدر: (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)[18].

 الذكر: إذ كيف يتنزل النصر على أمة غافلة، أو معرضة على الطاعة، أو ملطخة بالمعصية.

 الطاعة: إذ كيف يتنزل النصر على أمة تبارز الله بالذنوب والمعاصى، وتعلى من شأن الرقاصين والمخنثين ولاعبي اللهو، وتنزل من شأن العلماء والصالحين.

 عدم التنازع: إذ كيف يتنزل النصر على أمة متفرقة مختلفة، بأسها بين أبنائها شديد، والله تعالى يقول: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)[19].

 الصبر: إذ كيف يتنزل النصر على أمة لا تتحلى بالصبر والثبات، والله تعالى يقول: ( يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)[20].

فحينما انهزم المسلمون فى أُحُد نزل القرآن الكريم ليعطى المسلمين درسا فى أسباب الهزيمة قال تعالى: ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)[21].

وما أحوجنا اليوم لتلمس طرق استجلاب نصر الله، والأمة في وهاد الانحطاط والتمزق والتفتت وتكالب الأعداء وتداعي الأكلة لقصعة عزتها.

  • عطاء الله

أنت عندما تتقن الأسباب وتتجرد من نفسك، وتلح في الدعاء والطلب، ويعلم الله تعالى أن تشكل النصر في الأرض ينتظر نزوله من السماء، فإن عطاء الله يدهشك، يحول الجمادات إلى جند من جنوده، وتصطف معك المخلوقات،دعاء وعونا لك، ففي غزوة بدر، أنزل الله ملائكته، تقاتل في صف الحق وتثبت أهله: ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا)[22].

ويجعل النعاس رحمة وطمأنينة وأمنة قال تعالى ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ﴾[23]، روى أبو يعلى في مسنده من حديث أبي طلحة رضي اللهُ عنه قال: “لَقَدْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنِّي يَوْمَ بَدْرٍ لِمَا غَشِيَنَا مِنَ النُّعَاسِ. يقول الله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ﴾[24]، قال ابن كثير: ” يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أماناً أمَّنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم، وقلة عددهم… إلخ”.[25]، وفي جعل الرؤيا عونا ومحفزا لأهل الحق، فالله تعالى أراهم العدو أقل مما هم عليه، لتقوى قلوبهم على حربهم، ويشجعهم على مواجهتهم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُور ﴾[26]، قال ابن جرير: ” إذ يُري الله نبيه في منامه المشركين قليلاً، وإذ يريهم الله المؤمنين إذ لقوهم في أعينهم قليلاً، وهم كثير عددهم، ويقلل المؤمنين في أعينهم ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم”.[27]

ويجعل الله من المطر جندا من جنوده، فينزله عليهم بالقدر الذي يحتاجونه من غير زيادة ولا نقصان، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي رضي اللهُ عنه وهو يحدث عن ليلة بدر: “أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طَشٌّ مِنْ مَطَرٍ، فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ وَالْحَجَفِ – أي الترس – نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَدْعُو رَبَّهُ”.[28] قال ابن القيم رحمه الله: ” أنزل الله عزَّ وجلَّ في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاً طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل”.[29]، ويقول الشيخ محمد رشيد رضا: ” لولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال؛ لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم إلا فارس واحد هو المقداد – كما تقدَّم – وكانت الأرض دهاساً تسيخ فيها الأقدام أو لا تثبت عليها”[30]

ونفس الأمر إذا أخلصنا الطلب اليوم وأتقنا الأسباب، فلا شك ان الله سيلهمنا فصل الخطاب وسداد الرأي وتصويب القصد، ويفتل كل هذا في نصر يعيد للأمة مجدها البائد، الذي أذهبه نظام الحكم الفاسد، وسيطرة الوهن على قلوب العامة، وخبو جذوة العلماء، وانفصام عرى الإسلام كلها من أولها إلى آخرها.

نسأل الله تعالى فرجا قريبا ونصرا مبينا، فلقد طال ليل الظالمين..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

[1]رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 5/166

[2] – سيرة ابن هشام2/494

[3] – تاريخ الطبري

[4] – الأنفال 65

[5] – المؤمنون 160

[6] – آل عممران 126

[7] – النحل 41

[8] – الحج 39-40

[9] – الانفال 26

[10] – صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم

[11] – التوبة 25

[12] – تفسير ابن كثير 4/80

[13] – محمد 7

[14] – غافر51

[15] – التوبة 111

[16] – عن موقع ويكي إخوان بتصرف.

[17] – الأنفال 45

[18] – الأنفال 12

[19] – آل عمران 103

[20] – آل عمران 200

[21] – آل عمران 165

[22] – الأنفال 12

[23] – الأنفال 11

[24] – مسند ابي يعلى 3/19 رقم الحديث 428

[25] – تفسير ابن كثير 2/291

[26] – الأنفال 44

[27] – تفسير ابن جرير 6/259

[28] – مسند أحمد 2/ 260 زقم 948

[29] – زاد المعاد 3/ 175

[30] – تفسير المنار 9/509-510

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: