غزوة بدر من الانكسار الى الانتصار

لقد كان ثمن اعتناق الإسلام وإتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم غاليا بين قوم وجدوا في هذا الدين ملاذا آمنا، كما لم يجدوه بين أهل وخلان أو سادة استعبدوا البشر بغير وجه حق فخيروا بين عبادة الصنم حجارة كان أو بشرا، أو تصلب منهم الأجساد وتذوق لوعة العذاب وألوان الموت، فما كان القرار ليهز قلوبا صدقت مع الله فصدقها الله تعالى.

هو امتحان يصحب من تصدر المقدمة ليحمل رسالة نورانية يرثها جيل بعد آخر، رسالة ربانية المصدر، لا يثبت عليها إلا من باع نفسه لله ولرسوله، وكذاك جيل الصحابة رفع اللواء دفاعا عن حرمة هذا الدين، لم تمنعهم الأذية والتنكيل بأجسادهم وأموالهم وأهلهم على الصمود والثبات على الحق، وجاءت الهجرة فرارا بالدين وحماية للمستضعفين.

ترك المسلمون ديارهم وأموالهم التي استولى عليها كفار قريش، وانتقلوا إلى المدينة المنورة حيث الأنصار أكرموا وفادتهم، وطيبوا خاطرهم وضمدوا جراحاتهم، وفتحوا لهم القلوب قبل البيوت، ما أحس المهاجرون بغربة المكان فالأنصار إلف مألوف لكل من حط الرحال بينهم.

ومضت الأيام وجاءت الفرصة لاستعادة بعض أموال المسلمين، حيث وصل خبر قافلة تجارية تحمل أموال قريش وما استولت عليه من أموال المسلمين، وطريق عودة القافلة من الشام إلى مكة بقيادة أبي سفيان، حينها استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة الكرام باسترجاع أموالهم من القافلة، ولم يرغم أحدا على الخروج “بل ترك الأمر للرغبة المطلقة لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة –بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة.” [1]

خرج بعض المسلمين لاسترداد أموالهم، فإذا بامتحان من الله عز وجل ينتظرهم ليمحص ما في الصدور، فبعد مرحلة الانكسار والظلم الذي عانى منه المسلمون جاء وقت الانتصار بمدد من الله تعالى قال سبحانه: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون)[2]

فتقوى الله سبب في هذا النصر العظيم على قلة عدد المسلمين، لكن قوة ثقتهم بالله تعالى جعلت النصر قاب قوسين أو أدنى. إن امتحان المواجهة وبذل النفس في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى في الأرض، والتخلي عن المطالب المادية من دعة واستكانة للراحة يحتاج إلى قوة عزيمة بل وقوة إيمان، وقد كانت صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حافز على ذلك (ولما التقى الجمعان، أخذ الرسول يسوي صفوف المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويرغبهم في الشهادة، وقا ل:”والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة “) [3]

هي لحظة ما عاد المسلمون يتهممون بمالهم الذي سلب منهم بقدر تهممهم بمواجهة الاستكبار الجاهلي، فالقضاء على جذور الظلم والطغيان لنشر عدل الله في أرضه وبين خلقه رسالة أعظم تتجاوز أنانية الفرد وحب الذات إلى خدمة الجماعة والإيثار على النفس ولعله سبب آخر لهذا الانتصار العظيم.

إن غزوة بدر درس عظيم للأمة الإسلامية، تدرك من خلاله أسباب الهوان الذي تعيشه اليوم على ما تمتلكه من أسباب القوة المادية والبشرية، وهي كم مهمل لا قيمة له مع فراغ قلبي لا يصدق بموعود الله عز وجل، فما كان النصر حليف الغزوة إلا باليقين الصادق مع اتخاذ الأسباب والتوكل على الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الرحيق المختوم: صفي الرحمان المباركفوري ط 2002 دار الفكر ص275

[2] – سورة آل عمران:123.

[3] – السيرة النبوية دروس وعبر: الدكتور مصطفى السباعي الطبعة الاولى 2012 دار الوراق ص80.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: