عمل المرأة في الاسلام

جعل الإسلام نفقة المرأة بنتا كانت أو أما أو زوجة على الرجل وكفاها مشقة الكسب وما ينتج عنها، إلا أنه لم يمنعها من العمل مطلقا بل جعله مباحا لها، إذا اختارت أن تعمل فلا ذنب عليها ولا مانع يمنعها، وإن اختارت ألا تعمل فنفقتها دائما واجبة على غيرها، فالإسلام أعطى المرأة الحق في العمل الشريف الطيب الذي يتناسب مع طبيعتها وأنوثتها وقدراتها وهذا في إطار مجموعة من الضوابط الشرعية منها التزامها بالحجاب وعدم الخلوة وصلاح العمل.

والأدلة على مشروعية عمل المرأة في الإسلام كثيرة في القرآن والسنة، وقد ثبت أن المرأة كانت تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل في مختلف المجالات كالتعليم والإفتاء، والتجنيد والتجارة والصناعة وغيرها، فإن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليعملوا، بل ما خلقهم إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فالمرأة مكلفة كالرجل بالعمل، وبالعمل الحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة عليه – كالرجل – من الله عز وجل[1].

– قال تعالى : “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى”.

وقال “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة”.[2]

  • وقال “للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن”[3] فنسب الكسب والاكتساب للرجال والنساء.

-و قال”ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة”.[4]

وهذه الآيات عامة في كل عمل صالح ويتحدد صلاح العمل بشرط أن يكون موافقا للشريعة ومنه العمل والكسب.

وقد عملت كثير من النسوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بشرهن بالأجر العظيم فقال : ” أطولكن طاقة  أعظمكن أجرا”،[5] والطاقة هي القدرة على الغزل والنسيج[6].

 وقد عملت المرأة في مجالات عدة منها التعليم والإفتاء، والتجنيد والتجارة والنسيج

 وخير مثال على هذا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها التي شهد لها الرجال بالتفوق في الفقه والطب والشعر، وقد كان مشيخة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض، وما أشكل عليهم أمر إلا ووجدوا عندها فيه علما.[7]

 وكانت الشفاء بنت عبد الله القرشية تعلم النساء القراءة والكتابة، وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك أن تعلميها رقية النمل كما علمتها الكتابة) يقصد عليك أن تعلمي حفصة رضي الله عنها، وقد ولاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحسبة في السوق وهي وظيفة مهمة تمنع بمقتضاها الغش والاحتكار.[8]

 

 

وكان النسوة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يمرضن ويداوين المرضى والجرحى وأشهرهم الربيع بنت معوذ التي قالت “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة”،[9]

وعن محمود بن سيد قال لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول (كيف أمسيت وإذا أصبح كيف أصبحت فيخبره.[10]

وكانت رفيدة امرأة تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كان به ضيعة من المسلمين.[11]

 كما كانت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعمل قابلة وقد تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكانت تخرج معه ليلا لتساعد النساء في الولادة وتمرضهن[12].

وثبت أن المرأة شاركت في الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم ودافعت عن دينها وأعانت الجنود بالسقيا والإطعام والتطبيب.

فعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنة ملحان فاتكأ عندها، ثم ضحك، فقالت لما تضحك يا رسول الله؟ فقال : ناس من أمتي يركبون البحر الأخظر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرة، فقالت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم فقال اللهم اجعلها منهم، قال أنس : فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت قرضة، فلما قفلت ركبت  دابتها، فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت.[13]

– وعن ثعلبة بن أبي مالك : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا بين نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده : يا أمير المؤمنين أعط هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك يريدون أم كلثوم بنت علي – فقال عمر : أم سليط أحق.

وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر :

فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد”، قال أبو عبد الله تزفر : تخيط.[14]

 وعن أنس رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمستمرتان أرى خدم سوقهن تنقزان القرب – وقال غيره تنقلان القرب – على متونهن ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنهما ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.[15]

ولا سنة للنساء في ممارسة التجارة أظهر وأهدى من الاقتداء بسيدتنا خديجه بنت خويلد التي كانت من أصحاب رؤوس الأموال في مكة، وكانت لها تجارة تبعت بها إلى الشام وكانت تستأجر لتجارتها الرجال، فقد خرج في عيرها خير الرجال صلى الله عليه وسلم.[16]

وفي ترجمة أم بني أنمار، أنها كانت تاجرة تبيع وتشتري.[17]

 وكانت رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وأم ولده، امرأة ذات صنعة وكانت تنفق من صنعتها على زوجها وولدها.[18]

 وكانت أسماء بنت مخربة تاجرة تبيع العطور.[19]

والأمثلة على مشاركة المرأة في التنمية الاقتصادية بعملها وكسبها في الإسلام كثيرة جدا إضافة إلى عملها في البيت وقيامها بتدبيره واعتناءها بأمورها الشخصية مثل التجميل والطب النسائي و الغزل والخياطة و غيرها من الأعمال والحرف.

وفي هذه الأمثلة و غيرها كثييير رد على أولئك الذين منعوها من حقها في العمل بل وفي طلب العلم، وضيقوا عليها ما أباحه الشرع لها بحجج واهية، وجعلوها حبيسة البيت لا رأي لها إلا في توافه الأمور، وعطلوا عقلها وفكرها وبذلك عطلوا نصف المجتمع، وكيف لمجتمع أن ينهض ونصفه مسلوب الحرية والإرادة؟

 وما حرص المرأة اليوم على العمل وتفضيلها إياه على الحياة الزوجية إلا ردة فعل وتمرد على ما عانت منه من ظلم وتحقير وتشيئ، فالتطرف لا ينتج إلا تطرفا من نوع آخر، وهو ما نعاني منه اليوم من فساد وعري وعزوف عن الزواج.

أيضا نرد بما أوردناه من أمثله على أولئك الذين يدعون إلى المساواة في الإرث بحجة أن وضع المرأة تغير وهي الآن عاملة ومشاركة اقتصاديا مثلها مثل الرجل، لذلك وجب إعطاؤها مثله، وأن القوامة اليوم لم تعد حكرا على الرجل ونقول لهم أن المرأة كانت تعمل منذ العهد الأول للإسلام ولم يقل أحد بمثل ما أنتم قائلون.

[1] – فتاوى المرأة المسلمة تأليف الدكتور يوسف القرضاوي مؤسسه الرسالة ص 66.

[2] – النحل : 97.

[3] – النساء :32.

[4] – غافر : 40.

[5] – فيض القدير، شرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي، ط 1، 1356هـ المكتبة التجارية الكبرى مصر 361/4.

[6] – عمل المرأة في ضوء الشريعة الاسلامية بحث مقدم لمؤتمر التشريع الإسلامي ومتطلبات الواقع الذي تقيمه كلية الشريعة والقانون بالجامعة الاسلامية بغزة في الفترة بين 14-13/3/2006 إعداد محمود يوسف محمد الشويكي ص 5.

[7] – الإصابة في تمييز الصحابة للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنه 852، دراسة وتحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية 233/8.

[8] – المرجع السابق 202/8.

[9] – أخرجه البخاري باب مداواة النساء الجرحى في الغزو رقم الحديث 2882، ص711.

[10] – صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري بقلم محمد ناصر الدين الأباني مكتبة الدليل رقم الحديث 1129 ص 434.

[11] – الإصابة في تمييز الصحابة 136/8.

[12] – عمل المرأة في ضوء الشريعة الإسلامية ص 6.

[13] – أخرجه البخاري باب غزو المرأة في البحر رقم الحديث 2877 ص 710.

[14] – أخرجه البخاري باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو رقم الحديث 2881 ص 711.

[15] – أخرجه البخاري باب غزوالنساء وقتالهن مع الرجال رقم الحديث 2880 ص 711.

[16] – الإصابة في تمييز الصحابة 8 / 99.

[17] – المرجع السابق 8 / 291.

[18] – المرجع السابق 8 / 148.

[19] – المرجع السابق 8 / 16.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: