عقبات تربية الإنسان في القرآن الكريم

مقدمة

المحور الأول: عقبات تربية الإنسان في القرآن الكريم

ـ العقبة الأولى: الإبليسية 

ـ العقبة الثانية: الفرعونية

ـ العقبة الثالثة: القارونية

مقدمة

زخر تراثنا الإسلامي بعد القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وإلى يومنا هذا بمدارس تربوية متعددة عنيت بالكيان الباطني الروحي للإنسان؛ إلا أن هذه المدارس حادت في عمومها عن التربية الإيمانية القرآنية التي تروم بناء الإنسان بناء متكاملا؛ انطلاقا من كبده الفردي والجماعي، وترفعه مع الجماعة المؤمنة إلى قمة العقبة، إلى حيث ينال رضى الله دنيا وأخرى.

ويستمد الحديث عن بناء وتربية الإنسان في القرآن الكريم أهميته، ويثبت جدوى الاعتناء به من كونه يهديه إلى عقيدة واضحة سهلة لا غموض فيها ولا التواء، يحرر روحه من الأوهام والخرافات كما يحرر طاقاته للعمل والبناء، فما صلح به الجيل القرآني النبوي الأول تصلح به الأجيال إلى يوم القيامة إن كانت التربية والتعليم قرآنيين نبويين.

ولما كانت التربية القرآنية تحتضن الإنسان في جميع أبعاده الوجدانية والعقلية والسلوكية، تعيّن علينا أن ننظر للحقيقة الإنسانية بالنظرة القرآنية التي أحلَّت الإنسان محل التكريم والتفضيل، وأناطت به وظيفة الخلافة في الأرض، مُعترفةً به كُلا متماسكاً كما فطره خالقه سبحانه: جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً، إرادةً ووجداناً.

إن القرآن الكريم دليل بناء الإنسان ومادته، قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (سورة النحل: 44)، فلا تصح تربية الفرد إلا بهدي القرآن، منه ننطلق وإليه ننتهي، به تطب القلوب، وتهذب الأخلاق. ومن أصدق المعايير على تردي تربيتنا بعدنا عن منهج القرآن الكريم وتعاليمه، حالت بيننا وبين تلمس نوره والاهتداء بأحكامه ما كسبت أنفسنا، قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين: 14)، هذا الانحدار التربوي المريع يقودنا إلى طرح السؤالين التاليين:

ما هي العقبات التي تحول دون الاقتباس من أنوار القرآن الكريم وتمثل أحكامه؟ وماهي الشروط القرآنية الكفيلة ببناء الإنسان؟

للإجابة عن هذين السؤالين، أرى أن يكون موضوع هذا المقال بعد هذه المقدمة في محورين اثنين:

المحور الأول: عقبات تربية الإنسان في القرآن الكريم

يخاطب القرآن الكريم الإنسان من حيث كونه إنسانا في كبد، يستحثه للنهوض من الجهل بالله والقعود عن السير والسلوك إلى الله. يشجعه على اقتحام العقبة التي يتجاوز باقتحامها عوائق الشح المجبولة عليه النفوس، فيصبح مؤهلا للانضمام في سلك المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة، المصطفين للميمنة والسعادة عند الله. قال الله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)  (البلد:4)، وقال جل جلاله يلوم هذا الإنسان لميله إلى الراحة وإخلاده إلى الأرض، ويحثه على اليقظة والاقتحام: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ) (البلد:11 ـ 20)

إن النداء القرآني يخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدا عن الله. ثم يرفعه في صحبة المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة. لكن تعترض تربيةَ المؤمن وبناءه البناء القويم عقباتٌ عدة، يمكن تلخيصها في ثلاث:

ـ العقبة الأولى: الإبليسية:

وأقصد بالإبليسية في هذا المقام، الأنانية المستعلية التي يعوق أصحابَها عن اقتحام عقبات السير إلى الله تعالى امتلاءُ مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه. أنانية تستعبد الفرد لهوى نفسه أو لهوى غيره، وأول من سن ّذلك إبليس، قال الله تعالى (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) ). (ص: 71 ـ 76)،  هذه هي الإبليسية التي تقطع حبال الوصل بالله تعالى وتؤدي إلى الامتناع عن امتثال أمره سبحانه وحكمه، إنها آفة عظيمة مهلكة. قال ابن كثير:” كان  ـ أي إبليس ـ من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه عز وجل فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله عز وجل وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض”[1].

وقال ابن كثير في موضع آخر في شأن امتناع إبليس لأمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام بسبب أنانيته المستعلية وحبه المفرط لذاته: “وقول إبليس لعنه الله أنا خير منه من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى: فقعوا له ساجدين فشذ من بين الملائكة لترك السجود”[2].

إن الأنانية مرض عضال ومعول هدام يفوق خطرها كل غريزة لأنها تستخدم بقية الغرائز لإشباع متطلباتها، إنَّها أعظم عقبة تعانيها البشريَّة ـ فردا وجماعة ـ لأنها تسكن النفس، فمن لم يمسك بتلابيب نفسه واقتحم عقبة أنانيته ضل وهلك. كما أنها إذا شاعت في المجتمع انحلّت عقده، وانفصمت عراه؛ ولذلك جاء الإسلام لعلاج هذا المرض الذي يفتك بالفرد والمجتمع، حيث دعا الإسلام إلى التحلي بالإيثار ومحاربة الأنانية، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”[3].

قال النووي: “قال العلماء رحمهم الله معناه لا يؤمن الإيمان التام”[4]، فالمراد من النفي في هذا الحديث نفي كمال الإيمان، قال ابن دقيق في شرح الأربعين: “لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين”[5].

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: “وحديث أنس يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يَسرُّه ما يسرُّ أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كلُّه إنَّما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغلِّ والغِشِّ والحسد، فإنَّ الحسدَ يقتضي أن يكره الحاسدُ أن يفوقَه أحدٌ في خير، أو يساويه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أن يَمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلافَ ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلُّهم فيما أعطاه الله من الخير، من غير أن ينقص عليه منه شيء”[6]، وقال رحمه الله أيضا: “وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يُحبَّ للمؤمنين ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصاً في دينه اجتهد في إصلاحه”[7].

وحاصل القول، فإن الأنانية محرمة في الإسلام، إذ هي من أكبر العوائق عن الكمال البشري، ومن أعظم المهالك في الحال والمآل، فكم من عز صيرته ذلا، وكم من قوة أحالتها ضعفا.

ـ العقبة الثانية: الفرعونية

وأقصد بهذه العقبة الكبر والاستعلاء على الخلق، وحقيقة الكبر كما نص الإمام الغزالي رحمه الله أن يرى المرء “نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزة من هذه الرؤية والعقيدة”[8]، والكبر من الصفات الذميمة وشر محض لا خير فيه، فكفى به داء عضالا، وكفى به على صاحبه وبالا، وهو من أعظم العوائق عن بناء الإنسان وتربيته التربية المتوازنة، ذلك أن المتكبر تصدر عنه أفعال بغيضة كالترفع في المجالس، والنظر إلى الناس بعين التحقير، والغضب إذا لم قصر في تبجيله وتعظيمه، قال الإمام الغزالي مفصلا خطورة الكبر: “وإنما عظم الكبر حتى لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه، لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة:

أولها: أنه منازعة الله في خصوص صفته، إذ الكبرياء رداؤه، كما قال الله، فإن العظمة لا تليق إلا به. ومن أين تليق العظمة بالعبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئا، فضلا عن أمر غيره.

الثانية: أن يحمله على جحد الحق وازدراء الخلق..

الثالثة: أنه يحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة، لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، وعلى ترك الانفة والحسد والغضب، ولا يقدر على كظم الغيظ، وعلى اللطف في النصح، وعلى ترك الرياء.

وبالجملة فلا يبقى خلق مذموم إلا ويضطر المتكبر إلى ارتكابه لحفظ كبره، ولا خلق محمود إلا ويضطر إلى تركه”[9].

وقد ضرب الله تعالى لنا في القرآن العظيم أمثلة للمستكبرين المتجبرين في الأرض، أقتصر ـ اختصارا ـ على ذكر مثالين اثنين:

أولا: فرعون

وهو من أئمة المتكبرين الذين تجبروا وعثوا في الأرض فسادا، بلغ به الكبر أن ادعى الربوبية )أنا ربكم الأعلى(، و )يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري(، فأغرقه الله تعالى وغيبه في قعر الماء جزاء تكبره، قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: “ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة، جعله الله تعالى نكالا لمن ادعى الربوبية، فقال: أنا ربكم الأعلى، إذ على قدر الذنب يكون العقاب، ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعي وتغييبه في قعر الماء”[10].

ثانيا: قوم عاد

قوم عاد هم القوم الذين دعاهم نبي الله هود عليه السلام إلى عبادة الله وترك عبادة الأوثان، لكنهم استكبروا ولم يستجيبوا، قال تعالى )فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)( (فصلت: 15 ـ 16)

وهذا مثال آخر على علو واستكبار النفس البشرية في الأرض، فقوم عاد استكبروا في الأرض وتعظموا على أهلها واستعلوا فيها واستولوا على أهلها بغير استحقاق، حيث “كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من جبل فيقتلعها بيده”[11]، فاغتروا واستكبروا بقوتهم وشوكتهم، فأرسل الحق سبحانه وتعالى عليهم ريحا باردة أهلكتهم. قال ابن كثير: “فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا) قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت. والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: (بريح صرصر عاتية) (الحاقة:6) ، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج”[12].

ـ العقبة الثالثة: القارونية:

وأقصد بالقارونية استغناء النفس البشرية عن الله تعالى في جميع الأمور، وهي عقبة تمنع المرء من الاتصاف بالخلال الحميدة وتمثل الفضائل ومحاسن الأفعال والأقوال، إنها رذيلة خطيرة مهلكة موجبة لمقت الله وعذابه، ونمثل لها في هذا المقام بقارون الذي حكى لنا القرآن الكريم قصته، قال تعالى )إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)( (القصص: 76 ـ 78)

قال الشوكاني رحمه الله تعالى: “قيل المعنى: إن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني”[13]. فقارون لم ينسب ما أوتي إلى بارئه سبحانه افتقارا إليه وانكسارا إنما نسبه إلى نفسه استحقاقا واغترارا، وقد “نبه القرآن على خطئه في اغتراره وعارض منزعه”[14].

إن الناس جميعا ـ غنيهم وفقيرهم كبيرهم وصغيرهم ـ فقراء إلى الله تعالى في كل شيء في تدبيرهم وتخطيطهم، وقيام أمورهم، وإصلاح شؤونهم، لا يستغنون عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فالله هو الغني المطلق، والناس فقراء محتاجون إليه، قال تعالى )يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ( (فاطر:15). وقد جعل الله استغناء العبد عنه موجبا لهلاكه، قال تعالى )وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى( (الليل:8-10)، وأخبر أن رؤيته غنى نفسه، سبب طغيانه، فقال )كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى( (العلق: 6-7)، ولذلك فالموفق من خلق الله تعالى أعظمهم رؤية وشهودا لفقره وحاجته إلى ربه جل وعلا.

قال ابن القيم رحمه الله: “قال تعالى: (كَلاّ إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىَ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: 6-7) ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئاً عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل، بل قال: (وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ) (الليل: 8-10) ، وهذا- والله أَعلم- لأَنه ذكر موجب طغيانه، وهو رؤية غنى نفسه، وذكر في سورة الليل موجب هلاكه، وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإِنه لو افتقر إِليه، لتقرب إِليه بما أَمره من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بداً من امتثال أَوامره، ولذلك ذكر معه بخله، وهو تركه إِعطاء ما وجب عليه من الأَقوال، والأَعمال، وأداءِ المال، وجمع إِلى ذلك تكذيبه بالحسنى، وهي التي وعد بها أَهل الإِحسان بقوله: (لّلّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَىَ وَزِيَادَةٌ) (يونس: 26)”[15].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تحقيق سامي بن محمد السلامة، الطبعة الثانية، السنة 1999م، دار طيبة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ـ الرياض:7/ 81 ـ 82

[2] ـ نفس المصدر، 3/392

[3]  ـ صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم: 13، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، رقم: 71

[4]  ـ صحيح مسلم بشرح النووي، الطبعة الأولى، السنة 1929م، المطبعة المصرية بالأزهر، 2/16.

[5]  ـ شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد، الطبعة السادسة، السنة 2003م، مؤسسة الريان، ص: 63

[6]  ـ جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي الدمشقي، تحقيق صلاح عويضة، الطبعة الأولى، السنة 1999م، دار المنار للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، ص: 120

[7] ـ نفس المصدر، ص: 121

[8]  ـ كتاب الأربعين في أصول الدين في العقائد وأسرار العبادات والأخلاق للإمام الغزالي، تحقيق عبد الله عبد الحميد عرواني، الطبعة الأولى، السنة 2003م، دار القلم، دمشق، ص: 157

[9]  ـ كتاب الأربعين في أصول الدين في العقائد وأسرار العبادات والأخلاق، ص: 157 ـ 128

[10]  ـ البحر المحيط في التفسير لأبي حيان الاندلسي، تحقيق صدقي محمد جميل، طبعة 1420هـ، الناشر: دار الفكر، بيروت. 1/ 320

[11]  ـ تفسير أبي السعود، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. بدون طبعة بدون سنة، 8/ 8

[12]  ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 7/169

[13]  ـ فتح القدير للشوكاني، الطبعة الأولى، السنة 1414ه، الناشر: دار الكلم الطيب، دمشق ـ بيروت، 4/215

[14]  ـ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، الطبعة الأولى، السنة 1422هـ، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 4/300

[15]  ـ طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن قيم الجوزية، تحقيق محمد أجمل الإصلاحي، الطبعة الأولى، السنة 1429 هـ، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، 2/25

اظهر المزيد

د. عبد الإلاه بالقاري

تخصص علوم القرآن وأصول الفقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: