ضعف التدين والالتزام: المفهوم والأسباب والتجليات

أصل البحث: كتاب مشكلات وحلول من إعداد نخبة من الباحثين (لتحميل الكتاب كاملا اضغط هنا)

كثيرا ما تعقد المجالس واللقاءات، وتنظم المحافل الفكرية والعلمية، وتكتب الكتب والمؤلفات لمعالجة ظاهرة من الظواهر المعقّدة، أو مشكلة من المشاكل الخطيرة المتعددة التي تصيب عددا من المجتمعات الإسلامية كما تصيب غيرها، لكن بالنظر العلمي والواقعي إلى هذه الظواهر أو المشاكل، وبالبحث عن أسبابها وسياقاتها نجد أنها نتيجة سبب رئيس، أو  ظاهرة أصل، ومشكلة أم، فتصبح باقي الظواهر والمشاكل والانحرافات سواء التنظيمية أو الفكرية أو الحركية، مجرد نتائج لتلك المقدمة، وتفريعات لمركز الإشكال، ومن بين هذه الظواهر التي بدأت تسري وتستشري في المجتمع الإسلامي، ضعف التدين والالتزام، وما يترّتب عنه من ضعف وهوان وبلاء، وما يُنسب إليه من انتكاس وتردٍّ ونقص، ولهذا يبدو أنه مشكل/أصل، وظاهرة/ أم، بحاجة إلى الوقوف عندها بقوة وعمق وبعد نظر، تحليلا وفهما، وطرحا لممكنات العلاج والنهوض، وبحثا عن مخرجات التجاوز والوقاية.

فماذا نقصد بضعف التدين والالتزام؟ وما هي أسباب هذا الضعف؟ وما هي أبرز تجلياته وآثاره على الفرد والمجتمع؟

  • المقصود بضعف التدين والالتزام:

ليس المقصود بالتدين مجرد أن يؤمن الإنسان بعقيدة التوحيد، ويعتنق دين الإسلام، ولا أن يتبنى شكلا ومظهرا يوحي بتدينه والتزامه مما تعجب به النفس ويوافق هواها وإن كان من الدين، بل التدين أن يلتزم هذا الإنسان بشعائر الدين وأحكامه وشريعته ظاهرا وباطنا، إنه التزام اختياري بمنهج الدين ومقوماته وأسسه وقواعده، فالمسلم المتدين هو الذي يعمل بما جاء به الإسلام في مختلف المجالات الحياتية، التعبدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية وغيرها، قلبيا ووجدانيا، عمليا وسلوكيا.

وضعف التدين بناء على ما سبق هو ضعف الالتزام بما جاء به الدين وما شرعه ووضعه للناس من قواعد وأحكام وتشريعات لضبط معتقداتهم وأخلاقهم وسلوكاتهم أقوالا وأفعالا.

  • أسباب ضعف التدين والالتزام وتجلياته:

تتعدد أسباب هذه المشكلة، لكنها في المجمل لا تخرج عن عوامل ترجع إلى صيغ الاعتقاد وأشكال تمثُّلِ الدين، وعوامل ترجع إلى الأساس النفسي والفكري الذي يستقبل الاعتقاد ويتفاعل معه، تبنّيا وتشبّثا، وعوامل اجتماعية تهم علاقة الفرد بباقي أفراد المجتمع، والتأثيرات الممكنة لذلك على طبيعة تديُّنه ودرجة التمسك بشعائره والاستمساك بمختلف مظاهره وأبعاده، ويمكن على هذا الأساس التمييز بين:

أسباب ذاتية تتعلق بالفرد:

  • الجهل والتقليد والتبعية؛ وهي متلازمات لا تنفك عن بعضها، فالجهل بحقيقة الدين، وسوء فهم المقاصد والغايات التي جاء من أجلها، والجهل بحقيقة الأحكام والتشريعات التي وضعها الشارع لتحقيق تلك المقاصد، يجعل الإنسان يحكم على الدين من خلال فهمه وتمثلاته الخاطئة عنه، فينعكس ذلك على التزامه بتلك الأحكام والتشريعات، حيث يضعف التدين والالتزام.
  • الترف الفكري والجنوح إلى الجدال؛ وهو مقابل لسابقه، وقد أكد القرآن ميل الإنسان للجدال ولو كان عن جهل أو سوء فهم[1]، كما أنكر على بعض المصرّحين بإيمانهم باللسان فقط، وحذرهم من أن يكونوا قولة لا فعلة[2]، لأن التدين ليس قدرة فكرية على المقارعة والمحاججة والكلام عن الدين، بقدر ما هو التزام وتطبيق عملي لما جاء به هذا الدين في الاعتقاد والقول والعمل.
  • الفراغ؛ وهو النعمة العظمى التي يغبن فيها كثير من الناس كما في الحديث[3]، وخصوصا في ظل التطورات التي تشهدها الحياة في مجال التكنولوجيات الحديثة التي تأخذ الكثير من أوقات الإنسان، فتجد الواحد من الناس يجلس الساعات أمام هذه الوسائل، ويضيع فيما تعرضه وتتيحه من خدمات ومتاهات فينحرف عن القصد الذي من أجله وجد وخلق.
  • الانشغال بطلب المال والجاه والسلطة؛ وهو على نقيض سابقه. فإن كان طلب الرزق والتكسب عبادة، فإن الانشغال عن طلب وجه الله والاستجابة لداعي الفلاح، والغفلة عن الحقيقة اليقينية أن الله سبحانه الرزاق، يجعل الإنسان يتيه في سعيه وبحثه حتى يصير المال والجاه والسلطة سلطانا وإلهاً يُتَوَدَّدُ إليه ويُرجى في مذلّة وخنوع واستماتة، فيشغل كل وقته ويسطو على اهتمامه الأكبر، ويستأثر بالمرتبة الأولى في سلم أولوياته.
  • اتباع شهوات النفس وملذات الدنيا؛ وهي أول دواعي الانحراف كمظهر من مظاهر ضعف التدين، إذ النفس هي العدو الأول للإنسان ومكمن الشرور والآفات، وهي المثبّطة للإنسان والباعثة على التكاسل والتقاعس والخمول والتثاقل، وكلما استحكمت هواها ونوازعها في شخصية الإنسان صار ضعيفا أمامها لا يقوى على مقاومتها، حتى يصير خاضعا لها أسيرا لرغباتها وأهوائها وسافسفها، غارقا في ظلامها وظلمها.
  • اتباع خطوات الشيطان؛ وأول خطواته التي يستدرج فيها الإنسان حتى يقع في الفواحش والمنكرات، أن يزين له التوسع في المباحات التي تنشغل بها النفس، ثم تبرير المشتبهات التي تقربه شيئا فشيئا إلى المحرمات حتى يقع فيها، ومن ثم يوصله إلى الموبقات والفواحش الكبيرة. وقد بين الحق سبحانه ذلك بقوله عز من قائل: “وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ” (النور: 21).
  • قسوة القلب وكثرة أمراضه؛ كالأنانية وحبّ الذات، والتكبّر والاستعلاء على خلق الله، والبخل والشح، وضعف الإيمان بقضاء الله وقدره، والطباع السيئة، والتهاون في أداء الحقوق والواجبات وأولها العبادات، وهي آفات تستفحل حتى يصير القلب عاجزا بالكلية عن مقاومتها.
  • الغفلة عن ذكر الله، وضعف الإيمان؛ وهو نتيجة حتمية لما سبق من انشغال وانحراف عن القصد، وقسوة للقلب، حتى إنه مع توالي الساعات والأيام تصبح العبادة أثقل على النفس، فتتوهم النفس أنها منشغلة ولا وقت لديها لقرآن وأذكار وصلوات ومجالس وطاعات، فيضعف الإيمان ويخلق كما يخلق الثوب[4].
  • التسويف وطول الأمل؛ وهي من الآفات الخطيرة التي تتهدد الإنسان، فرغم علم الإنسان بحاله وبعده عن الله وقسوة قلبه وضعف إيمانه يسوّف التوبة والرجوع إلى الله تعالى، ويلهه الأمل، وقد حذر سبحانه منها في قوله تعالى:  ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر: 03).

أسباب مؤسساتية: مرتبطة بالبنيات الاجتماعية

وهي أسباب تتأسس على الأسباب الذاتية السابقة، لأنها ترتكز أساسا على قابلية الأفراد للخضوع لها، وتفاوت الرغبة في التدين والقدرة على الالتزام، ويمكن أن نجملها في الآتي:

  • تراجع دور الأسرة في التربية؛ وعلى رأس الأسرة الأبوان، باعتبارهما المسؤولين الأساسيين عن تربية النشء وتعليمه أمور الدين وغرس القيم والأخلاق في نفسوهم، ومع تراجعهما وتخليهما عن هذه المهمة الجليلة طوعا أو كرها، وفي ظل ضعف الروابط الأسرية وعدم تدخل بقية أفراد الأسرة في التربية والتوجيه، وانشغال الجميع بهموم المعاش أصبح التدين مسألة شخصية تضعف باستمرار.
  • تراجع أدوار المدرسة؛ فبعدما كانت المدرسة المحضن الأول للتربية يعهد إليها بعد الأسرة إرشاد النشء وتوجيههم واحتضانهم وتربيتهم، وبعد سلسلة “الإصلاحات” في المناهج التعليمية وميلها إلى التجزيء وتخلّيها عن وظائف التربية وأصولها الأخلاقية، بدأت التراجع، وطغى الاهتمام بالتحصيل العقلي والمهاراتي على الأبعاد الأخلاقية والدينية والوطنية والاجتماعي.
  • الرفقة السيئة وتأثير البيئة؛ فمع تراجع دور الأسرة والمدرسة يجد الإنسان نفسه منذ الصغر مرتبطا بمن يتخذه رفيقا وصاحبا فيدين بدينه ويسبح معه ويلجأ إليه، وغالبا ما تجد ذلك الرفيق قريبا من حاله ليس له من سند ولا موجه يسهر على تربيته وتأهيله، فيصبحان معا ضحية لشهوات النفس ووسوسة الشيطان، يزين أحدهما للآخر ما يقوم به ويؤثر فيه ويتأثر به.
  • التمثلات الاجتماعية للتدين؛ بحيث ينتقل التدين من ممارسات مؤطرة بضوابط وأحكام الدين، إلى مجرد ممارسات اجتماعية ومظاهر وطقوس مفرغة من قيمها ومقاصدها الأساسية، فتجد بعض المنتسبين إلى الدين يخالفون المقاصد الأساسية التي من أجلها وجدت الشعائر والتشريعات، فلا تنتهى صلاة الفرد عن الفحشاء والمنكر، ولا صيامه عن قول الزور والكذب والفحش، وغير ذلك.
  • التنشئة الاجتماعية التطبيعية؛ بحيث يجد “المتدين” نفسه متعودا على كثير من الآفات التي يتم التطبيع معها حتى تصبح مقبولة اجتماعيا، فالكذب والفحش في القول والتبرج وعدم غض البصر وما يفضيان إليه من فواحش وعقوق الوالدين، كل ذلك من الكبائر التي كان المتدين يتهيب الاقتراب منها، ومع تطبيع المجتمع معها أصبحت تنتشر بشكل خطير جدا.
  • الواقع الاجتماعي المتردي؛ بحيث يعيش “المتدين” على المستوى النفسي في واقع من التحبيط والتيئيس والتثبيط والتشتيت، وعلى المستوى المادي في واقع من التفقير والتجهيل والتبخيس، فيصبح التدين والالتزام مسألة ثانوية في سلم الأولويات، لانصراف الجهد الأكبر في السعي إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والنهوض والانعتاق من ذلك الواقع النفسي.
  • التوجهات السياسية والتربّصات العالمية؛ والتي تبعد الدين عن حياة الإنسان شيئا فشيئا، وخصوصا بعد ظهور الدعوات اللائكية واستحكام الفصل بين الدين والسياسة رعاية لمصالح الأنظمة المستحكمة الموقنة بأن تعاليم الدين بما هو رحمة للناس وعدل بينهم في الحقوق والأرزاق يهدد استمرار حكمهم القائم على الاستبداد والتسلط والتحكم في رقاب العباد وخيرات البلاد.
  • التشويه الإعلامي والهجوم على التدين؛ وهي حملات منظمة خادمة لمصالح أصحاب المال والسلطة، فالإعلام اليوم مع اتساع سطلته وتعدد وسائله ووسائطه أصبح بشكل أو بآخر تابعا لسياسات تضرب في العمق الثوابت والقيم الدينية المهددة لمصالحها وعلى رأسها تحقيق العدل والأمن والكرامة الإنسانية بما يجعل الإنسان يقبل على التدين ويلتزم بمقتضياته طواعية.

——————–

[1] – في قوله تعالى: ” وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا” (الكهف: 54).

[2] – في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ” (الصف: 2-3).

[3] – قول النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”، (رواه البخاري).

[4] – كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب”. (رواه الحاكم)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: