سلسلة أعمدة بناء الأسرة المتين

قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾1.
﴿ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ التأسيس إحكام أس البناء وهو أصله، والبنيان مصدر، كالغفران، أريد به المفعول أي المبنى.
﴿ شَفَا﴾ شفا الشيء بالقصر طرفه وشفيره، وتثنيته شفوان أي الشفة، والطرف.
﴿ جُرُفٍ﴾ والجرف بالضم والإسكان وهما لغتان، الأرض التي جرفت السيول أصلها، أي حفرته وأكلته، فإذا سال السيل وانحسر الوادي يبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة، فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف.
﴿هَارٍ﴾ الهاري المتصدع المشرف على السقوط، يقال: هارَ الجُرُف يهور أو يهير إذا انشق من خلفه وهو ثابت بعدُ مكانَه، فهو هائر، فهاري مقلوب هاير، والهار الهائر أي: واهٍ ضعيف، أو ساقط.2
من إعجاز القرآن الكریم، أن الآیة لھا معنى، في السیاق وفي السباق، وفي اللحاق، فإذا نزعتها من سیاقھا، تُعد قانوناً، وتفسیر ھذه الآیة في سیاق الآیات التي قبلھا، لھا منحى، ومعنى، لكن لو اقتطعناھا وحدھا، ووقفنا عند معانیھا الدقیقة، لكانت وحدةً مستقلةً في معانیھا. فمعنى قول الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ﴾. أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه، وقصد به وجه الله،3 وابتغاء مرضاته، فَحسُنت النية في أوله.4 خير أمن أسس دينه على ضد ذلك.5
قصد الرياء والمنافسة، فكأنه بني على طرف حفرة واهٍ ضعيف، أشرف على السقوط، أو ساقط. وتأسيس البناء على التقوى، هو تحسين النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار هو فساد النية وقصد الرياء.6
ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط ، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم،7
فیا ترى ھل بنیت عقیدتك على ٍ أساس صحیح ؟ ھل عرفت حقیقة الحیاة الدنیا ؟ ھل عرفت من أنت ؟ ما دورك في الحیاة ؟ ھل عرفت حقیقة الكون ؟ لماذا خلقت في الدنیا ؟ هل تصوراتك عن الكون، والحیاة و الشھوات، صحیحة ؟ ما حكمة الشھوة التي أودعھا الله فیك؟ ھل أنت مخیر أم مسیر ؟ ما أثمن شيء بالحیاة الدنیا ؟ ھل ھو أن تجمع الأموال ؟ أم أن تنغمس في الملذات ؟ أم أن تعمل صالحاً، هذا مجال من البناء الفكري. أما الأسرة وهي موضوعنا فهي كذلك بناء، فهل أسست بناء البیت بشكل إسلامي ؟ هل اخترت زوجة صالحة مؤمنة ؟ فمن تزوج المرأة لجمالھا أذله الله، ومن تزوجھا لمالھا أفقره الله، ومن تزوجھا لحسبھا زاده الله دناءة، فعلیك بذات الدین تربت یداك.
وبناء على هذه الآية التي تعتبر قانونا إلهيا، فما من زواجٍ یبنى على طاعة الله ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه، إلا ويتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، وما من زواجٍ یبنى على معصیة الله ولو توافرت له كل أسباب النجاح، إلا ویتولى الشیطان لعنه الله التفریق بینھما. فالآیة واسعة جداً وتتضمن أبنية عديدة، بناء ذاتك، فكراً، وشعوراً، وسلوكاً، وبناء بیتك، وھو ألصق شيء بك، اختیار زوجتك، تربیة أولادك، بناء عملك، فھل ھذه الأبنیة: ذاتك، وأھلك، وعملك،… بنیت وفق طاعة الله، وفق منھج الله، وفق الكتاب والسنة، أم وفق العادات والتقالید المخالفة للشرع، أو وفق ما یأتینا من الغرب؟.
وكما أن لكل بناء أعمدة تحميه من الانهيار، فكذلك الأسرة، ليكون بناؤها متينا لابد لها من أعمدة تحميها من التصدع والانهيار، وسنتطرق في هذه السلسلة لمجموعة من هذه الأعمدة، لهذا سميتها “سلسلة أعمدة بناء الأسرة المتين”. ليكون إن شاء الله على تقوى من الله ورضوان، ولا يقتصر على الدنيا فقط، بل يستمر إلى الآخرة، لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾.8
وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.9
الهوامش
1- سورة التوبة، الآية 109.
2- تفسير حقي ، إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي (المتوفى: 1127هـ)، 5/ 165، بترقيم الشاملة آليا.
3- تفسير النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (المتوفى : 850هـ)، (4/ 205، بترقيم الشاملة آليا)
4- البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ) (2/ 448، بترقيم الشاملة آليا).
5- تفسير النيسابوري (4/ 205، بترقيم الشاملة آليا).
6- البحر المديد (2/ 448، بترقيم الشاملة آليا).
7- تفسير النيسابوري (4/ 205، بترقيم الشاملة آليا).
8- سورة الزخرف، الآيتان 69 – 70.
9- سورة الطور، الآية 21.

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: