سلامة القلب وعفة اللسان

كثيرا ما نقف مع كتاب الله عز وجل ونمر سريعا على آياته دون أن يستوقفنا المعنى والقصد، فإذا ما تكررت التلاوة يوما بعد آخر واستحضر العقل وعيه صحبة القلب تبين لنا من الأسرار المكنونة ما تعجب له الأنفس، وتقشعر له الأبدان، وتسلم له الجوارح.

ومن ذلك ما جاء في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته، فبعد أذيتهم له ومحاولة قتله وإلقائه في الجب ثم بيعه، يدور الزمان في قدر مقدور من الله تعالى ويعلي شأن يوسف الصديق نتيجة صبره ومصابرته على الابتلاءات، وتأتي لحظة اللقاء بالإخوة وقد مكنه الله عز وجل من خزائن مصر وحيزت له أسباب القوة، لكنها قوة رحيمة لا تطغى على الناس بقدر ما ترأف بهم وتجود عليهم، وهي نفس اللحظة التي تظهر ضعف الإخوة وهوانهم وجهلهم أن الذي يقف أمامهم يوسف عليه السلام، وقد قدموا إليه طلبا للكيل بعدما أصابهم القحط، فما امتنع وما اغتنم الفرصة للانتقام بل زودهم بما طلبوا فدبر الله تعالى مكيدة لأخذ أخيه الأصغر-بوضع صواع الملك في متاعه- ثم الإعلان عن ضياعه وليكتمل التخطيط الرباني يستخرج الصواع من بين أمتعة بن يامين شقيق يوسف عليه السلام، فما كان من بقية الإخوة لدفع التهمة عنهم إلا أن يفتروا على من أكرمهم (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) [1].

“أي إن سرق فقد سرق أخوه الشقيق من قبل يعنون يوسف تنصلوا من السرقة ورموها يوسف وأخاه”[2]. والمتأمل في هذه الآيات يجد أنه ليس من الغريب أن ينكر إخوة يوسف معروفه وهم يجهلون هويته، وحالهم حال الغريق الذي يتشبث بقشة وإن كانت القشة هي مطية الافتراء، لكن المدهش هو صبر يوسف عليهم وصفاء قلبه وسريرته التي لا تحمل أي حقد أو ضغينة، والأجمل من ذلك أن تتلازم سلامة القلب مع عفة اللسان في قوله تعالى يصف حال يوسف ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم)[3]

“أي أخفى تلك القولة في نفسه وكتمها ولم يظهرها لإخوته تلطفا بهم “[4] لم يبدي امتعاظا أو استنكارا ممن لازالت ألسنتهم ترميه بالسوء، أي تلطف هذا من نفس تحمل جراحات الماضي من أقرب الناس فلا تداوي الجراح ولو بالعتاب، بل تلتمس الأعذار وتعفو وتسامح، كيف نتعلم من يوسف عليه السلام العطاء دون انتظار المقابل؟

عطاء المحبة والرحمة والرفق والبذل بأنواعه، ولا يتأتى هذا إلا لصاحب قلب سليم وعطاء الكلمة الطيبة بعفة اللسان عن كل ما يجرح الآخر، هو السبيل للارتقاء بقيمنا في مدارج السالكين، هي التربية الربانية وحدها قادرة على مغالبة النفس لتطهير القلب واللسان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] -سورة يوسف: الآية 77

[2] صفوة التفاسير: للشيخ علي الصابوني الطبعة التاسعة دار الصابوني المجلد الثاني الصفحة 63

[3] – سورة يوسف: الآية 77

[4] – صفوة التفاسير: 63

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: