سفينة المجتمع

مما لا شك فيه أننا جميعا نعيش في سفينة واحدة هي ( سفينة المجتمع )، ولقد جمعتنا هذه السفينة على اختلاف مشاربنا، وفينا الصالح والطالح والطائع والعاصي.

وقد ورد تشبيه المجتمع بــ ( السفينة ) في حديث النعمان بن بشير – رضى الله عنهما – عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ):

” مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا “[1]

 فالآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر قد أخذوا مكانهم – بعد القرعة – في سفينة المجتمع، فهم في أعلاها مكانا ومكانة.

والتاركون للمعروف المرتكبون للمنكر سفل مكانهم ومكانتهم، فكانوا في ( قاع ) السفينة.

ومن ثم أبحرت ( السفينة )…. تمخر الأمواج…… قد استقل ( أعلاها ) فريق…. وربض في ( أسفلها ) فريق آخر الذين يرتقون سطح ( السفينة ) بين الفينة والأخرى ( يستقون ) الماء، و( يمرون ) بمن فوقهم أثناء الصعود والهبوط.

فأحس( سكان القاع ) بضجر ( سكان السطح ) وامتعاضهم لكثرة مرورهم عليهم لاستقاء الماء. وليت شعري.. من أين لهم هذا الإحساس المريب ؟

فظني أن سكان السطح – لسعة صدورهم – قد احتووا إخوانهم ( سكان القاع )، ولم يبدوا امتعاضا لاستقائهم الماء.

ورغم ذلك تفتقت أذهان أهل القاع عن فكرة عجيبة غير مسؤولة فقالوا “ لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ” ( خلل فكري) وكذلك سولت لهم أنفسهم، ونسوا أو تناسوا العواقب الوخيمة لفعلتهم النكراء، وشؤمها على الجميع.

ونفيا للوم والعتاب – المتوقع – احترزوا بقولهم ” ولم نؤذ من فوقنا ” وكأن نصيبهم في السفينة بمعزل عن باقي السفينة، وكأن فسادهم لن يلحق الجميع.

وبعد عزم أهل القاع على خرق السفينة ( خلل سلوكي ).. هاجت أمواج الفتن، واضطربت السفينة، واندلعت ألسنة اللهب لتحرق الأخضر واليابس.

وهنا……… جاء دور أهل الحق والمصلحون، امتثالا لقوله تعالى:

 ” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ” آل عمران: 104

وتحتم على أهل الحق والمصلحين خياران لا ثالث لهما:

إما ( السلبية ) وترك المفسدين يعيثون في الأرض بلا رادع، وفي ذلك هلاك الجميع، كما أخبر المعصوم ( صلى الله عليه وسلم ): ” فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا “.

 فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هلاك محقق – سلمنا الله وإياكم – كما في قوله ( صلى الله عليه وسلم ):

” والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه ولا يستجاب لكم ” [2]

وفي هلاك الجميع – الصالح والطالح – دلالة على شؤم المعصية على المجتمع كله.

وإما ( الإيجابية ) والتصدي للشر وأهله – وهذا ديدن أهل الحق – وفي ذلك نجاة لركاب السفينة صالحهم وطالحهم، كما في قوله ( صلى الله عليه وسلم ):

 “ وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا “.

ونجاة الجميع فيه إشارة إلى بركة الطاعة وشمولها للصالح والطالح، وعموم الخير للجميع.


[1] رواه البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة رقم ( 2493 ) ( 3 / 139 )، ورواه الترمذي في سننه كتاب القسمة رقم ( 2173 ) ( 4 / 40 ).

[2] رواه الترمذي.

اظهر المزيد

علي سلطان علي السيد

علي سلطان علي السيد مصر - المنيا - سمالوط باحث دراسات اسلامية

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. السلام عليكم …. ارجو اعلامي بالتعليقات ….. ولماذا حذفت الصورة الشخصية من المقال
    اخوكم علي سلطان علي السيد

    1. عليكم السلام و رحمة الله
      يبدو أنك أخي لم تضغط على الزر أسفل صندوق التعليقات حتى يتسنى لك التوصل بالتعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: