دراسة متأنية لبعض المواقف في الهجرة النبوية

توطئة

تعد السيرة النبوية مرجعا ومنهجا ونبراسا مضيئا طريق الدعوة إلى الله، وذلك بالوقوف عند أحداثها وتأملها بعين فاحصة، قصد استنباط المقاصد والغايات منها، فبالغوص في أعماق الوقائع للاستخلاص الدروس والعبر بغية الاقتداء بها وتمثلها في وقتنا الحاضر، وليس مجرد دراسة سطحية تكتفي بسرد الأحداث والإشادة بها. ومن هنا جاء هذا البحث ليكون إضافة نوعية في هذا المجال إن شاء الله.

الهجرة النبوية

يعد السبب الرئيس في هجرة الرسول الكريم وصحبه، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، هو استحالة استمرار العيش في مكة، بعد ما ضيق أهلها الخناق على المؤمنين، لذا نقول بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يهجر مكة، لأنها كانت أحب البلاد إليه، ولكنه هاجر، ومعنى “هاجر” أن من في مكة لم يقبلوا دعوة الإسلام، فاضطروه، بإيذائه وأصحابه واضطهادهم وتضييق الخناق عليهم، إلى أن يهاجر. قال المتنبي:

إذا ارتحلت عن قوم وقد قدروا        أن لا تفارقهم فالراحلون هم [1]

وسنقتصر في دراستنا هاته على ثلاث مواقف وهي:

أ- استخلاف علي كرم الله وجهه للمبيت في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم:

لما عزم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على الهجرة، أخفى أمره إلا من علي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق وآل أبي بكر رضوان الله عليهم أجمعين، قال ابن إسحاق ” أما علي فإن الرسول صلى الله عليه وسلم – فيما بلغني- أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده في مكة، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته”[2].

نستخلص من هذا الحدث الموقف النبوي الرائع اتجاه أعدائه، الذين تآمروا على قتله وكانوا سببا في خروجه من أحب البقاع إليه، ذاك الموقف الذي لم يتبدل ولم يتغير بتغير الظروف التي يعيشها وأصحابه صلى لله عليه وسلم، فلنتأمل محافظته على ودائع الناس وحرصه على إرجاعها لأصحابها، في وقت يفترض فيه عقلا السطو عليها، انتقاما لما تعرض له من أذى في سبيل الله.

فالدرس المستفاد هنا، هو الثبات على المواقف والمبادئ الفاضلة في كل الظروف، وهذه سمة من سمات القيادة الربانية.

ومما تجدر الإشارة إليه كذلك، موقف علي كرم الله وجهه، إذ عرض نفسه للخطر من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو “الجندي الصادق المخلص لدعوة الإصلاح، يفدي قائده بحياته، ففي سلامة القائد سلامة للدعوة، وفي هلاكه خذلانها ووهنها، فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، تضحية بحياته في سبيل بقاء حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي الله عنه انتقاما منه، لأنه سهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاة، ولكن عليا رضي الله عنه لم يبال بذلك، فحسبه أن يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبي الأمة وقائد الدعوة”[3].

ب- خروجه خفية:

هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم خفية كما سبق فيما تمهد، لكنها خفية أشق على نفوس الكافرين من العلن، لأنه خرج خفية ورجال قريش وشبابها متربصون به، وهذه نكاية كبرى، إذ لو لم يحيطوا به لقالوا لو أحطنا به لما أفلت منا، لكن حاصروه ورغم ذلك فلت، حتى قال قائلهم:” خيبكم الله، والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا”.[4]

فما يستفاد من هذا الموقف، هو مدى حرص الرسول الكريم على الأخذ بالأسباب المادية، رغم كونه معصوما من الناس، ومؤيدا بالوحي، الذي أخبره بتآمر قرش على قتله.

ولعل قائلا يقول: ما الحكمة في خروج عمر بن الخطاب رضي الله عنه جهارا نهارا، متحديا صناديد قريش بقوله ” شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا في هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو يوتم ولده، أو يرمل زوجته فليقني وراء هذا الوادي”[5] في حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم خفية، هل معنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم أقل شجاعة من الفاروق؟ كلا، وهذا محال في حق المصطفى المؤيد من العزيز الجبار، ولكن الحكمة في ذلك أن الرسول الرؤوف الرحيم عليه أزكى الصلاة والتسليم، هو قدوة لعامة الناس، فعمله هذا يعد تشريعا، وهو هنا أسوة ضعيف الحال الذي لا يمكنه الجهر بالهجرة، خوف البطش به، فالمقصد والغاية هنا الهجرة من مكة إلى المدينة والوصول بأمان، ولا عبرة بالكيفية التي تتم بها هذه الهجرة.

ج- استئجار الدليل والأخذ بالأسباب:

أوردت كتب السير أن أبا بكر استأجر رجلا يقال له عبد الله بن أريقط وهو على دين الكفر، وكان ماهرا بالطريق، فأمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الهجرة، وسلما إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث.[6]

إن ما يستفاد من هاهنا هو جواز الاستعانة بغير المسلم إذا كان أمينا وكانت له مؤهلات وقدرات لإنجاز مهام لم يوجد من المسلمين من يقوم بها. ومما تجدر الإشارة إليه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم، القائد الأعظم، كان مطلعا على أحوال الناس، عالما وفقيها بواقعه، وهذا ما ينبغي توفره في إمام المسلمين؛ ومم لا ينبغي إغفاله هنا كذلك، هو موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث كان رجلا ذا مال، فاحتمل جميع ماله معه ليدبر به أمر الهجرة، يقول عبد القدوس الأنصاري ” قد دبر رضي الله عنه أمر السفر تدبيرا محكما، ومسددا وموفقا، فقد أمر ابه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغار، فيحتلبان ويذبحان، ثم يتبع الغنم أثر عبد الله بن أبي بكر إذا عاد إلى مكة فيخفي بذلك أثره، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.”[7]

فما يفهم من هذا النص، هو وجوب الأخذ بجميع الأسباب المتاحة لإنجاز أي عمل، وترك التواكل، إذ لا يخفى على أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الناس قال تعالى: (والله يعصمك من الناس) لكن رغم ذلك لم يركن لهذا الأمر، بل عمل وصاحبه على التعمية على قريش، وأخذا الحيطة والحذر وبث العيون لاستقصاء الأخبار وتحركات كفار قريش، ومن ثم التعامل السليم واللائق مع المستجدات. ومما ذكرنا نستنبط كيفية التعامل مع العدو.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الهجرة النبوية، الشيخ الشعراوي – ص 22-23.

[2] – سيرة ابن هشام- 2/72

[3] – السيرة النبوية دروس وعبر، مصطفى السباعي- ص: 68

[4] – سيرة ابن هشام – 2/71

[5] – تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر – 44/52.

[6] – ينظر طبقات ابن سعد 1/196 ؛ زاد المعاد لابن قيم الجوزية- 2/47.

[7] – طريق الهجرة النبوية،

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: