حدود النمو وندرة الموارد بين المنظور الإيماني والمنظور الرأسمالي

برزت فكرة ندرة الموارد بقوة خلال القرن 20 بعد الحربين؛ فباتت المقارنة بين وثيرة نمو الديمغرافيا ونمو الموارد منطلقا لرواد المنظومة الرأسمالية لتفسير حالة الاختلال الاقتصادي والتنموي بين الشمال والجنوب، فكان الغرض هو تحميل الطبيعة ودول الجنوب مسؤولية الاختلال، الطبيعة لشح مواردها، والعالم الثالث لفرط خصوبته الغير متناسبة مع إنتاجيته، وفي النهاية تنتفي التهمة عن العالم الرأسمالي وترتفع عنه المسؤولية في نهب ثروات الشعوب وإمعانه في تفقيرها أو على الأقل في استقالة من المسؤولية المعنوية والواجب الأخلاقي والإنساني تجاه الشعوب الجائعة، وتوجه التهمة للطبيعة وواهب الطبيعة والوجود سبحانه، وللعالم الثالث الذي يقلق بديمغرافيته المتدفقة راحة قوى الرأسمالية ويهدد التوازن الاقتصادي العالمي، هذه المقولات عن الندرة ومحدودية الموارد صارت مسلمات درج على استهلاكها الباحثون في الإنسانيات والسياسيون والحقوقيون حتى تردد صداها لدى بعض مثقفي دول الجنوب المستلبين فصار الحديث عن تحديد النسل وتخفيض الاستهلاك خطابا رائجا حتى بين المجتمعان الجائعة، بدل استنهاض شعوبهم ومجتمعاتهم للنهوض للإسهام في دورة الإنتاج العالمي الزراعي والصناعي والخدمي ومزاحمة القوى الرأسمالية ومنافستها حتى لا تبقى مجرد سوق مفتوحة لاستهلاك بضائعهم ونفاياتهم، فكرسوا بذلك التبعية والشعور بالدونية ونحلة الغالب.
وفي هذا السياق حرص نادي روما خلال سبعينات القرن الماضي على إشراك خبراء مستقبليين من الجنوب إلى جانب خبراء غربيين في بناء نموذجه المسمى حدود النمو ثم نموذج البشرية عند منعطف أو ما يعرف بنموذج فوستر وميدوز، لكن الرد لم يتأخر كثيرا خلال الثمانينات حيث اجتمع خبراء من الجنوب من أمريكا الجنوبية وآسيا وإفريقيا، بمنتجع باريلوتشي بالأرجنتين فأطلقوا نموذجا جديدا مناقضا في رؤيته وفلسفته ومخرجاته لنادي روما هو ما بان يعرف لدى الباحثين في مستقبليات النمو بنموذج باريلوتشي، وقد خلص في دراسته لأوضاع النمو في العالم إلى أن مشكلة العالم ليست في شح الموارد كما تروج لذلك الدعاية الرأسمالية الغربية بل في التوزيع غير العادل للثروات.
ورغم أن الشائع بين الباحثين أن نموذج باريلوتشي هو نموذج اشتراكي صرف إلا أن النموذج حكمته رؤية تستند لأصول دينية واضحة نابعة من الروح النضالية المؤمنة التي عرفتها أمريكا اللاتينية في معارك التحرر خلال القرن العشرين وصعود نماذج مشرقة من رجال الدين المسيحيين في سياق ما يعرف في الأوساط الفكرية بلاهوت التحرير، ناهيك عن التأثر بخطابات الصحوة الإسلامية عن العدالة الاجتماعية، التي تستصحب الأصل الإيماني القائم على الإقرار بعدالة الله المطلقة مع خلقه وانتفاء الظلم عنه في حقهم، ورحمته بهم عبر ما يفيض به عليهم من الإنعام والعطاء اللامحدود.
ففكرة شح الموارد فكرة رأسمالية تحمل اتهاما مبطنا للخالق بأنه خلق العباد ثم أهملهم كما تتضمن ذلك الأدبيات اليهودية صراحة، والأدبيات المسيحية تضمنا، بل إن أصل فكرة حدود النمو وندرة الموارد يعود لليهودية كما يصرح بذلك القرآن ويفنده في قوله تعالى: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)) فالرؤية الإيمانية في مجال النمو تنتصر لعدم محدودية الموارد، وكفايتها للإنسان، وأنه لاحدود للعطاء الإلهي ((عطاء غير مجذوذ)) وتعبر عن ذلك بالجود والفيض والبسط والخير والبركات… وتطابق بين لامحدودية الإبداع الإنساني بوصف ما ينتج عنه من موارد معنوية ونعم باطنة ولامحدودية الموارد المادية، ((وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة)) لتتطابق بذلك الرؤية الإيمانية مع الرؤية العقلانية التي عبر عنها نموذج باريلوتشي، الذي كان في حينه يعد بحق نموذجا معبرا عن رؤى شعوب العالم الثالث المستضعفين أمام هيمنة منطق الرأسمالية بأصولها اليهودية والمسيحية الأوربية المستعلية على كل الشعوب والأجناس والأعراق.

اظهر المزيد

د. فؤاد بلمودن

دكتور باحث في الفكر الإسلامي والدراسات المستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: