حدود التأويل في القول بثنائية الظاهر والباطن في القرآن عند الشاطبي

تقديم:

من القضايا العلمية التي أثارت جدلا واسعا في تراثنا العلمي المؤسس حول النص القرآني تفسيرا وتأويلا، قضية ظاهر القرآن وباطنه، وذلك في سياق البحث عن مراد الله تعالى من كلامه، أيؤخذ من ظاهره فقط ؟ أم لا بد من النفاذ إلى المعاني الباطنية الكامنة وراء الألفاظ والعبارات عبر مسلك التأويل؟

وتفاوت الناس في مقاربة هذه القضية بين موغل في التأويل إلى حد استثمار معان غريبة عن المجال الدلالي للألفاظ والآيات، وبين رافض لأي تأويل يتجاوز ظاهر النصوص القرآنية، وبين من توسط في الأمر وحاول أن يضع حدودا لتأويل النصوص في القول بالمعاني الباطنية.

ويعد الشاطبي أحد أبرز الموفقين بين الطرفين، وذلك من خلال إقامة علاقة جدلية بين الظاهر والباطن، ووضع ضوابط في تأويل معاني النصوص القرآنية.

لكشف اللثام عن تفاصيل مقاربة الشاطبي لثنائية الظاهر والباطن في القرآن الكريم من مدخل التأويل، جاء هذا الموضوع مؤسسا على القضايا التالية:

أولا: تحديد المفاهيم المؤسسة للموضوع

ثانيا: مفهوم الظاهر والباطن عند الشاطبي

ثالثا: الأساس المرجعي للقول بالباطن في القرآن

رابعا: ضوابط القول بالباطن في القرآن عند الشاطبي

خامسا: أقسام الباطن في القرآن عند الشاطبي

 

أولا: تحديد المفاهيم المؤسسة للموضوع

إن من تمام الوضوح المنهجي، ومستلزمات التواصل المعرفي، توخي مسلك الوضوح في المفاهيم الوظيفية الحاملة للمعارف المراد تقديمها، والتواصل على أساسها، لذلك ألزمت نفسي تصدير هذا الموضوع بتوضيح معرفي للمفاهيم المؤطرة للموضوع، وذلك على النحو الآتي:

أ) المقاربة المعجمية:

لما كانت مدلولات الألفاظ الاصطلاحية ناشئة عن مدلولاتها اللغوية، ومرتبطة بها بضرب من ضروب الارتباط، لزم الحديث عن المعاني اللغوية قبل المعاني الاصطلاحية، فأقول وبالله التوفيق:

1) التأويل: تشير المعاجم اللغوية إلى الاتساع الدلالي للفظة “التأويل”، لتشمل معاني عدة منها:

الرجوع والعاقبة: جاء في اللسان: ” آل الشيء يؤول أولا ومآلا رجعه”[2].

ويقول ابن فارس: ” تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه، مستشهدا بقول الله تعالى: {هل ينظرون إلا تاويله}[3] أي ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم “[4].

التفسير: جاء في اللسان: ” وأول الكلام وتأوله… فسره “[5]، ونقل عن الخليل قوله: ” والتأول والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه “[6]

الإصلاح: جاء في تهذيب الأزهري: ” ألت الشيء جمعته وأصلحته، فكأن التأويل جمع معان مشكلة بلفظ واضح لا إشكال فيه “[7].

السياسة: قال الزمخشري: ” آل الرعية يؤولها إيالة حسنة وهو حسن الإيالة “[8].

2) الظاهر: ذكر صاحب التاج أن ” الظهر من كل شيء خلاف البطن”[9]  وله إطلاقات منها قولهم: الظهر لفظ القرآن والبطن تأويله، وقولهم الظهر الحديث والخبر، والبطن ما فيه من الوعظ والتحذير والتنبيه[10]، ويطلق على سبيل المجاز على الركاب التي تحمل الأثقال في السفر على ظهورها[11]، ومن معاني الظهور البيان، قال الرازي: ” ظهر الشيء تبين “[12].

3) الباطن: قال الخليل: ” البطن في كل شيء خلاف الظهر كبطن الأرض وظهرها، وكالباطن والظاهر، وكالبطانة والظهارة “[13]، ومن معاني الباطن ما جاء ذكره في قوله تعالى: “وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة “[14]، حيث ذكر الخليل أن ” النعمة الباطنة التي قد خصت والظاهرة التي قد عمت “[15].

ويقال للمرء بطن الأمر إذا خبره، وعرف حقيقته[16].

ب) المقاربة الاصطلاحية:

  1) التأويل: فالتأويل عند علماء السلف من أهل العربية والتفسير والحديث يرادف التفسير، وهو ما درج عليه البخاري في صحيحه كقوله:” باب تأويل قول الله تعالى من بعد وصية..”[17]، وكذلك الطبري في تفسيره، حيث يردد عند تفسير كل آية عبارة ” القول في تأويل قوله تعالى”[18]ثم يشرع في تفسيرها، وعبارة: قال أهل التأويل كذا، فيسرد أقوال المفسرين.

وقد ظهر مذهب حمل التأويل على التفسير واضحا في عناوين مدونات التفسير القديمة: كجامع البيان عن تأويل آي القرآن ” للطبري، وكتاب ” أسرار التنزيل وأسرار التأويل” للبيضاوي، و ” الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ” للزمخشري، وغيرها.

أما عند المتأخرين فالتأويل عندهم بالمعنى الأصولي، قال ابن تيمية: ” التأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك”[19]

ولابن حزم تعريف مفصل  للتأويل ضمنه شروطه، يقول: ” التأويل نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر، فإن كان نقله قد صح ببرهان، وكان ناقله واجب الطاعة فهو حق، وإن كان نقله بخلاف ذلك اطرح ولم يلتفت إليه “[20].

وإذا كان ابن حزم يحدد مفهوم التأويل في سياق شروط محددة، فهي إشارة واضحة لاهتمام العلماء بقضية التأويل، والتعويل عليها مسلكا علميا إجرائيا في تفسير وقراءة النص الشرعي، وعلى أساس تلك الشروط المختلفة تفصيلا وإجمالا، ميزوا بين المعتبر من التأويل من غيره،  وعلى هذا المعنى الأصولي للتأويل يجري الكلام في هذا البحث.

2) الظاهر: ينبني مصطلح الظاهر عند الأصوليين على مفهوم الاحتمال تمييزا له عن النص، فحين ينعدم الاحتمال في دلالة اللفظ على معناه نكون أمام النص، وحين تتعدد الاحتمالات مع رجحان واحدة منها نصبح أمام الظاهر، ولذلك نجد الباجي يعرفه بقوله: ” الظاهر في الأقوال هو المعنى الذي يسبق إلى فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ “[21]، في حين يماهي ابن حزم بين الظاهر والنص، لدخولهما عنده تحت مسمى لفظ القرآن والسنة المستدل به على حكم[22].

3) الباطن: قال الراغب الأصفهاني[23]: ” يقال لما تدركه الحاسة ظاهر ولما يخفى عنها باطن، قال عز وجل: ” وذروا ظاهر الاثم وباطنه “[24]، وقال أيضا: ” ما ظهر منها وما بطن “[25]، وعلى هذا المعنى أسس الأحناف تقسيمهم الوحي إلى الظاهر والباطن[26] وكذلك القياس[27].

والباطن صفة من صفات الله تعالى لا يقال إلا مقترنا بالظاهر كالأول والآخر[28]، ومما قيل في وجه اتصاف الله بوصفي الظاهر والباطن إنه ظاهر بآياته باطن بذاته، وقيل ظاهر بأنه محيط بالأشياء مدرك لها باطن من أن يحاط به[29] كما قال عز وجل: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}[30]

وذهب الغزالي إلى أن الباطن علم وهو “علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة”[31]، بينما الباطنية من الشيعة رأت أن ” العلم الباطن لا يوجد إلا عند الأئمة – صلى الله عليهم وسلم – وهم خزنة علمه وخلفاؤه، وهو معجزتهم أبانهم الله بعلم التأويل، كما أبان جدهم محمد بالتنزيل وجعله معجزتهم، فأعجز الخلق جميعا أن يأتوا بمثله، وكذلك أعجزهم عن علم التأويل، وجعله في أئمة دينه من آل الرسول”[32].

أما ابن العربي فتحدث عن التوظيف السلبي لعلم الباطن فقال: “وأما علم الباطن فقد ضلت فيه الأمم فأوغلوا في هذا الباب، وأوعدوا حتى كفرت منهم طائفة لا يحكى قولها الآن لسخافته، وتسورت عليه أخرى وادعى كل واحد منهم أن علمه في كتاب الله ليحرض عليه من يطلبه”[33].

والمشار إليهم في كلام ابن العربي هم الباطنية الذين قال فيهم ابن الجوزي: “الباطنية قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام بالمرة، فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم بل يزعمون أن الله حق وأن محمدا رسول الله والدين صحيح لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر”[34].

وذهب المقدسي إلى ” أنهم أصناف وفرق وان أسماءهم مختلفة لدعوة كل ناجم منهم إلى نفسه وأن عامتهم يظهرون الإمامة ويدعون أن للقرآن تأويلا باطنا “[35]، غير أن الصفة الجامعة لهذه الفرق كما يراها عبد الرحمن بدوي ” تأويل النص بالمعنى الباطن تأويلا يذهب مذاهب شتى، وقد يصل حد التباين بينهما إلى حد التناقض الخاص، فهو يعني أن النصوص الدينية المقدسة رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأسرار مكتوبة.. وأن الطقوس والشعائر بل والأحكام العملية هي الأخرى رموز وأسرار”[36].

يقول أحمد بن يعقوب الطيبي اعترافا بمذهب الإسماعيلية الباطنية في التأويل: “أعترف ألا ظاهر إلا وله باطن، ولا صورة إلا ولها معنى كامل، ولا قشر إلا وله لب، ولا مدينة إلا ولها باب.. ولا شريعة إلا ولها طريقة، ولا طريقة إلا ولها حقيقة، ولا حقيقة إلا ولها تنزيل، ولا تنزيل إلا وله تأويل “[37].

ثانيا: مفهوم الظاهر والباطن عند الشاطبي

بعد أن تحدث الشاطبي عن ظاهر القرآن وباطنه عند القائلين به، وما استندوا إليه في ذلك، قال: ” وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فإذا كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر فصحيح ولا نزاع فيه، وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم، فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى، لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب، فلا يكون ظنيا”[38].

وهذه إشارة لطيفة من الشاطبي رحمه الله إلى أن الموضوع لا يتعلق بمسألة فرعية لا يضر أن تبني على الظن، إنما المسألة أصل معياري في تفسير نص الكتاب، لا يقبل أن يستند إلا إلى القطع شأنه شأن سائر القضايا الأصولية التي تبنى على القطع عند الشاطبي.

وقد حاول الشاطبي أن يوجه قضية الظاهر والباطن في القرآن من منطلق مقاصدي، وذلك حين أصر على ربط القضية باللسان العربي والقصد الشرعي، حيث قال عن الظاهر: ” فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر”[39]، وقال في ضبط الباطن:  ” وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية، فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله “[40].

 ثالثا: الأساس المرجعي للقول بالظاهر والباطن عند الشاطبي

يستند القائلون بالظاهر والباطن في القرآن وعلى رأسهم الشاطبي إلى جملة نصوص نذكر منها:

أ- إنكار القرآن على مخالفي الباطن

فقد جاء إنكار القرآن الكريم شديدا على الذين تمسكوا بالظاهر غير المراد المخالف للباطن المقصود، في آيات عديدة من كتاب الله تعالى، منها قول الله تعالى:

  • {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا}[41]، بمعنى أنهم لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، وليس المقصود هنا في الإنكار عدم فهم نفس الخطاب، وإلا فهو منزل بلسانهم[42].
  • {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}[43]، فهذا قول من جهل حقيقة الأمر، بدليل التعقيب القرآني الفوري في قوله سبحانه: {ولله خزائن السموات والارض ولكن المنافقين لا يفقهون} [44] .
  • أوعد الحق سبحانه اليهود وعيدا شديدا حين تمسكوا بظاهر مخالف قطعا للباطن المراد في قول الله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا…}[45]، فقالوا: {إن الله فقير ونحن أغنياء} فقال لهم الحق سبحانه: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير ونقول ذوقوا عذاب الحريق}[46].
  • {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}[47]، قال الشاطبي في بيان وجه الاستدلال بهذه الآية: ” فظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به؛ لأنهم عرب والمراد شيء آخر، وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله، وإذا حصل التدبر لم يوجد في القرآن اختلاف البتة، فهذا الوجه الذي من جهته يفهم الاتفاق وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه “[48].

ب- ظواهر الآيات:

مما استدلت به الإسماعيلية الباطنية قول الله تعالى:{وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة}[49] فالآية تشير عندهم إلى إقرار الباطن بجوار الظاهر[50].

وقوله تعالى: {وذروا ظاهر الاثم وباطنه}[51]، قال القاضي النعمان في بيان وجه الاستدلال: ” فمن لم يعرف باطن الإثم فيذره أليس يخشى عليه أن يقع فيه إذا جهله”[52].

 ج – نصوص السنة:

من جملة النصوص الحديثية المعتمدة في حجية القول بثنائية الظاهر والباطن في القرآن الكريم، نذكر ما يلي:

– ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن[53].

وذهب الشاطبي تعليقا على هذا الحديث إلى أن ” الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن الله لمراده”[54].

– ما روي عن علي رضي الله عنه أنه “سئل هل عندكم كتاب؟ فقال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال قلت فما في هذه الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر”[55]، ذكر ابن حجر في معنى الحديث قوله: “إن أعطى الله رجلا فهما في كتابه فهو يقدر على الاستنباط فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار”[56].

فهذه مجمل الأسس المرجعية التي انبنى عليها القول بثنائية الظاهر والباطن في القرآن الكريم، فكيف يرى الشاطبي العلاقة بين طرفي هذه الثنائية؟

ثالثا: علاقة الظاهر بالباطن

لقد قرر الشاطبي- كما سبق – أن معنى الباطن هو المعنى المراد من الخطاب، وأن الظاهر يتعلق بالدلالة اللغوية الأولية للألفاظ اللغوية التي تمثل قوالب تبليغ الباطن، ذلك أن للخطاب وجهين: ظاهر المعنى والمراد، ولذلك فإن علاقة الظاهر بالباطن علاقة تكامل وتوافق، وليست علاقة تعارض وتخالف كما يذهب إلى ذلك متأولة المبتدعة[57].

فإقامة علاقة المخالفة بين ظواهر النصوص القرآنية وبواطنها يؤول حتما إلى تصيير ألفاظ القرآن رموزا مفصولة عن معانيها المقصودة، وهذا مخالف للقصد الإفهامي من إنزال القرآن باللسان العربي فالله تعالى كما يقول الرازي “لا يجوز أن يعني بكلامه خلاف ظاهره، ولا يدل عليه البتة”[58]، وذلك “لأن اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه فهو كالمهمل والخطاب بالمهمل باطل”[59].

ومما يؤكد الترابط بين الظاهر والباطن في نصوص الشريعة عامة ونصوص القرآن خاصة، ما جاء في القرآن من التقريع والتشنيع على الجامدين على الظواهر المناقضة للبواطن، كما في قوله تعالى:

  • {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها }[60]، قال الشاطبي: ” والتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد “[61].
  • {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون }[62] وقوله سبحانه: ” صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون”[63] وقوله عز من قائل:{يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}[64]، وغيرها من الآيات التي يعسر عدها ويصعب حصرها.
    • فهذا التشنيع الشديد في القرآن للقوم على اختلاف أصنافهم، راجع لوقوفهم مع ظاهر العبارة وعدم اعتبارهم للمراد منه، قال الشاطبي: ” فتعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر، وعدم اعتبارهم للمراد منه، وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه، وهو باطنه “[65].

رابعا: ضوابط القول بالباطن

لما كان القول بالباطن مدخلا علميا لتفسير النص القرآني عند أهل العلم، وثغرة تسللت منها طوائف نسبت نفسها لأهل الفهم الباطني، لنقض الشريعة  ومناقضتها – إن لم يكن قصدا فبالمآل العملي-، قررالشاطبي أسوة بغيره من العلماء أن يكون القول بالباطن في آية من الآيات منضبطا بضابطين اثنين:[66]

الضابط الأول:

أن يكون الباطن موافقا للظاهر المقرر في لسان العرب، جاريا على المقاصد العربية، ومعهود العرب في التخاطب، بحيث لا يكون معنى غريبا، أو يمجه اللفظ العربي ولا يقتضيه اللفظ القرآني، وإلى هذا المعنى أشار الشاطبي بقوله: ” كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل ” [67].

ذلك أن معاني الخطاب القرآني إنما بلغت باللسان العربي، ونزل القرآن على معهود العرب في التخاطب سواء في ألفاظها الخاصة أو أساليب معانيها، ” فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة “[68].

الضابط الثاني:

أن يكون للباطن شاهد شرعي في محل آخر من غير معارض، سواء كان هذا الشاهد نصا أو ظاهرا وبذلك يتميز الباطن المعتبر من الدعاوى المجردة العارية عن البرهان والفاقدة للشاهد.

والشاطبي حين قرر هذا الضابط إنما يسعى لتأمين مداخل تأويل النص الشرعي عموما والنص القرآني خصوصا من تأويلات المتأولين الزائغين، ومن شغب المشاغبين التي تتخذ من النص القرآني موضوعا حيويا لها منذ زمن طويل إلى الآن، وتتشكل في صور فكرية ومنهجية متنوعة شعارها المركزي حرية القراءة والتأويل للنص القرآني دون التقيد بالضوابط الأصولية ولا الشروط التفسيرية.

خامسا: أقسـام البـاطن

   انطلاقا من الضوابط السابقة، واستقراء لتأويلات ألفاظ القرآن، يمكن تقسيم الباطن إلى:

أ- الباطـن المعتبــر:

نقصد بهذا القسم ما نجده في تأويلات العلماء الراسخين من سلف الأمة وخلفها،الملتزمين بالضابطين السابقين في تأويلاتهم، نذكر منها ما يلي:[69]

1) قصة عمر مع ابن عباس رضي الله عنهم حين أدخله عمر على مشيخة الصحابة، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث تعلم، قال ابن عباس: فسألني عن هذه الآية ” إذا جاء نصر الله والفتح… الآية “[70]، فقلت: إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم[71].

فظاهر السورة الأمر بالتسبيح والاستغفار عند النصر والفتح كما ذهب إلى ذلك مشيخة الصحابة في جوابهم عن سؤال عمر، وباطنها نعي الله لرسوله نفسه، كما فهم ابن عباس رضي الله عنهما.

2) لما نزل قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[72] فرح الناس، وبكى عمر، فلما سئل عن ذلك قال: ” ما بعد الكمال إلا النقصان”، فما لبث النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إلا واحدا وثمانين يوما[73].

3) لما نزل قول الله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} قال أبو الدحداح: ” إن الله كريم استقرض منا ما أعطانا ” أخذا بالباطن المقصود خلافا للظاهر الذي تمسكت به اليهود لعنهم الله حين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء.

4) ذهب الشاطبي إلى أن المأمورات والمنهيات كلها إنما طلب العبد بها شكرا لله على نعمه وآلائه أخذا من قول الله تعالى : {وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون} [74].

فالمكلف في نظر الشاطبي حين يدخل في التكليف بهذا القصد يكون فاهما لمراد الله من خطابه وحصل باطنه على التمام، وإن هو فهم مقتضى عصمة ماله ودمه فقط، فهو خارج عن المقصود، وواقف مع ظاهر الخطاب، كما فهم أهل النفاق من قول الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم}[75].

قال الشاطبي: ” فالمنافق إنما فهم مجرد ظاهر الأمر، من أن الدخول فيما دخل فيه المسلمون موجب لتخلية سبيلهم، فعملوا على الإحراز من عوادي الدنيا وتركوا المقصود من ذلك، وهو الذي بينه القرآن، من التعبد لله والوقوف على قدم الخدمة “[76].

ولذلك ذهب الشاطبي إلى تقرير معيارية الباطن في تحديد حالتي الصواب والخطأ فقال: “وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما وكل من أصاب الحق وصادف الصواب فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه “[77].

ب- الباطـن المبتدع:

إذا كان الباطن عند الراسخين في العلم كما ذكرنا، فإن قوما من أهل الزيغ الباطني ذهبوا بالأمر إلى غير وجهته، فكان ما كان من التأويلات البعيدة والأقوال السخيفة التي نذكر منها:[78]

1)  ما ذهب إليه ابن سمعان – زعيم فرقة من الروافض- من أنه المقصود بقول الله تعالى : {هذا بيان للناس} [79].

2)  حمل قول الله تعالى : {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا} على كسف أبي منصور زعيم فرقة المنصورية[80].

3)  ما ذكره أهل العلم عن عبد الله الشيعي ( المهدي ) الذي كان له صاحبان ينتصر بهما على أمره، وكان أحدهما يسمى نصر الله والآخر الفتح، فقال لهما: أنتما اللذان ذكركما الله في قوله: {إذا جاء نصر الله والفتح…}.[81]

4)  استدلال بعض أهل الكلام بقول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}[82]على جواز نكاح الرجل تسع نسوة[83].

5)  ذهبت الإسماعيلية الباطنية في قوله تعالى: {إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسن إنه كان ظلوما جهولا[84]إلى حمل الأمانة على الولاية والسموات والارض والجبال على الحدود الحية الناطقة، والنطقاء هم السماء، والأئمة هم الأرض والحجج هم الجبال[85]، وزعم بعضهم في تأويلها ” أن الإنسان هو الضد الذي تقمص قميص خلافة النبوة بغير سلطان من الله ولا نص من رسوله “[86].

6)  ومن أغرب تأويلاتهم ما ذكروه في قوله تعالى: {إن الله يامركم أن تذبحوا بقرة..}، حيث حملوا البقرة على عائشة رضي الله عنها[87].

7)  ذهب الكاشاني[88] في تفسيره قول الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}[89] إلى حمل الصراط المستقيم على ” الإمام المفترض الطاعة،  ومعرفته معرفة الصراط المستقيم، من عرفه في الدنيا واقتدى به مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه على الصراط في الآخرة “[90].

تلك نماذج من تأويلات باطنية الزيغ للنصوص القرآنية، أسسها أهلها على عقائد مسبقة راسخة عندهم، لذلك جاءت منفلتة عن مقتضيات اللسان العربي، غير منضبطة بقواعد الشريعة، استعرضناها لتتضح القيمة العلمية لمسلك الشاطبي في القول بالظاهر والباطن.

خلاصة ونتائج

في ختام هذه الجولة في رحاب قضية الظاهر والباطن في القرآن الكريم عند الإمام الشاطبي نورد أهم النتائج العلمية التي خلصنا إليها من هذه الدراسة على شكل عوارض مركزة.

  • تعد قضية الظاهر والباطن من القضايا العلمية الكبرى التي استبدت بالفكر الإسلامي زمنا طويلا، وكلفت العلماء جهودا مضنية كبيرة في ضبطها وتقعيدها، خصوصا وأنها مرتبطة بالنصوص المؤسسة للثقافة والحضارة الإسلاميتين: نصوص الوحي كتابا وسنة.
  • إن اهتمام علماء الأصول والتفسير بتحرير قضية التأويل للنصوص الشرعية من حيث التعريف والشروط والحدود، اهتمام بالمرتكز المنهجي والمدخل العلمي لقضية الظاهر والباطن، فهي مظهر من المظاهر التطبيقية لقضية التأويل، فضبط مدخل التأويل ضبط للقول بالباطن ولا شك.
  • ثنائية الظاهر والباطن من القضايا العلمية التي حظيت باهتمام كبير من الشاطبي رحمه الله حاول معالجتها وتأصيلها ضمن مشروعه المقاصدي بعد أن خاضت في المسألة طوائف كثيرة من المسلمين، خلفت أقوالا نظرية عديدة، وقضايا جزئية تطبيقية كثيرة، اتخذها الشاطبي مدخلا وأرضية لمعالجته للقضية.
  • يرى الشاطبي أن قضية الظاهر والباطن في القرآن من الأصول التفسيرية التي لا يسلم بها إلا حين تؤسس على المستند القطعي، وذلك تمييزا للقول المعتبر في هذه القضية من القول المبتدع الذي يفتقر إلى السند العلمي يسنده.
  • ما خلص إليه الشاطبي في قضية الظاهر والباطن هو أن السبيل لاقتناص القطع فيها أن يربط الظاهر بالمفهوم العربي والباطن بالمقصود الشرعي، معززا ذلك بشواهد عديدة تفيد بمجموعها على طريقة الاستقراء القطع.
  • من الجوانب المهمة التي عالجها الشاطبي في قضية الظاهر والباطن تحديد طبيعة العلاقة الواجب قيامها بين الظاهر والباطن، لأن الشاطبي ألفى هذه العلاقة عند الباطنية علاقة تعارض وتخالف، فقرر أن العلاقة الشرعية اللازمة علاقة تكامل وتعاضد، معززا ذلك بشواهد عديدة تجمع على إنكار إقامة علاقة تعارض بين طرفي المسألة.
  • خلص الشاطبي إلى أن التأمين الأمثل لتأويل النص الشرعي عموما والنص القرآني خصوصا للقول بالباطن، هو التحاكم إلى ضابطين معياريين: موافقة اللسان العربي والقصد الشرعي.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصل اللهم وسلم على نبيك محمد وآله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا المقال بمجلة “منار الهدى”، العدد 14، خريف 2009، من ص 39 إلى ص55.

[2] –  لسان العرب لابن منظور مادة ( أ و ل ).

[3] –  الأعراف من الآية 53.

[4] –  معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة ( أ و ل ).

[5] –  اللسان مادة ( أول ).

[6] –  العين للخليل بن أحمد الفراهيدي  مادة ( أ و ل ).

[7] –  تهذيب اللغة للأزهري مادة ( أ و ل )، وينظر اللسان مادة ( أ و ل ).

[8] –  أساس البلاغة للزمخشري مادة ( أ و ل ).

[9] –  تاج العروس  لمرتضى الزبيدي مادة ( ظ هـ ر )، وينظر مختار الصحاح للرازي ص 197.

[10] –  ينظر التاج مادة ( ظ هـ ر ).

[11] –  ينظر المصدر السابق.

[12] –  مختار الصحاح ص 197.

[13] –  العين مادة ( ب ط ن ).

[14] –  لقمان من الآية 20.

[15] –  العين مادة ( ب ط ن ).

[16] –  أساس البلاغة مادة ( ب ط ن ).

[17] –  كتاب الوصايا من الجامع الصحيح.

[18] –  ينظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 5/7-11-12-15-17…

[19] –  مجموع فتاوى ابن تيمية 5/35.

[20] –  الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1/42-43.

[21] –  إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي تحقيق فبد المجيد تركي ص 172.

[22] –  ينظر الإحكام 1/42.

[23] –  المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني تحقيق محمد سيد كيلاني ص 51.

[24] –  الأنعام من الآية 120.

[25] –  الأعراف من الآية 33.

[26] –  ينظر أصول البزدوي لمحمد علي البزدوي 2/90.

[27] –  ينظر المصدر السابق 1/276.

[28] – ينظر المفردات ص 52.

[29] –  ينظر المصدر السابق والنهاية في غريب الأثر لابن محمد الجزري تحقيق محمود الطناحي 1/136.

[30] –  الأنعام من الآية 103.

[31] –  المستصفى من علم الأصول للغزالي تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي 1/6.

[32] –  تأويل الدعائم للقاضي النعمان 1/61.

[33] –  قانون التأويل لابن العربي تحقيق محمد السليماني ص 196.

[34] –  تلبيس إبليس لابن الجوزي ص 102.

[35] –  ينظر البدء والتاريخ للمقدسي 5/133- 134.

[36] –  مذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي 2/7.

[37] –  رسالة الدستور ودعوة المؤمنين للحضور لابن يعقوب الطيبي ص 92.

[38] –  الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي تحقيق دراز 3/287.

[39] –  الموافقات 3/289.

[40] –  نفسه 3/290.

[41] –  النساء من الآية 77.

[42] –  ينظر الموافقات.

[43] –  المنافقون من الآية 7.

[44] –  المنافقون من الآية 7.

[45] – البقرة من الآية 243 و الحديد من الآية 11.

[46] –  آل عمران 181.

[47] –  النساء الآية 82.

[48] –  الموافقات 3/286.

[49] –  لقمان من الآية 20.

[50] –  ينظر قضية التأويل بين الشيعة وأهل السنة ص 113- 114.

[51] –  سبق تخريجها.

[52] –  أساس التأويل للقاضي النعمان تحقيق عارف تامر ص 28- 29.

[53] –  ابن حبان في صحيحه باب ذكر العلة التي من أجلها قال النبي  صلى الله عليه وسلم  وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ، والبزار في مسنده  من حديث أبي إسحاق الهمداني، والطبراني في المعجم الأوسط وفي الكبير، وابن عبد البر في التمهيد حديث ثالث عشر.

[54] –  الموافقات 3/286.

[55] –  البخاري في كتاب العلم باب كنابة العلم.

[56] –  فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب 1/204.

[57] –  ينظر الموافقات 3/292.

[58] –  المحصول في علم أصول الفقه للفخر الرازي تحقيق طه جابر العلواني 1/388.

[59] –  البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي تحقيق عبد القادر عبد الله العاني.

[60] –  محمد  الآية 25.

[61] –  الموافقات.

[62] –  الحشر من الآية 13.

[63] –  التوبة من الآية 128.

[64] –  الروم الآية 6.

[65] –  الموافقات 3/288.

[66] –  ينظر الموافقات 3/295.

[67] –  الموافقات 3/293.

[68] –  نفسه 2/50.

[69] –  نفسه 3/299 وما بعدها.

[70] –  النصر الآية 1 .

[71] –  ينظر الموافقات 3/287.

[72] –  المائدة من الآية 4.

[73] –  الموافقات 3/287-288

[74] –  النحل من الآية78.

[75] –  التوبة الآية 5.

[76] –  الموافقات 3/291.

[77] –  الموافقات 3/292.

[78] –  ينظر المصدر السابق 3/293. وقضية التأويل بين الشيعة وأهل السنة  ص 111 وما بعدها.

[79] –  آل عمران من الآية 138.

[80] –  الموافقات 3293.

[81] –  ينظر المصدر السابق 3/294.

[82] –  النساء الآية 3.

[83] –  ينظر الموافقات 3/294.

[84] –  الأحزاب الآية 72.

[85] –  ينظر الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب ص 132.

[86] –  ديوان المؤيد في الدين تحقيق محمد كامل حسين ص 85 و 132.

[87] –  ينظر فضائح الباطنية ص 80.

[88] –  وهو من علماء الشيعة الإمامية الاثناعشرية.

[89] –  الفاتحة الآية 6.

[90] –  الصافي في تفسير القرآن للكاشاني 1/54.

الوسوم
اظهر المزيد

د.محماد رفيع

أستاذ الدراسات الأصولية والمقاصدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز- فاس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: