منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

توبة ملك

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد خلق الله الانسان مجبولا على فعل الذنوب والمعاصي، ولذلك أمره بالتوبة فورا من كل ذنب يجترم، فالتوبة مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وسبيل المفلحين، قال تعالى:” وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[1]“.

المزيد من المشاركات
1 من 89

كما قسم الله عز وجل الناس إلى قسمين، تائب، وظالم، في قوله تعالى:” وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[2]“.

ولذلك تجد أحرص الناس على التوبة والإنابة لرب الأرباب ومعتق الرقاب أعرف الناس به، فهم أشد الناس له خشية، ومنه خوفا، وقد وصفهم جل وعلا بقوله:” إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[3]“.

وعلى رأس هؤلاء الانبياء والمرسلون، الذين هم قدوات الناس وأئمتهم، فقد ذكر لنا الله تعالى توبة آدم في قوله:” فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[4]“، وتوبة نوح في قوله:” قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ[5]“.

كما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يكثر من التوبة والاستغفار رغم أنه المخاطب بقوله تعالى:” لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا[6]“، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة[7]“.

فإذا كان هذا حال الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان من عباد الله الصالحين، فكيف بمن هو دونهم، ممن أسرف على نفسه بارتكاب المعاصي، وظلم نفسه باجتراح الآثام والذنوب، هذا إذا لم يتول شيئا من أمور الناس، ولم يتحمل أوزار الحكم.

أما من ابتلي بالمسؤولية، وذبح بسكين المناصب، وأثقل كاهله بأوزار الناس ومظالمهم فليطل على نفسه البكاء، وليسرف في إلى ربه في الاعتذار، قبل أن يفوت الأوان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من جعل قاضيا فكأنما ذبح بغير سكين[8]“.

ولأن العاقل من اتعظ بغيره، فسأنقل للقارئ الكريم قصة توبة ملك من ملوك بني إسرائيل، ينتفع بها كل لبيب، فيحتاط لآخرته، ويتزود للقاء ربه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

1– بين ملك حريص على مصالح الناس وذرية زاهدة في الملك:

كان رجل من ملوك[9] بني إسرائيل قد أعطي طول عمر، وكثرة أموال وكثرة أولاد. وكان أولاده إذا كبر أحدهم لبس ثياب الشعر، ولحق بالجبال، وأكل من الشجر، وساح في الأرض حتى يأتيه الموت. ففعل ذلك جماعتهم رجل بعد رجل، ثم تتابع بنوه على ذلك.

وأصاب ولدا بعد كبر، فدعا قومه، فقال: إني قد أصبت ولدا بعد ما كبرت، وترون شفقتي عليكم، وإني أخاف أن يتبع هذا سنة إخوته، وأنا أخاف عليكم إن لم يكن عليكم أحد من ولدي بعدي أن تهلكوا، فخذوه الآن في صغر سنه، فحببوا إليه الدنيا، فعسى أن يبقى من بعدي عليكم.

2– بين عاقل يطلب العلم وجهال يقدمون له اللهو

فبنوا له حائطا فرسخا في فرسخ، فكان فيه دهرا من دهره. ثم ركب يوما فإذا عليه حائط مصمت، فقال: إني أحسب أن خلف هذا الحائط ناسا وعالما آخر، فأخرجوني أزدد علما وألقى الناس. فقيل ذلك لأبيه، ففزع وخشي أن يتبع سنة إخوته، فقال: اجمعوا عليه كل لهو ولعب، ففعلوا ذلك.

3– إنما ينزل البلاء بالناس للاعتبار، فهل من معتبر؟

ثم ركب في السنة الثانية، فقال: لا بد من الخروج، فأخبر بذلك الشيخ، فقال: أخرجوه.

 فجعل على عجلة وكلل بالزبرجد والذهب، وصار حوله حافتان من الناس. فبينا هو يسير إذا هو برجل مبتلى فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل مبتلى. فقال: أيصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له؟ قالوا: كل خائف له. قال: وأنا فيما انا فيه من السلطان؟ قالوا: نعم، قال: أف لعيشكم هذا! هذا عيش كدر. فرجع مغموما محزونا، فقيل لأبيه، فقال: انشروا عليه كل لهو وباطل حتى تنزعوا من قلبه هذا الحزن والغم.

4– إنما الشيب نذير بقرب الرحيل

فلبث حولا، ثم قال: أخرجوني، فأخرج على مثل حاله الأول، فبينا هو يسير إذا هو برجل قد هرم، ولعابه يسيل من فيه، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل قد هرم. قال: يصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له إن هو عمر؟ قالوا: كل خائف له. قال: أف لعيشكم هذا! هذا عيش لا يصفو لأحد. فأخبر بذلك أبوه، فقال: احشروا عليه كل لهو وباطل. فحشروا عليه.

5- وجاءت سكرت الموت بالحق

فمكث حولا، ثم ركب على مثل حاله، فبينا هو يسير إذا هو بسرير تحمله الرجال على عواتقها. فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل مات. قال لهم: وما الموت؟ إيتوني به! فأتوه به، فقال: أجلسوه. فقالوا إنه لا يجلس. قال: كلموه. قالوا: إنه لا يتكلم. قال. فأين تذهبون به؟ قالوا:   ندفنه تحت الثرى. قال: فيكون ماذا بعد هذا؟ قالوا: الحشر. قال لهم: وما الحشر؟ قالوا:” يوم يقوم الناس لرب العالمين[10]” فيجزى كل واحد على قدر حسناته وسيئاته. قال: ولكم دار غير هذه تجازون فيها؟ قالوا: نعم. فرمى بنفسه من الفرس وجعل يعفر وجهه في التراب، وقال لهم: من هذا كنت أخشى! كاد هذا يأتي علي وأنا لا أعلم به، أما ورب يعطي ويحشر ويجازي! إن هذا آخر العهد بيني وبينكم، فلا سبيل لكم علي بعد هذا اليوم. فقالوا: لا ندعك حتى نردك إلى أبيك.

6- اخرج من الدنيا اختيارا قبل أن تخرج منها اضطرارا

قال: فردوه إلى أبيه، وكاد ينزف دمه. فقال: يا بني! ما هذا الجزع؟ قال: جزعي ليوم يعطى فيه الصغير والكبير مجازاتهما ما عملا من الخير والشر.

 فدعا بثياب فلبسها، وقال: إني عازم في الليل أن أخرج. فلما كان في نصف الليل، أو قريبا منه، خرج.

فلما خرج من باب القصر، قال: اللهم! إني أسألك أمرا ليس لي منه قليل ولا كثير، قد سبقت فيه المقادير.

إلهي! لوددت أن الماء كان في الماء، وأن الطين كان في الطين، ولم أنظر بعيني إلى الدنيا نظرة واحدة.

7– لم يحكم ولم يظلم فكيف بمن فعل؟

قال بكر بن عبد الله: فهذا رجل خرج من ذنب واحد لا يعلم ماذا عليه، فكيف بمن يذنب وهو يعلم ما عليه فيه، ولا يتحرج ولا يجزع ولا يتوب؟


[1]  سورة النور، الآية 31.

[2]  سورة الحجرات، الآية 11.

[3]  سورة الذاريات، الآيات 15/18.

[4]  سورة البقرة، الآية 37.

[5]  سورة هود، الآية 47.

[6]  سورة الفتح، الآية 2.

[7]  صحيح البخاري.

[8]  مستدرك الحاكم.

[9]  كتاب التوابين، لابن قدامة المقدسي، ص 36/39.

[10]  سورة المطففين، الآية 5.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.