منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعليل الأحكام الاجتهادية بين النظرية والتطبيق في المعاملات المالية في المذهب المالكي (القاضي عبد الوهاب نموذجا)

0
اشترك في النشرة البريدية
الفهرس إخفاء
أولا :مسألة؛ الإقالة في بيع السلم _ إقالة بعض ماأسلم )

 

الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم

وبعد؛

     فقد تعتبر دراسة تعليل الأحكام الاجتهادية في المعاملات المالية من أهم الدراسات التي تعين الباحث على معرفة مناهج العلماء في تعليل الأحكام الاجتهادية ؛ لإيجاد جواب حول تساؤلات الناس ؛ مراعين في ذلك  أحوالهم وأعرافهم، ومصالحهم والزمان والمكان وذلك وفق أصول الشريعة الإسلامية ؛ لكي يسلك منهجهم في تنزيلها في المسائل الفرعية الفقهية؛ لذلك نجد التعليل عند فقهاء المذهب الإمام مالك له حضور قوي في بتعليل الأحكام الاجتهادية ، فما المقصود بالتعليل؟ وما هي الأ حكام الاجتهادية  ؟ وما المقصود بالمعاملا ت المالية ؟وما هي أهم التطبيقات الفقهية في ذلك؟

المحور الأول : التعليل:

المزيد من المشاركات
1 من 43

1 التعليل لغة ؛

 قال ابن فارس (ت 395ه): « العين واللام أصول ثلاثة صحيحة : أحدها تكرر أو تكرير، والأخر عائق يعوق، والثالث ضعف في الشيء؛فالأول : العلل وهي الشربة الثانية ، ويقال علل بعد نهل . والفعل يعلون علا وعللا والإبل نفسها تعل عللا. ويقال أعل القوم إذا شربت إبلهم عللا .

والأصل الأخر : العائق يعوق ،قال الخليل العلة : حدث يشغل صاحبه عن وجهه ،ويقال اعتله عن كذا أي اعتاقه قال فاعتله الدهر وللدهر علل .

والأصل الثالث : العلة المرض وصاحبها معتل . قال ابن الأعربي : عل المريض يعل علة فهو عليل ورجل عللة أي كثير العلل ».

2_ التعليل اصطلاحا :

إن تعليل الأحكام الاجتهادية يختلف عن التعليل الأصولي ؛ فالتعليل الأصولي ينبني على وجود علة يشارك فيه الأصل مع الفرع ليصح القياس وتتوفر فيه الأركان الأربعة:

_قال الجرجاني(ت ت 816ه)  في تعريف التعليل هو: « تقرير ثبوت المؤثر لإثبات الأثر».

وقد بين محمد مصطفى شلبي أن التعليل هو: « تبين علة الشيء وهو آلية لاستخراج العلة وإثباتها مع اختلاف ثبوت العلة  فقد تكون من القياس وقد تكون من سواه بملاحظة المجتهد معنى يناسب مناطا شرعيا ».

وقد عرف التعليل بأنه:  « تبين أو تفسير اجتهادي عقلي يستخلص علة الحكم التي يبنى عليها لأنها السبب المعقول لتشريعه ».

فمن خلال هذه التعاريف تبين أن التعليل  الأصولي هو تفسير وتبيين مبني على اجتهاد يقوم به المجتهد  للكشف عن علة الحكم التي يبنى عليها حكم الفرع إن وجدت تلك العلة في الفرع ، وأما تعليل الأحكام الاجتهادية فهو التعليل الفقهي وهو : بذل المجتهد وسعه في بيان مااستند عليه من قواعد فقهية في توجيه الأدلة ترجيحا واختيارا».

وقدعرفه الدكتور الطاهر بن الأزهر خذيري هوذكر السبب ، أوبيان المدرك أو توضيح المسوغ المستند عليه».

فالتعليل الفقهي: أوسع من التعليل الأصولي؛ لأنه تعليل يغلب عليه طابع الاستعمال والتطبيق  بخلاف التعليل الأصولي الذي يغلب عليه النظرية والتجريد ويمكن تعريف التعليل الفقهي بكونه : منهجية في البحث من أجل الإقناع ، ينظر فيه الفقيه ليقنع به المخالف فهو منهج نظري علمي دقيق  يتسم بالوسع.

المحور الثاني : المقصود بالأحكام الاجتهادية

إن الأحكام إما أن تكون شرعية قطعية  ثابثة لا تتغير وهي ليست غرضنا ، وإما أن تكون أحكاما شرعية اجتهادية ظنية، ليست ثابثة وهي قابلة للتغيير وهي المقصود ؛فالأحكام إذن على قسمين ؛ اجتهادية وغير اجتهادية ، وبيان القسمين في الآتي:

القسم الأول : الأحكام غير الاجتهادية:قال ابن القيم في النوع الأول من الأحكام وهو الأحكام الشرعية الثابتة « نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحوذلك, فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالفها وضع عليها».

ذكر الدكتور محمد شبير هذا النوع عند تقسمه الأحكام الشرعية إلى قسمين فقال: « وهو مايكون مستنده صريح النص من القرآن والسنة والإجماع ، فهذا النوع لا يخضع للتبديل والتغيير».

وقال الدكتور وهبة الزحيلي :_ وهو يتحدث عن الأحكام الشرعية القابة للتغيير وغير القابلة له_ « أما الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية وأصول الشريعة الدائمة فلا تقبل التبديل مطلقا مهما تبدل المكان وتغير الزمان ».

القسم الثاني: الأحكام الاجتهادية:

قال ابن القيم في النوع الثاني وهو الأحكام الا جتهادية : « والنوع الثاني مايتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا  وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها فإن الشارع يتوسع فيها بحسب المصلحة».وأن الاتفاق واقع على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان والأحوال هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية وعرفية ، أما الأحكام المستندة إلى الأصول فإنها لا تتبدل.

فالحكم الاجتهاد هو: « مايكون مستنده الاجتهاد من مصلحة أو قياس أو عرف أو عادة ، فهذا النوع هو محل التغيير والتبديل».

وقد قرر العلماء ذلك كما قال الدكتور اليوبي : « إن العلماء قرروا أن الأحكام الاجتهادية  المبنية على العرف تتغير تبعا بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال»

لكن اليوبي اقتصر على أن التغيير يكون في  الأحكام الاجتهادية المبنية على العرف فقط وهذا يخالف ماتقدم من أن الأحكام الاجتهادية هى التي تبنى على قياس ومصلحة وعرف وغير ذلك ، وقد انتبه إلى ذلك الأستاذ الزرقا  فقال : «  إن تغير الأحكام بتغير الأزمان ليس فقط لتغير العرف بل بالمصالح  المرسلة »

وهذا ماذكره الدكتور وهبة الزحيلي بقوله: « إن الأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس ، أو لمراعاة الظروف أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني أو لتطور الزمان وتنظيماته المستحدثة ، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة وإحقاق الحق والخير، وهذا يجعل مبدأ  تغير الأحكام أقرب إلى نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف وذلك كائن بالنسبة للأحكام الاجتهادية القياسية أو المصلحة المتعلقة بالمعاملا ت أو الأحوال المدنية من كل ماله صلة بشؤون الدنيا وحاجات التجارة والاقتصاد وتغير الأحكام فيها في حدود المبدأ الشرعي وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد».

ومن خلال ماتقدم تبين أن الأحكام منها ماهو ثابت لا يتغير وهى التي تسمى بالأحكام الشرعية  القطعية فلا يدخلها الاجتهاد ولا يسوغ فيها _ وهذا ليس موضوع بحثنا_ ومنها ماهو متغير، والتغيير يكون بحسب ما يراه المجتهد مناسبا  للحكم فيرجحه ويقول به ، وذلك بعد التدليل والتعليل عليه ، وهذا هو صنيع القاضي عبد الوهاب ، فغالبا ما يذكر بعد الاستدلال بأدلة من القرآن أو السنة ، الحكم الاجتهادي للمسألة الفقهية ، ويكثر من التعليلات الفقهية ؛ ليزيد ذلك الحكم قوة ورجاحة ، وهي التي تسمى بالأحكام الاجتهادية الظنية. 

المحور الثالث :المعاملات المالية

إن المعاملات المالية، من المركبات الإضافية، التي يتوقف معرفتها على معرفة مفرداتها  التي تركتبت منهما ، ومن ثم وجب تعريفها باعتبارها مركبا إضافيا؛ وباعتبارها علما ولقبا ، وذللك من خلال فرعين:

أولا: تعريف المعاملات المالية باعتبارها مركبا إضافيا :

1 المعاملات، لغة واصطلاحا:

أ_ المعاملات لغة :

المعاملات جمع معاملة، من عمل يعمل معاملة، ويطلق ويراد به كل معاملة كيفما كانت.

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170ه): « عَمِلَ:عَمَلاً فهوعاملٌ ، واعتمل: عمل لنفسه(…) والمعاملة : مصدر عاملْته مُعامَلةً».

قال ابن فارس (ت395ه): « العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عام في كل فعل يفعل، والمعاملة: مصدر من قولك عاملته، وأنا أعامله معاملة».

وخلاصة القولان لفظ المعاملات لفظ عام، يتناول كل ما يجري بين الناس من تصرفات، سواء أكانت أقوالا أم أفعالا، وسواء أترتب عليها شيء أم لا.

ب– المعاملات اصطلاحا: 

 وهي في اصطلاح الفقهاء مخصوصة بالمعاملات، التي تقع بين الناس على الأموال والأبضاع.

قال التهانوي(ت1158ه): « وتطلق المعاملات أيضا على الأحكام الشرعية المتعلقة بأمر الدنيا باعتبار بقاء الشخص كالبيع والشراء والإجارة ونحوها».

قال القاضي أحمد نكري(ت ق 12ه ): « المعاملات جمع المعاملة من العمل وهي فعل يتعلق به قصد وهي حق العبد عرفا. فالمعاملات خمسة – المعاوضات المالية – والمناحكات والمخاصمات – والأمانات – والتركات».

2_ المالية :لغة واصطلاحا:

أ– المال لغة:

يقصد بالمال في إطلاقه العام كل ما يتملك، وقد يطلق ويراد به الخصوص، كإطلاق أهل البادية المال على النعم. 

قال ابن فارس ( ت 395ه): « الميم والواو واللام كلمة واحدة، هي تمول الرجل: اتخذ مالا، ومال يمال: كثر ماله».

وعموما فمعنى المال في اللغة لا يخرج عن واحد من أمور ثلاثة ؛ فإما أن يقصد به التملك مطلقا، وإما أن يقصد به الإبل والنعم، وإما مايتملك عرفا.

ب- المال اصطلاحا: 

قال الشاطبي (ت790ه): « وأعني بالمال ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه، ويستوي في ذلك الطعام والشراب واللباس على اختلافها، وما يؤدي إليها من جميع المتمولات».

قال السيوطي(ت 911ه): « أما المال، فقال الشافعي: لا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه، وإن قلت وما لا يطرحه الناس، مثل الفلس وما أشبه ذلك انتهى».

و بالنظر إلى عبارات الفقهاء في تعريفاتهم للمال، مهما اختلفت  فهو غير خارج عندهم على أمور ثلاثة؛ إما عين، أو عروض، أوما ترتب عن هذه العروض من منافع:

أ- العين: ويراد به الذهب والفضة وما يقوم مقامه الآن من الأوراق النقدية.

ب- العروض أو الأعيان: كالأطعمة والأقمشة والسيارات والمنازل وغيرها.

ج- المنافع: كمنفعة السكنى في البيت ومنفعة البيع والشراء في الدكان وهي منافع الأعيان المتقدمة.

ثانيا: تعريف المعاملات المالية باعتبارها لقبا وعلما:

إن هذا الاستعمال حادث لم يتناوله المتقدمون، وإنماعبروا عنه بكلمة البيوع أو البياعات، أو المعاوضات، والمشهور المستعمل في كتب الفقه، البيوع، أما المعاوضات، فاستعملها ابن رشد تمييزا لها عن عقود التبرعات، ومنه قوله:« فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه.

 فمقصوده بالمعاوضات كل مايقع فيه تبادل المنافع كالبيع والإجارة وبذل المهور وغيرها.

ومن ثم فمصطلح المعاوضات عند الفقهاء، يرادف مصطلح المعاملات، ويؤكد هذا صنيع ابن جزي(ت741ه) حيث قال في مقدمة كتابه :

«اعلم أنني افتتحته بعقيدة سنية وجيزة تقديما للأهم فلا جرم أن الأصول أهم من الفروع ومن الحق تأخير التابع وتقديم المتبوع ثم قسمت الفقه إلى قسمين أحدهما في العبادات والآخر في المعاملات).

 وقد عبر به مطلقا لا مقيدا بالمال، وعليه فمن مشمولات المعاوضات أو المعاملات الأمور الآتية : المعاوضات المالية، والمناكحات، والمخاصمات، والأمانات، والتركات؛ أي أن المعاملات المالية ماهي إلا جزء من عقود المعاوضات، ولعل هذا أقرب تعريف فقهي خاص بها ، وعموما  يمكن تعريفها بأنها تطلق على جميع التصرفات التي تكون بين شخصين فأكثر في أمورالدنيا،و تكون مبنية على مال و لايجوز إسقاطه، سواء أكان مال معاوضة أم تبرع وفق الضوابط الشرعية.

المحور الرابع : التطبيقات الفقهية لتعليل الأحكام الاجتهادية في المعاملات المالية 

أولا :مسألة؛ الإقالة في بيع السلم _ إقالة بعض ماأسلم )

1: الحكم الاجتهادي :

لقد نص القاضي عبد الوهاب على أنه : « إذا أسلم في طعام أو عرض إلى أجل ودفع الثمن فلما حل الأجل أخذ البعض وأقال البعض فلا يجوز ذلك»

وأكد هذا الحكم في الإشراف مع ذكر المخالف له فيه، فقال: « لا يجوز أن يقيل من بعض ماأسلم فيه فيأخذ بعضه وبعض رأس ماله خلافا لأبي حنيفة والشافعي».

2 : تعليل الحكم الاجتهادي للمسألة :لقدعلل هذا الحكم الاجتهادي بالذرائع فقال : « لأنه ذريعة  إلى البيع والسلف وذلك أن التهمة تقوى في أنهما تواطئا على البيع والسلف وسمياه بيعا ليتطرق بذلك إلى جوازه »، وفي الإشراف أيد هذا التعليل بقوله: « لأنه ذريعة إلى البيع والسلف وإلى بيع الطعام قبل قبضه والذرائع على أصلنا ممنوعة».

ثانيا :مسألة بيع السلعة من غير بائعها بمثل أو أقل أو أكثر)

1 الحكم الاجتهادي :

قال القاضي عبد الوهاب في بيان حكمها : « ويجوز أن يبيعها من غير بائعها بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر يدا بيد».

2 : تعليل الحكم الاجتهادي :

فقدعلل هذا الحكم بقوله : « لأن غير البائع لا تهمة بينه وبينه ولا يجوز أن يؤخر الثمن عليه ليلا يكون دينا بدين».

وهذا إن كانت يدا بيد أما إذا باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد شراءها من الذي باعها إياه فلا يخلوا أن يشتريها نقدا أو إلى أجل بثمن مثله أو أقل أو أكثر فتلك أقسام سبعة، قسمان يمنعان  والباقي يجوز والمنوع هو أن يبيعها بمائة إلى شهر فيبتاعها نقدا إلى دون الشهر بثمانين أو إلى الشهرين بمائة وعشرين

ثم قال بعد كلام : « وذلك ذريعة إلى الربا فيجب منعه خلافا للشافعي في قوله إنه جائز وذلك لو جاز لأبيح التذرع إلى الربا والعينة».

ثالثا :بيع الطعام بثمن إلى أجل _هل يجوز أن يأخذ بثمنه طعاما أم لا؟)

1 : الحكم الاجتهادي للمسألة :

قال القاضي عبد الوهاب : « فإذا باع شيئا من الطعام كله _ أي طعام كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه _ بثمن إلى أجل فلا يجوز أن يأخذ بثمنه عند أجله ولا قبل أجله ولا بعده طعاما لا من جنسه ولا من غير جنسه إلا أن يكون من جنس ماباعه بعينه بمثل مكيلته وعلى صفته فيجوز».

2 : تعليل الحكم الاجتهادي للمسألة :

قال : « وإنما قلنا ذلك ؛ لأنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام متأخرا وتسمية الثمن لغو وإذا كان من نوع طعامه في الكيل والجودة والصنعة جاز؛ لأن الأمرلايحمل على طعام بطعام متأخراقصدا للنساء…».

رابعا : بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ؛ كبيع البعير ببعيرين من جنسه )

1 :الحكم الاجتهادي للمسألة :

 لقد حكم على بيع البعير ببعيرين بالمنع  خلافا للشافعي وقد بين ذلك بقوله : « فمنعناه وجوزه _ أي الشافعي_ »

2: تعليل الحكم الاجتهادي :

فبعد مااستدل بقوله تعالى ” وأحل الله البع وحرم الرابا”  وبنهيه صبى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .

قال : « وهذه المسألة من الذرائع وهي ممنوعة … ثم قال: ووجه الذريعة في هذا الموضع أنه يكون قرضا يجر نفعا…. فمتى أجزناه حصل منه ذريعة إلى الممنوع لقوة التهمة فيه».

وهذا ماوضحه في الإشراف بقوله : « ودلينا قوله صلى الله عليه وسلم:إنما الربا في النسيئة ؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى القرض الذي يجر نفعا ؛لأنه كأن أقرضه بعيرا ببعيرين إلى أجل ؛ لأنه ليس هناك اختلاف الأغراض وتباين المنافع فيحمل التفاضل عليه فلن يبق إلا ماقلناه وإذا قويت التهمة فيه منعناه ؛ لكونه ذريعة إلى الأمر الممنوع ».

 

خامسا :مسألة (السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج)

1 : الحكم الاجتهادي في المسألة:

 لقد حكم القاضي عبد الوهاب على هذه المسألة الفقهية الفرعية بالجواز مبينا المخالف فقال: « ويجوز السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج خلافالأبي حنيفة والشافعي».

2: تعليل الحكم الاجتهادي في المسألة:

قال القاضي عبد الوهاب في تعليل حكمه الاجتهادي : « لأنه وقت يعرف بالعادة لا يتفاوت اختلافه كقولك إلى شهر كذا وكذا… »

وأكد هذا التعليل في الإشراف ، فبعد مااستدل بالحديث الشريف { إلى أجل معلوم} قال:

« ولأنه أجل معلوم بوقت من الزمان يعرف بالعادة لا يتفاوت اختلافه اختلافا شديدا.. »

سادسا :مسألة 🙁 بيع لبن الغنم أياما معلومة)

1: الحكم الاجتهادي للمسألة:

 لقد حكم القاضي عبد الوهاب على بيع لبن الغنم لأيام معلومة بالجواز مع التصريح بالمخالف فقال: « يجوز بيع لبن الغنم أياما معلومة إذا عرف قدر حلابها خلافا لأبي حنيفة والشافعي»

2 : تعليل الحكم الاجتهادي للقاضي عبد الوهاب:

بعدما ذكر القاضي عبد الوهاب حكمه الاجتهادي علله بالعادة فقال : « لأن قدره إذا علم بالعادة وصفته جاز كسائر المبيعات .. ».

سابعا :مسألة : (هل يحتاج إلى وصف الراكب):

1 : الحكم الاجتهادي :

ذهب القاضي عبد الوهاب إلى عدم احتياجة لذلك،قال رحمه الله : « لا يحتاج إلى وصف الراكب خلافا للشافعي».

وقد بين هذا الحكم في الإشراف بقوله : « لا يحتاج إلى وصف الراكب في كراء الدواب خلافا للشافعي»

2 :تعليل الحكم الاجتهادي :

لقد علل حكمه بالعادة بقوله : « لأن أجسام الناس متقاربة في العادة غير متفاوتة فلم يحتج إلى رؤيته ، فإن أتاه بفادح عظيم الخلق فليس هو الغالب فلا يلزمه»

وأيد هذا التعليل بقوله : « لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب غير متفاوتة فلم يحتج إلى رؤية ولا وصف».

 ثامنا :مسألة 🙁 إجارة الظئر)

1: الحكم الاجتهادي للمسألة :

ذهب القاضي عبد الوهاب الى جواز ذلك فقال : « يجوز أن يستأجر الظئر وكل أجير بطعامه وكسوته ويكون لمثله من الوسط خلافا للشافعي في منعه ذلك في كل أجير ولأبي حنيفة في منعه ذلك في كل أجير عدى الظئر».،                                                   

وتأكيدا لهذا الحكم قال في الإشراف : « يجوز أن يستأجر الظئر وغيرها من كل أجير بمنفعته وكسوته ويكون له مايكون لمثله من الوسط ووافقنا أبو حنيفة في الظئر وحدها ، وقال الشافعي : لا يجوز لافي الظئر ولا في غيرها».

2 : تعليل الحكم  الاجتهادي:

فقد دلل  على هذا الحكم وعلل بأكثر من تعليل ، فقال :« فدلينا أن الأعواض في المنافع يقوم العرف فيها مقام الشرط والاسم كنفقة الزوجة وصفة ركوب الراكب في الإجارة ؛ ولأنه لما جاز أن تكون النفقة مجهولة وترجع إلى الوسط ويتبع في معرفتها العرف كذلك في الإجارة، وعلى أبي حنيفة ؛لأنه عقد إجارة فصح بالطعام والكسوة اعتبارا بالرضاع»

تاسعا : مسألة بيع الرطب بالرطب)

1 الحكم الاجتهادي للمسألة :

ذهب القاضي عبد الوهاب إلى أن بيع الرطب بالتمر ممنوع، وأن بيع الرطب بالرطب جائز فقال: « وأما الرطب بالرطب  فإنما أجزناه خلافا للشافعي وعبد الملك».

2: تعليل حكمه الاجتهادي:

فبعد الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم :{ لاتبايعوا التمر بالتمر حتى يبدوصلاحاها}.

قال : « وما بعد الغاية بخلاف ماقبلها؛ ولأنها ثمرة بيعت بجنسها وهما على حال يتساويان فيه فجاز في ذلك أصله التمر بالتمر… »

عاشرا  مسألة (الأصول مع ثمرها مؤبرة وغير مؤبرة هل يجوز بيعها أم لا؟

1 : الحكم الاجتهادي للمسألة:

قال القاضي عبد الوهاب : « وإذا ابتاع أصل نخل وفيها تمر فإن كان قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع وإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع  من غير شرط وإن استثناه البائع لم يجز، وقال الشافعي يجوز، وقال أبو حنيفة : والثمرة في الحالين للبائع قبل الإبار وبعده ولا يكون للمبتاع إلا بشرط»

2:تعليل الحكم الاجتهادي:

فبعد الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم :{ومن ابتاع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشارطه المبتاع}علل الحكم بقوله « فشرط في كونه للبائع أن يؤبر فدل على أنها قبل التأبير ليست له».

الحادي عشر مسألة 🙁 بيع المشتري السلعة قبل قبضها)

1 الحكم الاجتهادي للمسألة :قال القاضي عبد الوهاب :_فيما يجوز بعيه قبل قبضه _ « وما عدى الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار ، وما ينقل ويحول ، وما لا ينقل ولا يحول وما يكال أو يوزن وما لا يكال ولا يوزن  كان عينا معينة أو سلما مضمونا في الذمة فبيعه قبل قبضه جائز في الجملة بخلاف الطعام مالم يعرض في العقد مايمنع…. خلافا لأبي حنيفة في منعه بيع ماينقل ويحول ، والشافعي في منع بيع كل مبيع قبل قبضه من بائعه».

وأكد هذا الحكم في الإشراف بقوله: « كل مبيع لا يتعلق به حق توفية فبيعه قبل قبضه جائز من أي الأصناف كان من العروض والحيوان والرقيق والمكيل والموزون سوى الطعام والشراب.».

2: تعليل الحكم الاجتهادي للمسألة:

فبعد ما استدل بقوله تعالى ” وأحل الله البيع” وقوله عليه وسلم :{ من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضة}

 علل حكمه الاجتهادي بمفهوم المخالفة فقال : « فدل أن ماعداه بخلافه».

 

خلاصة الكلام 

    إن تعليل الأحكام الاجتهادية يعتبر صلاحية للشريعة الإسلامية وأداة من أدوات استنباط الأحكام في الفقه الإسلامي عموما ،والمذهب المالكي خصوصا باعتباره فقها مبنيا على الحجة والبرهان، وله قدرة على مواكبة المستجدات ومسايرة التطورات واستعاب مشاكل العصر وإيجاد الحلول المناسبة لها بالإضافة إلى بروز خاصية المقاصد والواقعية في المذهب ففقهاء المذهب المالكي لايقفون عند حرفية النص ، بل بذلوا جهدا في استنباط الأحكام وتنزيلها على الناس مراعين فيها مصالحهم وعادتهم وأعرافهم والزمان والمكان في ظل قواعد الشرع وأصوله؛  وهذا يتجلى بقوة عند القاضي عبد الوهاب الذي علل جل أحكامه الاجتهادية فكان التعليل الفقهي له منهجا لتقوية ما استدل عليه من المسائل الفقهية، وطريقا لبيان قوة المذهب لإقناع المخالف ، فكان بذلك مجتهدا تابعا للدليل والحجة؛يتميز بالتنوع والترابط؛ ولا يقتصرعلى تعليل واحد في المسألة الفقهية بل يذكر في الغالب أكثر من تعليل فقهي.

 

مصادر ومراجع البحث:

_  إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان : أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ت 751ه بتقيق محمد شمس . دار عالم الفوائد دت . 

_ أثر الظروف في تغيير الأحكام الشرعية _ رسالة أطروحة _: إعداد خليل محمود نعراني . دار ابن الجوزي . القاهرة . الطبعة : الأولى سنة 1427ه 2006م 

_ أصول الفقه  الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ، دار الفكر دمشق سورية ، الطبعة الأولى سنة :1986م . 

_الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب بتحقيق الجيب بن طاهر  لكتاب دار ابن حزم بيروت لبنان ط 1 سنة 1999م

_أصول الفقه  الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ، دار الفكر دمشق سورية ، الطبعة الأولى سنة :1986م . 

_بحوث فقهية  في الفقه الإسلامي وأصوله فتحي الدريني   ط :2 مؤسسة الرسالة سنة 1429ه .

_بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي (الشهير بابن رشد الحفيد) (ت 595ه) بتحقيق الشيخ هيثم خليفة طعيمي ، المكتبة العصربة صيدا _بيروت ، طبعة : 2006م

_التعريفات للجرجاني دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1983م  

_ تعليل الأحكام عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطورها في عصور الاجتهاد والتقليد،محمد مصطفى شلبي  مطبعة الأزهر :سنة 1947م

_  التعليل بالقواعد الفقهية وأثره في الفقه عند المالكية ، نقله عنه سعيد الشوي ، ينظر مجلة الأحكام  في المذهب المالكي ؛عدد ثمانية عشر 2014م 

_العين : للخليل  بن أحمد الفراهيدي ت 170ه ترتيب وتحقيق عبد الحميد هنداوي . دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة : الأول سنة 2002/ 1424ه

_ معجم مقاييس اللغة : أبو الحسن أحمد بن فارس ت 395ه بتحقيق عبد السلام محمد هارون . دار الفكر ط: 1399ه 1979م. 

_ مقاصد الشريعة الإسلامية . للدكتور اليوبي ، دار الهجرة السعودية ط : الأولى سنة : 1418ه 1998م 

_ المدخل الفقهي العام ، دار القلم دمشق طبعة ، 2004م .2/ 925

_  المنهج التعليلي بالقواعد الفقهية عند الشافعية وأثره في الترجيح والاختيار محمود محمد الكبش (رسالة للماستر) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة الكويت ط 1سنة 2013 م

_الموافقات في أصول الشريعة  لأبي إسحاق الشاطبي بتحقيق الشخ عبد الله دراز ، دار الحديث القاهرة  سنة الطبع 2006م.

_القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية ، لمحمد بن أحمد بن جزي الغرناطي  (ت 741ه)، بنحقيق عبد الكريم الفضيلي ، دار الرشاد الحديثية ، الدار البيضاء _ المغرب طبعة : 2002م .

_كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، لمحمد بن علي الحنفي التهانوي ت: بعد 1158هـ. تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم. تحقيق: د. علي دحروج. نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي. الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناني.مكتبة لبنان ناشرون–بيروت.

_ الأشباه والنظائر لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي، ت: 911هـ. الناشر: دار الكتب العلمية. الطبعة: الأولى، 1411هـ / 1990م 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.