منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“لا ضرر ولا ضرار”

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة قواعد فقهية في المعاملات المالية؛

2/ تحليل كلية: “لا ضرر ولا ضرار”.

      كما سبق وأن أشرت في المقال السابق سنقف بالدرس والتحليل، مع أول كلية وهي؛ “لا ضرر ولا ضرار“، وذلك حسب المنهج الآتي:

المزيد من المشاركات
1 من 44

1- إثبات صيغة الكلية.

2- مضمون الكلية.

3- حجية الكلية.

4- القواعد المتفرعة عن الكلية.

5- رصد الخلافات الفقهية.

6- تطبيقات الكلية وفروعها وجزئياتها.

 

1- إثبات صيغة الكلية:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

وردت هذه الكلية في حديث نبوي شريف ونصه كما يلي:

– عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

 (لا ضرر ولا ضرار)[1].

– عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 (لا ضرر ولا ضرار)[2].

– عن عبادة بن الصامت؛ (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار)[3].

2- مضمون الكلية:

  أ- شرح المصطلحات:

    الضرر: الضر ضد النفع. (والضر الهزال وسوء الحال وورد الضرر أيضا بمعنى : الضيق. ومكان دو ضررك ابي ضيق ومنه قول الأخطل:

                  لكل قرارة منها وفج *** اضاه ماؤها ضرر يمور

قال ابن الأعرابي: ماؤها ضرر أبي ماء نمير في ضيق. وأراد انه غزير كثير فمجاريه تضيق به)[4].  و(الضُّـر –بالضم- ضد النفع ويقال: ضره يضره ضرا، والمضرة خلاف المنفعة)[5].

الضرار: قوله عليه السلام: “ولا ضرار” أي؛ لا يضر الرجل أخا ولا ضرار: أي لا يضار كل واحد منهما صاحبه، فالضرر منهما معا والضرار فعل واحد. و(الضرار: المضارة أيضا وقيل” الضرر ما تضر به وتنفع أنت به

والضرار: أن تضره من غير أن تنفع. وقيل هما بمعنى واحد وتكرارهما في الحديث للتأكيد)[6].

 وقال الشيخ مصطفى الرزقا في المدخل: الضرر بإلحاق مفسدة بالغير والضرار: مقابلة الضرر بالضرار[7].

ب- بيان مضمونها:

في هذه الكلية نهي عن إلحاق الضرر بالغير مطلقا إذ ورد اللفظ نكرة بصيغة النفي فأفاد العموم. وهي تؤصل للقواعد الشرعية في غزالة الضرر عن المكلفين. لذا فقد “اعتمدتها مجلة الأحكام العدلية من القواعد التي تصدرت بها”[8]. وهي أساس منع الفعل الضار، وميزان القاضي في تقرير القضايا والحكم عليها بالعدل والإنصاف”[9].

قال ابن عبد البر في معنى حديث ” لا ضرر ولا ضرار“: (وأما معنى هذا الحديث فصحيح في الأصول وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “حرم الله من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن لا يظن به إلا الخير “وقال إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام[10]، يعني: من بعضكم على بعض، وقال حاكيا عن ربه عز وجل: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظلموا[11]. والله عز وجل يقول: “وقد خاب من حمل ظلما[12]. إلى أن قال: … بأحد سواء أضر به قبل أم لا، إلا أنه له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له من السلطان،  والاعتداء بالحق الذي له هو مثل ما اعتدى به عليه والانتصار: ليس له باعتداء ولا ظلم ولا ضرر إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة….)[13].

     ومما يدخل في عموم هذا الحديث: أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم ألبتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم.

وقد يحصل الضرر بتصرف المرء في ملكه بما فيه مصلحة له لكنه يتسبب في ضرر غيره أو يمنع غيره من الانتفاع وعندئذ ينظر إلى ظروف وملابسات هذه التصرفات. كما أن الضرر لا يجتنب بارتكاب ضرر آخر لذلك فإننا نجد من قواعد الفقهاء في هذا الباب ” الضرر لا يزال بالضرر”. كما قال الإمام السيوطي: (قال ابن السبكي: وهو كعائد يعود على قولهم: الضرر يزال ولكن لا بضرر. فشأنهما شأن الاخص مع الأعم بل هما سواء لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق الضرر يزال)[14].

3- حجية الكليـة؛

 يشهد لهذه الكلية أدلة كثيرة من الكتاب والسنة:

أ- من الكتاب؛

قوله تعالى: ” ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا[15]. وقال عز وجل: “ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن[16]. وقال عز من قائل: “لا تضار والدة بولدها[17].

وهناك ءايات أخرى تنهى عن الضرر كتحريم الظلم؛ فقال عز وجل: “وقد خاب من حمل ظلما[18]. وأكل أموال الناس بالباطل: “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل[19].

ب_ من السنة النبوية:

    عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 (لا ضرر ولا ضرار)[20]. وقد ثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت وجوهه وطرقه، قال ابن رجب: (“قال أبو عمر وابن الصلاح ” هذا الحديث أسنده الدار قطني من وجوه ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به وقول أبي داود إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف)[21].  وروي حديث آخر في معناه عن أبي صرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه. “اخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب”[22].

ومما يؤكد حجيتها أن الفقهاء اعتمدوه من أمهات القواعد الكلية التي يدور عليها عدد كبير من القواعد الفقهية. قال الندوي: (منها القواعد الأمهات التي يكاد لا يخلو من أثرها وحاكميتها باب من أبواب الفقه كقاعدة؛ “اليقين لا يزول بالشك”، وقاعدة؛ “لا ضرر ولا ضرار”، وقاعدة؛ “المشقة تجلب التيسير”)[23].

هذه الأدلة وغيرها تتظافر لجعل هذا الحديث كلية تشريعية.

4- القواعد المتفرعة عنها:

تتفرع عن هذه الكلية قواعد كثيرة منها[24]:

  • “الضرورات تبيح المحظورات”؛ حيث أبيحت المحظورات لترفع في حالة الضرورة.
  • “درء المفاسد أولى من جلب المصالح”؛ لأن ذلك رفعا للضرر تلحقه المفاسد.
  • “الضرر يزال”.
  • “الضرر لا يزال بالضرر” أو “الضرر لايزال بمثله”.
  • “ما أبيح للضرورة يقدر بقدره”. أو “الضرورات تقدر بقدرها”.
  • “المشقة تجلب التيسر”.
  • “ما جاز لعدر بطل بزواله”.
  • “يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”.
  • “إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا”.
  • “الحاجة تنزل منزلة الضرورة”.
  • “إذا زال المانع عاد الممنوع”.
  • “الضرر الأشد يزال بالضرر الاخف”.
  • “يختار أهون الشرين”.
  • “الضرر يدفع لا يبطل حق الغير”.

5- الخلافات الفقهـية:

    أجمع الفقهاء على معنى الحديث لكن اختلفوا في حالات إلحاق الضرر ودرجاته ومن ذلك ما ورد في الموطأ في كتاب الأقضية عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جدارة) ثم يقول أبو هريرة: (مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم)[25].

قال ابن العربي: (إن الأمة أجمعت على أن اختص بحق لا يلزمه أن يعطيه لغيره وإن لم يضربه فكيف ووضع الخشبة على الجدار مضر بصاحب الجدار، إما عاجلا بأن يثقل الحائط فيقصر عمره أو بأن تعيبه)[26].

     ولا اختلاف بين الفقهاء في تحريم الجهالة والضرر في جميع المعاملات لورود النهي الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولما فيه من الضرر لكلا الطرفين، إلا أنهم اختلفوا في حمل ذلك على التصرفات حسب أنواعها؛ (فمنهم من حمل النهي على التصرفات كلها وهو الشافعي ومنهم من فصل وهو مالك، وقاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة هو باب الممسكات والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال وقاعدة ما لا يجتنب فيه عنده ما لا يقصد لذلك)[27].

    ومما اختلف فيه الفقهاء فيما يلحق الضرر بالمرء، من نذر أن يحج ماشيا فهل يفي بنذره رغم ما فيه  من الضرر أم يكفر عن عدم الوفاء بالنذر دفعا عن الضرر؛ ف(المشهور أنه يلزمه ذاك إن أطاقه فإن عجز عنه فقيل يركب عند العجز ولا شيء عليه وهو أحد قولي الشافعي … وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم لا يجزئه الركوب بل يحج من قابل فيمشي ما ركب ويركب ما مشى وزاد بعضهم: وعليه الهدي، وهو قول مالك إذا ما ركبه كثيرا)[28].

     ومن اختلافهم في هذا الباب: إذا تصرف في ملكه وتسبب في إضرار غيره؛ (فإن كان على غير الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيخترق ما يليه، فإنه متصد بذلك وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران: أحدهما: لا يمنع من ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. والثاني المنع وهو قول أحمد ووافقة مالك في بعض الصور)[29].

6- التطبيقات والفروع والجزئيات:

     من تطبيقات هذه الكلية ما جاء في الموطأ؛ (قال مالك: إذا كان القوم جميعا في الكتابة ورضا منهم وإن كانوا صغارا فليس مؤامرتهم بشيء ولا يجوز ذلك عليهم، قال: وذلك أن الرجل ربما كان يسعى على جميع القوم ويؤدي عنهم كتابتهم من الرق فيعتقه فيكون ذلك عجزا لمن بقي منهم وإنما أراد بذلك الفضل والزيادة لنفسه فلا يجوز ذلك على من بقي منهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وهذا أشد الضرر)[30].   فهذه الصورة تمثل صلب الكلية.

وكل المعاملات التي يكون فيها ضرر لأحد الطرفين إما مباشرة أو بشكل غير مباشر ورد فيها التحريم والزجر والوعيد الباطلة والفاسدة، قال ابن العربي: (ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع سبع وثلاثين منها: الغرر والملامسة والمنابذة إلى أن قال: فهذه سبعة وثلاثون مبيعا ورد النهي عنها، قبضتها يد الإسلام البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي فاطلبوها فيها)[31].

    ومن جزئيات الكلية: منع الاحتكار، قال الندوي: (ومن المسائل المهمة المبنية على هذه القاعدة- الضرر يزال- مسألة جواز فرض الحظر على احتكار السلع من مقومات الحياة متى ما أدى ذلك إلى الضرر بعامة الناس…قال الإمام المازري معلقا على حديث “من احتكر فهو خاطئ” أصل هذا مراعاة الضرر، فكل ما أضر بالمسلمين وجب أن ينفى عليهم، فإذا كان شراء الشيء بالبلد ويضر بالمسلمين: منع المحتكر من شرائه نظرا للمسلمين عليه كما قال العلماء: إنه إذا احتيج إلى طعام رجل واضطر الناس إليه ألزم بيعه منهم فمراعات الضرر هي الأصل في هذا)[32].

ومنها؛ (الشفاعة، فإنها شرعت توفيا من ضرر جار السوء.

        ومنها حبس الموسر إذا امتنع عن الإنفاق على أولاده أو قريبه المحرم وجاز ضربه في الحبس إذا أصر على الامتناع، توقيا من وقوع الضرر بأولاده وأقاربه الفقراء ببقائهم بلا نفقة)[33].

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– رواه الإمام مالك مرسلا؛ الموطأ، كتاب: الأقضية، باب: القضاء في المرافق، حديث رقم:610، الصفحة: 459.

[2]– رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصلح، باب: “لا ضرر ولا ضرار”.

[3]– رواه الإمام ابن ماجة، كتاب: الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث رقم: 2340.

[4]– لسان العرب لابن منظور، ج: 4/ ص:482، (مادة: ض ر ر).

[5]– القاموس المحيط للفيروزآبادي، الصفحة: 386، (مادة: ض ر ر) .

[6]– لسان العرب لابن منظور، ج: 4/ ص:482، (مادة: ض ر ر).

[7]– المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى أحمد الرزقا ، ج: 2/ ص:977.

    (دار القلم، دمشق، طبعة: 1425هـ ـ2004م).

[8]– شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا، الصفحة: 166 .

[9]– القواعـد الفقهية للنـدوي، الصفحة: 278 .

[10]– من حديث رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: “تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله”، حديث رقم: 2564.

[11]– من حديث رواه الإمام مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: تحريم الظلم، حديث رقم: 2577.

[12]– سورة طـه / الآية: 108.

[13]– التمهيد لابن عبد البر، ج: 20 / ص: 157.

[14]– الأشباه والنظائر، للإمام السيوطي، الصفحة: 86.

[15]– سورة البقرة / من الآية: 229.

[16]– سورة الطلاق / الآية: 6.

[17]– سورة البقرة / من الآية: 231.

[18]– سورة طـه / الآية: 108.

[19]– سورة البقرة / الآية: 187.

[20]–  سبق تخريجه.

[21]– جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ج: 2 / ص: 211.

[22]– جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ج: 2 / ص: 211.

[23]– القواعد الفقهية للندوي، الصفحة: 10.

[24]– أنظر هذه القواعد في: الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص: . وشرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا، الصفحة: 185-207.

[25]– الموطـأ، الصفحة: 459.

[26]– القبس في شرح موطأ مالك ابن أنس، لابن العربي، تحقيق أيمن نصر الأزهري وعلاء إبراهيم الأزهري، ج:3/ ص:455. (الطبعة الأولى: 1419هـ-1998م، دار الكتب العلمية بيروت.).

[27]– ترتيب الفروق للبقوري، تحقيق الدكتور عمر بن عباد، ج:2 / ص:116. (نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية، 1416-1996).

[28]– جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ج: 2 / ص: 224-225.

[29]– جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ج: 2 / ص: 217.

[30]– الموطأ؛ كتاب: المكاتب، باب: ما لا يجوز من عتق المكاتب، الصفحة: 494-495.

[31]– القبس في شرح موطأ مالك ابن أنس، لابن العربي، تحقيق أيمن نصر الأزهري وعلاء إبراهيم الأزهري، ج:3/ ص:199-200.

[32]– القواعد الفقهية للندوي، الصفحة: 291-292.

[33]– شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا، الصفحة: 167.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.