تجديد الدين والإيمان

مقدمة

   تجديد الدين والإيمان، هذه الجملة تبرز نوعين من التجديد: تجديد الدين وتجديد الإيمان.

وفي السنة وردت كلمة التجديد في أحاديث ثلاثة وهي: الأول: روى أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائةسنة من يجدد لها دينها“. والثاني: روى الإمام أحمد وحسنه السيوطي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الإيمان يخلق (أي يبلى) في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم“، وفي رواية: “إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم[1]. والثالث: روى الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، والحديث صححه السيوطي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جددوا إيمانكم“، قيل: “يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟” قال: “أكثروا من قول لا إله إلا الله“.

   فالحديث الأول يتحدث عن تجديد الدين ومن يجدده، والحديث الثاني يتحدث عن الإيمان بأنه يبلى ويتلاشى ويضعف في القلب. وأما الحديث الثالث فيتحدث عن الإيمان بأنه يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله.

  فما هو تجديد الدين؟ وما هو تجديد الإيمان؟ وما العلاقة بين تجديد الدين وتجديد الإيمان؟

 تجديد الديـــــــن

ليس التجديد تغييرا لثوابت الشرع، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة. إنما التجديد لشيء ما هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد وذلك بتقوية ما وَهِيَ منه، وترميم ما بلي، ورتْقِ ما انفتق، حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى[2].

  ومن معاني التجديد أيضا: القطع، أي القطع مع مرحلة والانتقال إلى مرحلة أخرى. والدين الذي يقع فيه التجديد، قيل كلمة تطلق على أمرين:

  أولهما: على المنهج الإلهي من العبادات والعقائد والأخلاق والشرائع، فهذا المعنى ثابت لا يقبل التغيير ولا التجديد.

   وثانيهما: على الحالة التي يكون عليها الإنسان في علاقته بالدين، فكرا وشعورا وعملا وخُلقا، والدين هنا متغير متحرك فهو يزيد وينقص، يضعف ويقوى، وهذا المعنى هو الذي يقبل التجديد[3].

  لكن عندما نجد ما يفسر السنة بالسنة يكون الأمر أكثر وضوحا وبيانا. ففي حديث جبريل المشهور الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعرف الدين بأنه: إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة. والدين المراد تجديده للأمة بمن يصطفيه الله تعالى من خلقه هو كل هذا لا يتبعض ولا يتجزأ.

وكذلك مما فسّرت به السنة الدين، قوله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة” ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم[4].

  فيكون تجديد الدين إذا على مستويين، الأول: مستوى الفهم: هو تذكير الأمة بهذا الدين بأنه ما هو ببسيطٍ مستوٍ ولا بصعيدٍ متساوٍ بل هو مراقٍ يُصعد عليها وعقبة تُقتحم من إسلام لإيمان لإحسان. والثاني على مستوى الممارسة: بأنه النصيحة بمفهومها الشامل، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وتواصيا بالحق، وقياما بأمر الله لتحكيم شرع الله على منهاج رسول الله دعوة ودولة.

ولا بد لتجديد الدين من مجدد يبعثه الله تعالى من خلقه ويصطفيه على رأس كل قرن من الزمان. وهو نوعان:

– التجديد المئوي: يكون على رأس كل مائة سنة، وهو تجديد جزئي يكون في أحد جوانب الدين،كالحكم أو العلم أو العقيدة أو الإيمان الخ. فنجد لما فسد الحكم نهض لإصلاحه العَلَم الفذ الراشد سيدنا عمر بن عبد العزيز. وأقبلت الأمة على العلم فشق لها الإمام العبْقري الشافعي أبوابه بمفتاح علم الأصول الذي أنشأه. وهجم الكفر والشك والفلسفات والملل فانبرى لدحضها أئمة علم الكلام أبرزهم الأشعري ثم الباقلاني من بعده. هذه أنواع من التجديد لدين الأمة، تجديد لتدينها وفهمها للدين في مجالات الحكم والعقيدة والفقه. ليس تجديد الدين اختراعا فيه، لكنه إحياء لمواتٍ في قلوب المتدينين وعقولهم. وانصرف العلماء والعامة والحكام في نهايات القرن الخامس -قرن الغزالي- إلى مواجهة الضلالات العقدية الباطنية. بعضهم يجادل عن الدين، وبعضهم يخوض فيه، وبعضهم يقاتل عليْه. وانمسحت من لوحات الفقهاء وطروسهم ومجالس مناظراتهم وجدلهم المعاني القلبية الإيمانية أو كادت. اشتغلوا بالفروع وازدحموا على مجالس المناظرة، فجف معين القلوب من حيث تضخم صبيب الخصام. وهنا كان تجديد الغزالي حيث لاذ بعلماء الآخرة كما يسمي المربين الربانيين، وصحبهم زمانا. ونقد مظاهر البلَى في إيمان أهل عصره من المتكلمين، وانتقد الوعاظ الذين قلت بضاعتهم من علوم التفسير والحديث والفقه، فاشتغلوا وشغلوا العامة: “بالقصص والأشعار والشطح والطوام”. وانتقد أيضا أهل الزهادة وطوائف الباطنية وأهل البدع والضلالات الذين كادوا يهدمون جميع الشريعة “بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم[5].

– التجديد الأعظم: أو المطلق كما يسميه بعض العلماء منهم الدكتور يوسف القرضاوي، فهو التجديد الكلي الذي ينقل الأمة من حال إلى حال، من الضعف إلى القوة، ومن الاستضعاف إلى الاستخلاف والتمكين في الأرض. وهذا لم يقع في التاريخ منذ أن انتقل الحكم من الخلافة الراشدة إلى الملك العاض فالجبري. وقد أصبح هو الأفق الذي تنتظره الأمة وتستشرفه من خلال موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالخلافة الثانية على منهاج النبوة. والفرق بين التجديد المئوي والتجديد الأعظم، أن التجديد المئوي جزئي يلامس جانبا من جوانب الدين، بينما التجديد الأعظم كلي يشمل كل جوانب الدين. وكذلك أن التجديد المئوي يقوم به فرد حاكم كان أو عالم أو إمام، بينما التجديد الأعظم يقوم به جماعة من الرجال في صحبة وارث نبوي كامل، له من المؤهلات ما يرقى به إلى مستوى تلك المهمة والوظيفة.

تجديد الإيمـــــــان

الإيمان يبلى ويتلاشى ويصيبه الخولقان جراء الغفلة عن الله والتعرض للفتن ما ظهر منها وما بطن، ويضعف بعدم الإقبال على ذكر الله تعالى. فكما يبلى الإيمان ويتلاشى ويضعف فإنه أيضا يتجدد ليصبح أهلا لنزول الأنوار والأسرار.

أما كيف يتجدد؟ فقد روى الإمام أحمد والطبراني ورجاله ثقات، والحديث صححه السيوطي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” جددوا إيمانكم“، قيل:” يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟” قال:” أكثروا من قول لا إله إلا الله“. فهذه وصفة نبوية إذا لمن يشكو ضعف إيمانه، وقسوة قلبه، وأراد الدواء. الدواء أن يكثر من قول لا إله إلا الله. قول لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان وأرفعها. بشهادة أن لا إله إلا الله يدخل الكافر إلى الإسلام، شهادة مقرونة بالإقرار بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم. وإلى قول لا إله إلا الله دعا رسول الله الناس. كلمة لقنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب فأبى، ولقنها أصحابه فقبلوا وفازوا. قال يعلى بن شداد: حدثني أبي شداد بن أوس، وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “هل فيكم غريب؟”، يعني أهل الكتاب. فقلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب وقال:” ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله“، فرفعنا أيدينا ساعة. ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال:” الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد“. ثم قال:” أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم[6]. كلمة بعث الله بها نبيه لتقال باللسان، سرها في تكرارها وحولها البعض إلى فلسفة.                                                                                  

كلمة هي أفضل الذكر وأعلى شعب الإيمان وأرفعها، لا يزهد في الاستهتار بها إلا محروم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا إله إلا الله أفضل الذكر، وهي أفضل الحسنات[7].وقال:” أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله[8]. وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول أوصني، قال:”إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها“. قال: قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال:” هي أفضل الحسنات“.

هذا أحد أركان تجديد الإيمان أنه يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله. أما الركن الثاني فهو: الصدق.  هل تريد أن تجدد إيمانك؟ هل لديك رغبة في ذلك؟ هل لديك استعداد ولديك إرادة وعزم في تناول الدواء؟ فإن لم تكن لديك إرادة وعزم ورغبة وحاجة إلى تجديد الإيمان، فلا حاجة من ضرب الحديد البارد. ولا حاجة من تربية من لا استعداد له. تستطيع أن توصل الفرس إلى النهر ليشرب، لكن لا تستطيع أن تكرهه على الشرب إن أبى.

وأما الركن الثالث فهو: الصحبة، أن تصحب المؤمنين وتحبّهم. ففي القرآن يقول الله تعالى:[ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين](التوبة:119). وفي القرآن أيضا يقول سبحانه:[ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه](الكهف:28). وفي الحديث الشريف: ” المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل[9].

 فلا بد لتجديد الإيمان بالإقبال على ذكر الله خاصة الإكثار من قول لا إله إلا الله باللسان، كما وصى بذلك صلى الله عليه وسلم. ولا بد أيضا أن يتم هذا في صحبة المؤمنين الصادقين وداخل مجالسهم الإيمانية. ويكون ذلك برغبة جيدة وبإرادة صادقة.

العلاقة بين تجديد الدين وتجديد الإيمان

علاقة تجديد الدين بتجديد الإيمان علاقة بناء بأساس، كما أن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وكما أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، كذلك بتجديد الإيمان في القلوب يتجدد دين الأمة. ومن أهم قضايا التجديد إحياء قضية الربانية في الأمة، فحتى تحيى هذه الأمة وتسلك على المنهاج النبوي لا بد أن يتجدد إيمان كل فرد منها، ثم يجتمع هؤلاء الأفراد مستعدين لتلبية نداء الله عز وجل بـــ”يا أيها الذين آمنوا” ولتنفيذه.

ولا بد لتجديد الدين من فقه الواقع، فلا يمكن أن يكون في الهواء أو في الكلام، إنما يكون في عمل الجماعة. ذلك أن تجديد الإيمان الذي يكون في قلوب الأفراد حتى يخرج من حيز الفردية إلى أن يصبح قوة فاعلة في تغيير المجتمع الإسلامي وتغيير العالم، لا بد من فقه الواقع، لا بد من معرفة القوى الكامنة في الأمة، وما هي الطاقات الموجودة فيها كي تتجمع وتتوجه فتصبح قوة غالبة منتصرة بإذن الله، قادرة بحول الله أن تفرض رسالتها الرحيمة على العالم.

خاتمـــــــــة

وكم الأمة اليوم في حاجة إلى من يجدد دينها بتجديد الإيمان في قلوب أفرادها، كم هي في حاجة إلى رجال ربانيين لهم من قوة الإيمان وإرادة الجهاد ودراية الحركة ما يمكنهم من نقل الأمة من أمة تابعة ومقهورة ومستضعفة إلى أمة قادرة على إمامة العالم وقيادته نحو الأمان والسلام. وإن شاء الله تعالى وعد الله ورسوله بالخلافة الثانية على منهاج النبوة هو الباعث على الأمل والحافز على العمل دون كلل ولا ملل. والله لا يخلف الميعاد.


– رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك.[1]

يوسف القرضاوي،من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، ص:[2]

– نفس المرجع، ص:.[3]

– رواه البخاري ومسلم عن أبي تميم بن أوس الداري رضي الله عنه.[4]

– عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج2، ص:.[5]

– رواه الإمام أحمد رحمه الله.[6]

– رواه أحمد والترمذي عن جابر.[7]

– رواه ابن ماجة والنسائي وغيرهما.[8]

– رواه أبو داود والترمذي بسند حسن.[9]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: