بين العلم والتربية

موقف الإسلام من العلم والتربية

من الأوامر التي جاءت في القرآن الكريم أربعة أوامر وهي: الأمر الأول: اقرأ. والثاني: قم فأنذر. والثالث: قم الليل إلا قليلا. والرابع: وجاهدهم به جهادا كبيرا.

فهذه الأوامر والجوانب هي أفضل الأعمال وخيرها؛ فالدعوة والجهاد، والقراءة والعلم والتعلم والعبادة والتزود من الطاعة، هذه هي المحاور التي كانت تدور عليها حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام رضي الله عنهم ولهم منها أوفر الحظ والنصيب، والمسلم إذا التزم بها، فإنه بإذن الله يهدى إلى كل خير.

والرسالة الإيمانية في الإسلام تقوم على دعامتين، هما: العلم، والتزكية، فالعلم أولاً والتزكية مع العلم وليس ثانيا فهما توءمان، لأن التزكية إذا قامت على العلم، يكون ذلك كالبنيان الذي له أساس متين، قال عز وجل:﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (سورة الجمعة:2) وقال تعالى:﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾.(سورة آل عمران:164).
من خلال هاتين الآيتين وغيرهما يتبين أن من مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم تعليم الناس آيات الله عز وجل ببيان ألفاظها ومعانيها وأحكامها، ومن أعظم وظائفه تزكية الناس من الشرك والمعاصي والرذائل وسائر مساوئ الأخلاق. فتعليم الناس وتزكية النفوس وتطهيرها من سوء الاعتقادات وسوء الأخلاق من أعظم غايات البعثة، قال رسول صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت معلمًا[5]، وقال صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“.[6]

أخذ العلم والتزكية عن أهلهما :

إن من أهم أسباب زيغ الجماعات والأفراد المنتسبين إلى العلم، عدم أخذهم العلم والتزكية الربانية عن أهلهما، بالطريقة التي سلكها سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان..إذ يسلك بعض الطلبة الذين ينصبون أنفسهم للتعليم والفتوى وقد يدعون أنهم من المجتهدين، وهم على جهل بقواعد العلوم الشرعية وعلومها وآلات تلك العلوم، بسبب قراءتهم لبعض الأبواب في بعض الكتب، وسوء فهمهم لكثير مما قرءوه، وعدم اقتدائهم بالصحابة والتابعين وعامة السلف الصالح في أخذ العلم عن أهله المتحققين به..
ولهذا حث فقهاء الإسلام طلاب العلم على سلوك نهج السلف في طلب العلم على أيدي أهله الذين يجمعون بين العلم والعمل، والتربية، وحذروهم من الخروج عن هذا النهج.
ومن ذلك قول الشاطبي رحمه الله : “من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام..”

وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:

إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يُقتدَى به في علم..
والثانية أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح..
فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر..
وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه إلاَّ وله قدوة اشتهر في قَرنه بمثل ذلك، وقلّما وُجدتْ فرقة زائغة، ولا أحد مخالفٌ للسنة، إلاَّ وهو مفارق لهذا الوصف، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لمْ يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم. وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم[7] .
و نقل ابن تيمية رحمه الله عن بعض الناس قوله: أكثر ما يفسدُ الدَّنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان[8].
وإذا كان أولئك الأنصاف يفسدون في الأرض، فإن هؤلاء «الأرباع”، و”الأثمان” أكثر فسادا، خاصة في عصرنا الحاضر الذي تقدمت فيه وسائل الاتصال الحديثة التي تمكنهم من التواصل مع العالم، وتساعدهم على نشر آرائهم السطحية البعيدة عن الصواب.

التحذير من التعالم

إن من شر الأمراض، وأقبح الصفات، لطالب العلم التعالم: في مظهره، ولسان حاله ومقاله، ولا شك أن التحدث في المسائل العلمية، بلا علم ولا فهم ولا روية، وادعاء العلم لمن لا يعلم ممقوت عند كل عاقل، والتعالم مذموم والتحرز منه من المأمور به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور”[9]. وقال ابن حزم رحمه الله: “لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون”[10]. و قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “من تحدث في فن لا يعرفه أتى بالعجائب”[11]. وروي عن علي بن المديني أنه قال: “إذا رأيت الحدث يتعالم فاختم على قفاه: لا يفلح”.

وصور التعالم كثيرة أذكر منها ما يلي:

– سوء الأدب مع أكابر العلماء في الخطاب، وتجريدهم عن صفة العلم والمشيخة، ووصفهم بما لايليق بهم.

– تنصيب الشخص نفسه للكلام في معضلات الأمور، و النوازل المعاصرة، وحب الظهور للناس أنه إليه المنتهى في التحليل والتحريم والحسم في المسائل.

– الجواب على جميع الأسئلة التي تلقى عليه مشافهة، والهروب من قول لا أدري، وهذه بلية قد ذكر صوراً منها ابن الجوزي رحمه الله في” تلبيس إبليس”.

– التحدث بـ ( نا ) وبـ ( كنا ) و( رأينا ) و( ذهبنا ) وزارنا ومذهبنا، واختيارنا، وترجيحنا، وعندنا. ويدعي أنه لم يسبق إلى إيضاح هذه المسألة أحد قبله.

العلم قبل القول والعمل

العمل هو ثمرة العلم، فعمل بغير علم مردود على صاحبه، وعلم بلا عمل وبالٌ على صاحبه وحجةٌ عليه. فالعلم شجرة والعمل ثمرة.

والعلم الذي يصل بصاحبه إلى الخير والهدى هو علم الكتاب والسنة، يقول ابن رجب رحمه الله: “فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغل لمن بالعلم النافع عُني واشتغل”[12].

لهذا لم يكن عبثا أن يخصص الإمام البخاري بابا في كتاب العلم من جامعه الصحيح يجعل ترجمته: “باب العلم قبل القول والعمل” قال ابن المنير‏:‏ أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل.

وإنما كان العلم مقدما على العمل لأنه: يورث الخشية الدافعة إلى العمل لذا قال سبحانه : (إنما يخشى الله من عباده العلماء ) قال ابن عباس: ( أي يخاف من الله من علم قدرته وسلطانه وهم العلماء ) لأنه يزين العمل ويرفع درجات صاحبه بعلو المنزلة في الدنيا و الآخرة قال سبحانه: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ‏قيل في تفسيرها:‏( يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم‏ )، عن عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي قَالَ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ ابْنَ أَبْزَى قَالَ وَمَا ابْنُ أَبْزَى فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مَوَالِينَا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى فَقَالَ إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ “إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ”[13]. ومن المعلوم أن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم‏ ، والله سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم، والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وهذا هو سبيل الربَّانيين الذين بلغوا مقاما أعلى في العلم والتربية، وقد أرشد الله سبحانه وتعالى الفئة المؤمنة كي تترقى في درجات العلم والعمل الصالح لتنال رضا الله تعالى وثوابه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ( سورة آل عمران:79). وقال أبو العباس ثعلب: “إنما قيل للفقهاء الربانيون لأنهم يربون العلم أي يقومون به”[14]، وقال ابن عباس‏:‏ ‏”الرباني الحكيم الفقيه، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره” قال ابن حجر: (والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها‏.‏ وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده).[15] وقال ابن الأعرابي‏: ‏”لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالما معلما عاملا‏”[16].

والعلم مقدم على العمل لأنه هو الذي يميز الحق من الباطل في اعتقاداتنا والمسنون من المبتدع في عباداتنا، والصحيح من الفاسد في أقوالنا ومعاملاتنا والحلال من الحرام في تصرفاتنا ، والفضيلة من الرذيلة في أخلاقنا، والراجح من المرجوح من أقوالنا وأعمالنا ومعاملاتنا عموما. وما أصدق ما قاله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه”[17].

ولهذا حذر الإمام الحسن البصري من الغلو في التعبد والعمل، قبل التحصن بالعلم والتفقه، بقوله: ( العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا)[18].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[5] – أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم(229)، والدارمي في المقدمة (349)، والبزار ي مسنده 6/428(2458). والحديث ضعيف، لكن له شواهد يتقوى بها .

[6] ـ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10/191(20571)، والقضاعي في مسند الشهاب 2/192(1165) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه بهذا اللفظ . وأخرجه أحمد في المسند(8729)، والحاكم في المستدرك 2/670(4221) ، والبيهقي في السنن الكبرى 10/192(20572) وفي شعب الإيمان 6/230(7977)،عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق . وأخرجه مالك في كتاب الجامع من موطئه بلاغا،  أنه قد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت لأتمم حسن الأخلاق . قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد 24/333 : وهذا الحديث يتصل من طرق صحاح عن أبي هريرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[7] – الموافقات1/56 وما بعدها باختصار  .

[8] – مجموع الفتاوى5/98  .

[9] – أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة (5219)،ومسلم في كتاب اللباس والزينة (2130).

[10] – الأخلاق والسير في مداواة النفوس ص91 .

[11] – فتح الباري3/584 عند شرحه لباب الدعاء عند الجمرتين من كتاب الحج . قالها رحمه الله في حق الكرماني رحمه الله .

[12] – فضل علم السلف على علم الخلف ص150 .

[13] – أخرجه أحمد في المسند(233) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة (817) .

[14] – التبيان في تفسير غريب القرآن لشهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري ص150 .

[15] – فتح الباري 1/162  .

[16] – نفسه  .

[17] – تاريخ الطبري4/72 ، والطبقات الكبرى لابن سعد5/372 . وفي تذكرة الحفاظ1/349:عن سعيد بن عبد العزيز قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة من تعبد بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ومن عد كلامه من عمله قل كلامة فيما لا يعنيه ومن جعل علمه عرضا للخصومات كثر تنقله .

[18] – جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر1/545رقم(905) طبعة دار ابن الجوزي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: