بدر بعيون معاصرة

لم تكن يومها الأمم المتحدة ولا القانون الدولي، ولا الدولة بالمفهوم الحديث، ولا قوانين اليوم، فشكلت واقعة بدر إحدى أهم وأكبر الأحداث التي عرفها المسلمون والتي كانت ولازالت منارة تربوية وروحية سماوية كبيرة، ربما نعالجها من زاوية مختلفة للأحداث وبمفاهيم اليوم ونظرته المعاصرة. وقد تتعدد فيها المقاربات وتستخرج منها الخلاصات الضرورية بما تشكله من منارات وكليات وصوى. انتصر المومنون فيها بالسابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، من قلة عَدد وعُدد، على من ظلمهم وسلب أموالهم وطردهم من وطنهم، وهم لازالوا حركة مجتمعية فتية، بالكاد تؤسس كيانها المدني المؤسساتي بالمدينة المنورة ومسجد “قباء”، بعد التعسف والمعاناة التي لاقته بمكة والتي اضطرتهم للهجرة. وقبلها أوذي رسول الله ومن معه وعذبوا، فكانت الهجرة إلى الحبشة قبلها وطلب “اللجوء السياسي” بمفهوم العصر لدى ملك لا يظلم عنده أحد وهو أحد أقطاب المنتظم الدولي آنذاك إذ لم تكن للعرب القوة لتجاوز قراره وحمايته لمن قصدوه. ثم حاولت قريش بعدها “قبل الهجرة قبل قليل” ضرب الرأس والقضاء على هذا الحزب الفتي وسطها دون أن تفسح له الفرصة للتعبير عن نفسه، أي لم تكن ديمقراطية بلسان اليوم، ولم تكن تسمح بالتعددية السياسية أو الفكرية، فقررت توجيه ضربة لازب وتفرقة دمه بين القبائل، فلم تكن تتكلم آنذاك قريش إلا عسكريا وأمنيا عبر التصفية الجسدية لصاحب الدعوة الجديدة.
بمفاهيم اليوم، فقد كان حكم قريش ظالما استبداديا، وكانت تشكل القوة الإقليمية آنذاك بالمنطقة العربية وتجمع حولها عددا من القبائل وتربطها علاقات وتحالفات وتجارات مع عدد من المناطق، وهي إحدى قوى المنتظم الدولي الناشئ آنذاك ولم تكن أقواه، من عدد من الإمبراطوريات والمماليك ولم يكن التواصل كما اليوم. ولم يتطور الصراع للسيادة الدولية آنذاك خاصة أن المجتمعات حينها كانت بدائية ومحدودة الأفق. ظهور الإسلام الذي سيكون سباقا لانعتاق البشر من العبودية ومما كان يمارس دوليا وإقليميا ومحليا من تجبر وقهر وتجارة رقيق وبقية الممارسات في الحكم أو مدنيا، والذي سيحاول رموزه فيما بعد إلى نشره قيمه في السلام والمحبة وانعتاق الناس من عبادة البشر وتحقيق العدل في الأرض. كان السيف آنذاك هو الفيصل في النزاعات الصغيرة والكبيرة “العتاد العسكري آنذاك، قبل الثقل الدولي الاقتصادي أو العقوبات أو النووي”.
حاولت إحداهن “أي الدول” كسر شوكة قريش وأحد أسرار قوتها التجارية والاقتصادية والسياحية والسياسية الجامعة لأتباع ملة إبراهيم عليه السلام الذين كانوا يحجون إلى البيت، والاستيلاء على مركز قوتها “الحج”، وشنت حربا على البيت لتحويل مكانه، فكانت الهزيمة وما تعرفونه بما سمي بعام الفيل.
المنطقة التي كانت تعرف حروبا بين الفينة والأخرى واستقر الحكم فيها لقريش على المنطقة. لم تستوعب ظهور فئة ومجموعة من الناس وسطها تدعو لفكر جديد والقطع مع عبادة الأصنام، والدعوة لعبادة الله الواحد الأحد.
استعملت كل الإغراءات والضغوط والمساومات، وتحركت نحو التعسف والسجن والتعذيب في كل من خرج عن طوعها وفكرتها وحكمها، حيث رأت في الحركة الجديدة على قلة أفرادها وصغر إمكانياتهم خطورة على سيطرتها وتحكمها في المنطقة وثرواتها، وسيادتها ووجاهتها وهيبتها وسط القبائل والمماليك ذلك الزمان.
خروج الفئة المؤمنة مع رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام واللجوء إلى المدينة المنورة جعل قريش تستولي على ما تركه هؤلاء بمكة، حين هربوا بدينهم لينجوا من بطش أباطرة الظلم والاستبداد والفساد آنذاك. فلما سمع المسلمون أن أبا سفيان قد خرج بأموالهم وقوافلهم من الشام، أرادوا استعادة ما سلب منهم والخروج لاسترداده كحق لهم وملكية “جعل لها القانون التجاري اليوم حرمة وجرم الاعتداء عليها وفرض استردادها”. هكذا بدأت أوار وشرارة البداية.
علمت قريش بواسطة “استخباراتها” بالأمر، فتمكن أبو سفيان من الهرب بالقوافل، لكن نية الانتقام وفرصة القضاء التام على هذه الحركة المجتمعية الناشئة بالمدينة المنورة ومحوها من الوجود والتي باتت تهدد بظهورها ونجاح استمرارها مكانة قريش وحكمها بالمنطقة. فقررت قريش أن تبيدهم عن آخرهم وأخرجت جيشا كبيرا. لنسمها نية إبادة جماعية بالمعنى الحديث أو محاولة ارتكاب مجزرة بالنظر لقلة المسلمين آنذاك. فجمعت قريش القبائل وعزمت.
فكيف استطاع المسلمون على قلتهم فرض معادلة جديدة في المنتظم الدولي يومها وعلى المستوى الإقليمي والانتصار على قوة محلية وإقليمية تفوقهم عسكريا واقتصاديا وماليا؟
وكيف وحد رسول الله بين فئات مختلفة من المسلمين فيهم الأوس والخزرج “الأنصار” والمهاجرون وهم من طبائع ومعادن مختلفة؟
هل يمكن الربط بين أحداث الأمس تجاريا بين فئتين أو دولتين بالمفهوم الحديث إحداهما تريد إعدام الأخرى الصغرى أو قطع الطريق عليها وربطها بين ما يجري اليوم بين الصين وأمريكا؟ وما علاقة ذلك بالسيطرة والسيادة الدولية؟
وليتوسع كل منكم في أبعاد الأحداث، لا تشغله التفاصيل بقدر ما يخرج من الحدث بمفاصله وكلياته الكبرى التي قد تشكل صوى ومعالم فهم من خلال استقراء التاريخ وتعدد زوايا المعالجة. وكل أمة لا تقرأ تاريخها لا تصوغ مستقبلها كما يقولون.
اتخذ المومنون بدين محمد عليه الصلاة والسلام قرارا تكتيكيا وهو الاستيلاء على مصادر المياه، على بعد 310 كلم من مكة، و155 كلم من بلدهم الجديد المدينة المنورة، وأصروا على الدفاع عن أنفسهم أمام غطرسة قريش وهيمنتها العسكرية والاقتصادية، فكان لهم الانتصار بعد مواجهة بمعايير وموازين قوى تلك الحقبة. وكان لموقف تلك القلة بعد الله عزوجل ونصره الفضل في وجود الإسلام وانبعاثه واستمراره. ولير الناس أن هذا ليس خرافة ماعليهم إلا الالتفات لمن تحققوا بهذا وسط غزة المحاصرة وهم يقضون مضجع الكيان الصهيوني وينتصرون من قلة ويدفعونه للانسحاب والتفاوض أمام تكالب دولي وإقليمي منقطع النظير، وبالرغم من ذلك تتمكن المقاومة من فرض معادلاتها وحساباتها ولازالت تطور إمكانياتها يوما عن يوم وتقاوم البقاء وسط حصار جسيم وظالم يتواطئ فيه المنتظم الدولي مع الكيان الصهيوني.
و لاشك تحول محمد عليه الصلاة والسلام ومن معه إلى رقم صعب كمجموعة بشرية جديدة بالمنطقة، وتم فرض منطق جديد وكسر شوكة قريش داخليا وخارجيا، بجيش يإمكانيات قليلة مقارنة بقريش وتحالفاتها وعدتها وأموالها، بعدما كانوا يبدون فريقا من الناس يسهل إبادتهم وتجاوزهم.
قوة بالكاد تهاجر وتعلن عن نفسها وتؤسس لها كيانا بالمدينة المنورة، امتد لمناطق أخرى، وبالتالي قطع الطريق تجاريا واقتصاديا على قريش نحو الشام، بما يعنيه ذلك بلغة اليوم من تداعيات ونتائج وحسابات ومصالح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: