امتدادات السياق المقالي في النص القرآني (2)

 

تمهيد:

بعد التعريف بسياق الجملة وكيفية استنباط المعنى في ظل وجود القيود المتعلقة بها، نلقي الضوء على سياق النص، وكيفية استخراج الدلالة منه في حال كونه مشتملا على جمل مستقلة وأخرى تابعة.

سياق النـص:

يعرف النص في اللسانيات الحديثة بكونه: ” ترابط مستمر للاستبدالات السنتيجميمية التي تظهر الترابط النحوي في النص “[1].

وهو تعريف يعتمد بالخصوص على الترابط على مستوى الجمل، وبالتالي وجود علاقات لغوية نحوية، في حين أن هناك من اعتمد في تعريفه للنص على وجود علاقات تخص قضاياه ومضمونه، حيث يذهب ” لبرنيكر” إلى أن النص عبارة عن ” مجموعة منظمة من القضايا أو المركبات العضوية تترابط مع بعضها على أساس محوري موضوعي أو جملة أساس، من خلال قضايا منطقية ودلالية”[2]. والنص بهذا المعنى مرادف للنظم في معناه الاصطلاحي، وهو تأليف الكلمات والجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل، أو هو الألفاظ المترتبة المسوقة المعـتبرة دلالاتها على ما يقتضيه العقل[3].

وبالتالي فإن هذه العلاقات هي التي تحدد انتماء اللفظ لما قبله أو تضمينه لما بعده، وهو ما قصده الإمام الجصاص بقوله: ” إن كل لفظ قائم بنفسه غير مفتقر إلى غيره متى حملناه على غيره وقصرنا حكمه عليه، فقد خصصناه، والتخصيص لا يجوز إلا بدلالة، فوجب من أجل ذلك حمل اللفظ على مقتضاه منفردا عما قبله[4].

وكل لفظ معطوف على غيره لا يستقل بنفسه إلا بتضمينه بما قبله، وجب رده إليه وتضمينه بـه”[5].

ومن هنا يمكن الفصل بين نوعين من الجمل: الجمل المستقلة بنفسها، والجمل التابعة وغير المستقلة. فما معنى استقلالية الجمل؟ وما حدود سياقاتها؟.

  • سياق الجملة المستقلة بنفسها وسياق الجملة التابعة وغير المستقلة:

وقد عني الأصوليين بمسألة الجملة المستقلة بنفسها وغير المستقلة عن طريق تطرقهم للحديث عن افتقار الألفاظ للبيان وعدمه، وتخصيص العام، والاستثناء الذي يلحق الجمل المعطوفة وغيرها…

فالجملة المستقلة هي التي لا تحتاج في فهـم مفرداتـها إلى جمل أخـرى، يقول الإمام الرازي: “كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته، ولم يقترن إليه ما يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان، إلا أن يريد به المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته، فيحتاج إلى بيان المراد به، وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه أو لأنه اقترن به ما جعله في معنى المجمل فهو مفتقر إلى البيان، قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ[6] و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ[7] فهذه ألفاظ معانيها معقولة ظاهرة فهو مفتقر إلى البيان بنفس ورودها، والثاني نحو قوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ[8] وقوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ[9].

فالصنف الأول عبارة عن جمل مستقلة لفظا ومعنى تفهم دلالة ألفاظها داخل سياقها، فهي غير مفتقرة للانفتاح على جمل أخرى، أما غير المستقلة فهي التي تفتقر إلى البيان وتحتاج إلى غيرها في فهمها، فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ هذا الحق غير معلوم في هذه الآية، اضطر معه الفقهاء لتتبع مصادر تشريعية أخرى لفهم نوع هذا الحق وقيمته.

فسياق الجملة هنا لا يكفي لفهم دلالات ألفاظها.

ولا يمنع من استقلالية الجملة واقتصارها على سياقها تخصيص بعض أجزائها وهو ما أشار إليه الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ حيث قال إنها جملة تامة مستقلة بنفسها، وقوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر، ويعلل بقوله: وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات، بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور[10].

فتخصيص بعض أجزاء الجملة المستقلة يضيف أحكاما جديدة، لكنه لا ينفي الحكم الأصلي للجملة الأصلية، كما لا ينفيه تأكيد الجملة بأخرى، نحو قوله تعالى: ﴿ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ[11] ففي أحد وجهي إعراب الآية أن قوله: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ جملة مستقلة قائمة على مبتدأ وخبر، وقوله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾جملة ثانية مؤكدة للأولى مقررة لـها[12].

واختلفوا في الاستثناء الواحد بعد جمل متعاطفة هل يعود إلى الجميع أو إلى الأخيرة فقط، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى ﴿إِلا مَنْ تَابَ[13] فذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يعود إلى جميعها ما لم تخصه دليل… ورد هذا القول بعضهم وفصلوا فيه القول: ولعل الحق الذي لا ينبغي العـدول عنه -كما ذكـر الشوكاني- هو أن القيد الواقع بعد الجمل إذا لم يمنع مانع من عوده إلى جميعها لا من نفس اللفظ ولا من خارج عنه فهو عائد إلى جميعها، وإن منع مانع فله حكمه، وهو ما يوافق عنده المذهب الذي يقول: إن الجمل وإن كانت كلها مسوقة لمقصود واحد انصرف إلى الجميع، وإن سيقت لأغراض مختلفـة اختص بالآخرة، فإن كونها مسوقة لأغراض مختلفة هو مانع من الرجوع إلى الجميع[14].

فالسياق إذا هو المعول عليه وهو الفيصل في فهم أحكام الجمل ودلالاتها كما أن هناك علاقة ترابط وتلازم بين السياق ومعاني الألفاظ ومواضع الخطاب، فكلما ظهرت معاني الألفاظ على حقيقتها، ولم يتطرق إليها مجاز ولا إجمال، اقتصر على مركز السياق في فهم دلالتها، وكلما احتيج للبيان في فهم مفرداتها، امتد السياق وكسر قيد الجملة لتنفتح على جمل أخرى تسندها وتدعمها لتحيط بالموضوع ويتحقق فهم المراد من الخطاب.

ويرى الشاطبي أن الضابط المعول عليه في مأخذ الفهم عن الخطاب القرآني هو اعتبار المساق الذي خرج عليه الخطاب، مع النظر في الخطاب جملة، ورد أوله على آخره وآخره على أوله.

ويمثل الشاطبي للكلام الواحد باعتبار نظمه، وفي نفس الوقت يشمل أنوعا من الكلام بحسب ما بث فيه بسورة البقرة، فمنها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب، ومتها ما هو كالمؤكد والمتمم، ومنها ما هو المقصود في الإنزال، وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب، ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك، فسورة البقرة من هذا الجانب تعتبر أنواعا من الكلام، وبمثل للكلام الواحد بقوله تعالى في نفس السورة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) [15]

فهي كما يقول الشاطبي كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى، وحاصله بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه، وقضائه وسائر ما يتعلق به، من الجلائل التي لا بد منها، ولا ينبني إلا عليها[16].

والسـؤال الذي يطرح نفسـه الآن هو: كيف يمكننا استنباط الأحكام من خلال النظم القرآني؟ نجيب على هذا السؤال باعتبار وجود نوعين من السور القرآنيـة:

* سور تعد كلاما واحدا باعتبار نزولها في قضية واحدة، أو باعتبار توفرها على الوحدة الموضوعية “كسورة الكوثر” مثلا فهي نازلة في قضية واحدة، وسورة المؤمنون فهي نازلة في قضية واحدة، وإن اشتملت على معان كثيرة، فإنها من السور المكية، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان، أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة اللـه[17].

* وسور تتعدد من حيث القضايا المشتملة عليها.

يقول الشاطبي في كيفية التماس فقه الأحكام باعتبار هذين النوعيـن من جهتين[18]:

  • اعتبار من جهة تعدد القضايا: فتكون كل قضية مختصة بنظرها، ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه، ويشترك مع هذا الاعتبار القسم الأول، فلا فرق بينهما في التماس العلم والفقه.
  • واعتبار من جهة سياق السورة: إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل فيه لآراء الرجال، ويشترك معه أيضا القسم الأول، لأنه نظم ألقي بالوحي، وكلاهما لا يلتمس منه فقه على وجه ظاهر، وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه الإعجاز.

فقد جعل الشاطبي الوحدة الموضوعية معيارا من معايير الفقه في استنباط الأحكام، أما سياق السورة فهو معيار مساعد يلتمس منه أوجه الإعجاز والمناسبة بين الآيات.

ومن ثم فإن العلاقة السياقية التي تخدم استنباط الأحكام تنحصر في العلاقات الكامنة بين الآيات التي نزلت في قضية واحدة ورتبت في نظم واحد، وتتعدى إلى سياق السورة كلها لاستكشاف وجوه الإعجاز والمناسبة، ومنه قول الشاطبي في تفسير معنى ” الظلم ” في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ[19]، ” فإن سياق الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوص، فإن السورة من أولها إلى آخرها مقررة بقواعد التوحيد وهادمة لقواعد الشرك وما يليه…” [20].

فكيف تعامل المفسرون مع امتدادات السياق؟ وهل كانوا يقتصرون على السياق القريب للآية، أم يتجاوزونه إلى السياق الأبعد؟ وما هي دواعي امتدادات السياق عند المفسرين ومستوياتها؟

3- نماذج تطبيقية من خلال كتب التفاسير حول امتدادات السياق ومستوياته:

أ – على مستوى نظم السورة:

* قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[21]

هذه الآية يظهر تعلقها بما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقول أبو حيان: ” ظاهره أنه استثناء من المعاقبين عقاب قاطع الطريق، فإن تابوا قبل القدرة على أخذهم سقط عنهم ما ترتب على الحرابة، وهذا فعل علي رضي الله عنه بحارثة بن بدر العراني، فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا”[22].

ومن ثم فإن هذه الآية لا تفهم إلا في سياق أشمل من سياقها، وذلك بسبب ارتباطها بالآيات قبلها.

هذا فيما يتعلق بالجمل غير المستقلة في النظم، فكيف تعامل المفسرون مع الجمل التي يظهر أنها مستقلة بنفسها؟ هل يكتفون بتفسيرها مقتصرين على ما تفيده مفرداتها أم يربطونها بما سبقها أو لحقها من الآيات؟.

للإجابة ننظر في هذه النماذج:

مثال:

* قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ[23].

يظهر أن هذه الجملة مستقلة بنفسها، فنحن نستطيع فهم المراد منها دون النظر حواليها، إلا أن أبا حيان أبى إلا أن يبحث عن المناسبة بينها وبين الآيات قبلها، وهو قوله: “مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أنه لما ذكر الله تعالى القتل في القصاص، والدية، أتبع ذلك بالتنبـيه على الوصية، وبيان أنه مما كتبه الله على عباده حتى يتـنبه كل أحد فيوصي مفاجأة الموت، فيموت على غير وصية”[24].

فسياق النظم هنا سياق يتحدث عن الموت والقتل وما يتعلق بهما من الدية فجر الكلام إلى الوصية.

وهو ما قصد به الشاطبي من التماس أوجه الإعجاز والمناسبة بين الآيات وذلك بالنظر في مجموع آيات السورة ونظمها، وعدم الاقتصار على بعض آياتها دون البعض.

وقد كان المفسرون يرون أن للسورة سياقا يمكن أن يستشف من خلاله بعض الإضافات والملح العلمية، أو ما عبر عنه الشاطبي بالفقه غير الظاهر:

يقول الطيبي في أغراض سورة الفرقان: “ومدار السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الناس كافة، ولذلك افتتحت بما يثبت عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾[25].[26]

مثال:

* قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[27].

يقول أبو حيان في تفسير آخر سورة النحل وعلاقتها بالآيات قبلها: “لما أبطل تعالى مذاهب المشركين في هذه السورة من إثبات الشركاء لله، والطعن في نبوة رسول الله صلى الله عله وسلم، وتحليل ما حرم، وتحريم ما أحل، وكانوا مفتخرين بجدهم إبراهيم عليه السلام مقرين بحسن طريقته ووجوب الاقتداء به، ذكره في آخر السورة وأوضح منهاجه وما كان عليه من توحيد الله تعالى ورفض الأصنـام، ليكن ذلك حاملا لهم على الاقتداء بـه “[28].

لقد دأب المفسرون على البحث في العلاقة بين الآيات في السورة الواحدة وأيضا التماس الإعجاز والمناسبة بين مطلع السورة وآخرها، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أنهم كانوا على وعي بأن لكل سورة سياقا يجب أن تفهم فيه، وتفسر بحسبه، بل إن منهم من تجاوز البحث في سياق السورة الواحدة ليبحث عن علاقة آخر السورة بمطلع السورة بعدها باعتـبار أن ترتـيب السور في المصحف ترتيب توقيفي عن رب العزة – حسب غالبية المحققين – فلا بد من التماس أوجه الإعجاز فيه.

كمثال على ذلك:

* قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[29].

يقول أبو حيان عن علاقة مطلع سورة فاطر بآخر السورة قبلها:

“لما ذكر تعالى في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين أعداء المؤمنين، وأنزلهم منازل العذاب، تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه ووصفه بعظيم آلائه”[30].

وهذا وجه بديع في ربط معاني الآيات ومقاصدها بالسورة وبالآيات المتسلسلة، يقول العلامة ابن عاشور – رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا[31]:

“والذي أختاره أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً[32] فبعد أن بين إبطال طعنهم فقال: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ[33] انتقل إلى تنظير القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى عليه السلام وكيف استأصل الله من كذبوه، ثم استطرد بذكر أمم كذبوا رسلهم، ثم انتقل إلى استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه عن دعوته بقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا[34].

وتسلسل الكلام بضرب المثل بمد الظل وقبضه، وبحال الليل والنهار، وبإرسال الرياح، أمارة على رحمة غيثه الذي تحيا به الموات حتى انتهى إلى قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾….

ووما يزيد هذه الآية اتصالا بقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أن في بعث نذيرا إلى كل قرية ما هو أشد من تنزيل القرآن مجزءا…”[35]

ب- على مستوى وحدة الموضوع:

أما فيما يخص السياق الموضوعي وعناية المفسرين به وتفسير الآيات بحسبه، فنمثل بما يلـي:

المثال الأول:

* قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا[36].

ذكر أبو حيان أن قوله ﴿إِذْ قِيلَ﴾ في الأعراف يفسره قوله ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ في سورة البقرة، فقد صرح بالفاعل في البقرة لإزالة الإبـهام، وحذف في الأعراف للعلم به في سورة البقرة.

وفي قوله تعالى في البقرة: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وفي الأعراف ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ بأنه لما قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فبين أن هذا الظلم فسق، واكتفى بذكر الظـلم في سورة الأعراف لأجـل ما تقدم في البيان في البقرة[37].

فقد انتقل في تفسيره من سورة البقرة إلى سورة الأعراف لوجود وحدة في الموضوع، وهو القرية التي أمر بنو إسرائيل بدخولها، وما تلاها من الأحداث، ومن ثم تكتمل الصورة بوضعها في سياقها الشامل.

المثال الثاني:

* قوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ[38].

يقول أبو حيان في تفسير هذه الآية: ” وتبليغ البشارة على لسان الرسول إلى المرسل إليه ليست بشارة من الرسول، بل من المرسل، ألا ترى إضافة ذلك إليه في قولـه: يبشرك؟ وقد قال في سورة مريم: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ فأسند ذلك إليه تعالى”[39].

فقد أكد المعنى بالنظر في السورتين معا، وهو كون التبشير من الله تعالـى لنبيه زكرياء، ولا شك أن مصدر التبشير وكونه من الله تعالى يزيد نبيه فرحا وفخرا.

المثال الثالث:

* قوله تعالى ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا[40].

قال المفسر: “والمراد: ثلاثة أيام بلياليها، يدل على ذلك قوله في سورة مريم: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا[41].

وهذا يضعف تأويل من قال: أمر بالصوم ثلاثة أيام، وكانوا لا يتكلمون في صومهم، والليالي تبعد مشروعية صومها”[42].

فقوله تعالى في سورة مريم ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، جعله يفند القول الذي يزعم أنه أمر بالصوم ثلاثة أيام، لأنه تبعد مشروعية صوم ثلاثة أيام بلياليـها.

فالسياق الموضوعي، وإن تفرق في سور شتى وجب تتبعه لاستخلاص الدلالة الكاملة ورد المفاهيم الخاطئـة، وهذا ما يجدر بالمجتهد المقتدر فعله.

وقد قال الشاطبي في موافقاته: ” إن المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جـرت به على قانون النظر، واتسعت أحكامها وانتظمت أطرافها على وجه واحد، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[43].

وقال تعالى:﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ[44].

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا[45].

يعني يشبه بعضه بعضا، ويصدق أوله آخره، وآخره أوله أعني أوله وآخره في النـزول”[46].

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – عن علم لغة النص ( المفاهيم والاتجاهات )، د. سعيد حسن البحيري ص 106

[2] – عن م س ص 38

[3] – ينظر كتاب التعريفات، الجرجاني باب النون ج 1 ص 310

[4] – الفصول في الأصول، الرازي الجصاص ج 1 ص 42

[5] – م س ج 1 ص 42

[6] – سورة البقرة الآية 275

[7] – سورة النساء الآية 23

[8] – سورة الأنعام الآية 141

[9] – سورة المعارج الآية 24

[10] – ينظر التفسير الكبير، الرازي ج 3 ص 63

[11] – سورة يوسف الآية 75

[12] – ينظر إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية ج 3 ص 219

[13] – سورة الفرقان الآيات 68-69-70

[14] – ينظر إرشاد الفحول، الشوكاني ج 1 ص 326

[15] – سورة البقرة: الآيات: 183 – 187

[16] – ينظر الموافقات، الشاطبي ج 4 ص 268

[17] – ينظر م س ج 3 ص 377

[18] – الموافـقات، الشاطبي ج 3 ص 381

[19] – سورة الأنعام الآية 82

[20] – الموافقات، الشاطبي ج 4 ص34

[21] – سورة المائدة الآية 34

[22] – البحر المحيط، أبو حيان ج 4 ص 413

[23] – سورة البقرة الآية 180

[24] – البحر المحيط، أبو حيان ج 2 ص 173

[25] – سورة الفرقان، الآية: 1.

[26] – حاشية الطيبي عن التحرير والتنوير ج.19 ص52.

[27] – سورة النحل الآيتان 120-121

[28] – البحر المحيط، أبو حيان ج 7 ص 304

[29] – سورة فاطر الآية 1.

[30] – البحر المحيط، أبو حيان ج 9 ص 227

[31] – سورة الفرقان، الآية: 51.

[32] – سورة الفرقان، الآية: 32.

[33] – سورة الفرقان، الآية: 32.

[34] – سورة الفرقان، الآية 43.

[35] – التحرير والتنوير لابن عاشور، ج.19، ص.52.

[36] – سورة البقرة الآية 58

[37] – ينظر البحر المحيط، أبو حيان ج 1 ص 289

[38] – سورة آل عمران الآية 39

[39] – البحر المحيط، أبو حيان ج 3 ص 217

[40] – سورة آل عمران الآية 41

[41] – سورة مريم الآية 10

[42] – البحر المحيط، أبو حيان ج 3 ص 234

[43] – سورة هود الآية 1

[44] – سورة لقمان الآية 2

[45] – سورة الزمر الآية 23

[46] – الموافقات ، الشاطبي ج 3 ص 88

اظهر المزيد

د. نبيلة الوزاني الثهامي

دكتورة في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: