النصيحة دين

النصيحة قوام الدين

عن الصحابي الجليل أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “”إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة” قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: “للّه وكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم، أو أئمة المسلمين وعامتهم”” 1 . الدين كله تجمعه كلمة واحدة هي النصيحة، والدين لا يقبل إلا بالإخلاص، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) 2 .

النصيحة بين الصدق والإخلاص

إن النصيحة تجمع أمرين أساسيين لا تتحقق بدونهما:

الأمر الأول: الصدق وهو الأصل، والصادق لا إعجاب له.

الأمر الثاني: الإخلاص وهو إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة وتصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. فالمخلص لا رياء له. ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا الصدق إلا بالإخلاص، ولا يتمان إلا بالصبر 3 .

قال الجرجانيّ رحمه الله: “الفرق بين الإخلاص والصّدق:

– أنّ الصّدق أصل وهو الأوّل، والإخلاص فرع وهو تابع.

– وفرق آخر أنّ الإخلاص لا يكون إلّا بعد الدّخول في العمل، أمّا الصّدق فيكون بالنّيّة قبل الدّخول فيه” 4 .

فكأنك بكلمة النصيحة تقول: كن صادقا، وكن مخلصا ،وحقيقة النصيحة ما يجمع معنيي: الصدق والإخلاص، ولهذا قال الله تعالى على لسان نبي الله نوح عليه السلام في سورة الأعراف: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ 5 وقال سبحانه على لسان نبي الله هود عليه السلام: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) 6 ، ومن مواصفات الناصح الصادق المخلص، النصح بعلم وبأمانة، وأن ينصح كما بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي إطار المحاسبة يجب على كل واحد منا أن يوجه هذا السؤال، هل أنا فعلا ناصح؟ وهل نصحت بصدق؟ وهل قمت فعلا بهذا الواجب؟ هذه أسئلة لا بد أن يتأملها المسلم مع نفسه، ومع إخوانه، ويرى موقعه من هذا الحديث النبوي الشريف الذي هو من جوامع كلمه صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي نفس السياق، أخرج الستة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” 7 ، ومقتضى هذا الحديث المحبة، والمحبة لا تتعارض مع النصح، بل تقتضيه ويقتضيها أن أحب لأخي ما أحب لنفسي. فمن هو أخي؟ وأي أخ هذا المقصود في الحديث؟ لا شك أنه هو المسلم كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم…” 8 . وكما قال عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “… وكونوا عباد الله إخوانا” 9 فيجب على كل واحد منا أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فأنت تحب لنفسك الفوز بالجنة، فيجب أن تحب لأخيك الفوز بالجنة، وتحب لنفسك النجاة من النار، فيجب أن تحب لأخيك النجاة من النار…

النصيحة هدية

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم العطية ونعم الهدية كلمة حكمة تسمعها فتطوي عليها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها تعدل عبادة سنة” 10 ، تدبر ـ رعاك الله ـ هذا الحديث النبوي الشريف، وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام “حكمة”، وهذا يعني أنه لابد لك من مجالس خير تجلسها لتسمع فيها الحكمة، ثم انظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: “تطوي عليها” دليل على حرصك على الحكمة التي تلقيت، وحفاظك عليها واستيعابها والاهتمام بها، ثم انظر ـ رعاك الله ـ إلى قوله عليه الصلاة والسلام: “تحملها إلى أخ لك مسلم”، وهذه الصفة من علامة الإيمان التي قال فيها الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه الستة عدا أبي داود “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” 11 ، فبيّن أن من أهم عوامل رسوخ الإيمان في القلب، أن يحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه، من حلول النعم، وزوال النقم، وبذلك يكمل الإيمان في القلب.

وإذا تأملنا الحديث لوجدنا أن تحقيق هذا الكمال الإيماني في النفس، يتطلب منها سموا في التعامل، ورفعة في الأخلاق مع الغير، انطلاقا من رغبتها في أن تُعامل بالمثل، وهذا يحتّم على صاحبها أن يصبر على أذى الناس، ويتغاضى عن هفواتهم، ويعفو عمن أساء إليه، وليس ذلك فحسب، بل إنه يشارك إخوانه في أفراحهم وأتراحهم، ويعود المريض منهم، ويواسي المحتاج، ويكفل اليتيم، ويعيل الأرملة، ولا يألو جهدا في تقديم صنائع المعروف للآخرين، ببشاشةِ وجه، وسعة قلب، وسلامة صدر.

وكما يحب للناس السعادة في دنياهم، فإنه يحب لهم أن يكونوا من السعداء يوم القيامة، لهذا فهو يسعى دائما إلى هداية البشرية، وإرشادهم إلى طريق الهدى، واضعا نصب عينيه قول الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) 12 .

ويتسع معنى الحديث، ليشمل محبة الخير لغير المسلمين، فيحب لهم أن يمنّ الله عليهم بنعمة الإيمان، وأن ينقذهم الله من ظلمات الشرك والعصيان، ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية الترمذي لهذا الحديث، قال صلى الله عليه وآله وسلم: “… وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما…” 13 .

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة في حب الخير للغير، فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يدّخر جهدا في نصح الآخرين، وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الدنيا والآخرة، روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه: “يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولين مال يتيم” 14 .

أما سلفنا الصالح رحمهم الله، فحملوا على عواتقهم هذه الوصية النبويّة، وكانوا أمناء في أدائها على خير وجه، فها هو حَبر الصحابة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: “إني لأمر على الآية من كتاب الله، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم”.

فكما أحببت الحكمة وسعيت إلى مكانها، وحافظت عليها، هل فكرت في أخيك لتجلسه مجالسك؟ وهل عندك إرادة في إيصال الحكمة التي تلقيت إلى أخيك الذي لم تسعفه الظروف للمجالسة لتنال أجر عبادة سنة؟ أهناك إغراء مثل هذا الإغراء، وتشجيع أكثر من هذا التشجيع النبوي؟ إنك بتعليم أخيك تلك الحكمة تكون قد أمنته من الزلل المفضي إلى الفضيحة الدنيوية والأخروية، لهذا قيل: “النصيحة أمن الفضيحة” 15 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلّغه” 16 . فهذا الحديث الذي بلغك أخي فاستفدت منه وأفدت به غيرك فائدته تتجلى في كون الذي بلغته له قد ازداد به هدى أو كبح به جماحه عن السقوط في الرذيلة، لهذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى”.

أثر الهدية على المهداة إليه

ما ارتُضي الغضبان، ولا استُعطف السلطان، ولا سُلت السخائم، ولا دُفعت المغارم، ولا تُوقي المحذور، ولا استُميل المهجور، بمثل الهدية والبر، لهذا قال ابن عبد البر رحمه الله: “تجاوزوا وتزاوروا وتهادوا فإن الهدية تثبت المودة وتسل السخيمة”.

وكما تكون الهدية مادية قد تكون معنوية، والهدايا المعنوية قد تكون أثمن وأغلى من كنوز الدنيا، لأنها لا تأتي غالبا إلا من قلب محب صادق، وتعبر دوما عن الإخلاص والوفاء دائما.

وللهدية أثر عجيب وعميق في نفوس من نهاديهم، فبها يزول ما بين النفوس من جفاء ووحشة، وبها ترق القلوب، وتصفو النفوس، وتزداد المودة والألفة، ويعمق الحب، وتوثق الروابط، وفي عميق أثر الهدية في النفوس يقول الشاعر الحكيم:
هدايـا النـاس بعضهم لبعـــض
تولد فـي قلوبهم الوصـــالا
وتزرع في الضمير هــــوى وودًا
وتلبسهم إذا حضــروا جمـالا

ما كل منصوح مستجيب

كل بني آدم خطاء، وفيهم عيوب، وقد لا يظهر للغير العيب، فلا يزال لا بالبصر ولا بالبصيرة، فماذا تتوقع؟ أيقبل الغير منك أم يرد ما أهديت له، إن كان ما أهديت حقا وبإخلاص؟ قال عمر رضي الله عنه: “رحم الله من أهدى إلي عيوبي”، فعمر رضي الله عنه أدرك أهمية النصيحة واعتبرها هدية تقدم إليه من الناصح، ومن لا يقبل نصح الناصح فهو كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب، ويعمد لما يشتهيه فيهلك، قال تعالى حكاية عن نبيه صالح عليه السلام في سورة الأعراف: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) 17 ، وقال بعض الحكماء: “اثنان ظالمان: رجل أهديت له النصيحة فاتخذها ذنبا، ورجل وسع له في مكان ضيق فجلس متربعا”. وقال أبو حاتم السبتي: “النصيحة محاطة بالتهمة، وليست النصيحة إلا لمن قبلها، كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها، ولا الآخرة إلا لمن طلبها”.

وإنك لتقرأ في سيرة سلفنا الصالح من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين والعلماء والخلفاء فتعجب مما تراه بينهم من صدق اللهجة ووفاء الأخوة، والقيام بواجب النصح والترحيب بالنقد البريء، والمواعظ الحسنة، مما تشعر معه أنك إزاء أمة لم تخلد في التاريخ بسيف ولا ظلم ولا تدمير، وإنما خلدت بخلق قوي، ونفوس كريمة، وعقول راجحة، وآداب متماسكة.

ليس كل الناس حكماء في النصح

ليس منا من لا يخطئ ولا ينحرف عن سنن الحق، بل فينا من الغرائز والطباع ما يميل بنا إلى الرشد والغي، والخير والشر، وما أجمل قول الشاعر:
وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها
كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ18

بل ما أروع قول الله تبارك وتعالى في وصف النفس الإنسانية على حقيقتها حين يقول حاكيا عن امرأة العزيز في سورة يوسف: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) 19 ، وليس كل إنسان يعرف خطأه أو يهتدي إليه، لهذا كان من حق الأخ على أخيه أن يبصره بعيبه، وينصح له في أمره. قال أبو حاتم السبتي:

“النصيحة تجب على الناس كافة، ولكن إبداءها لا يجب إلا سرا، لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه، فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه، أحرى من القصد فيما يشينه، وعلامة الناصح الذي يكون زينة المنصوح له، أن ينصحه سرا، وعلامة من أراد شينه، أن ينصحه علانية” 20 .

نسأل الله التوفيق والسداد لما يحبه ويرضاه.

الهوامش

[1] أخرجه الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، والإمام النسائي في كتاب البيعة النصيحة، والإمام أبو داود في كتاب الأدب باب في النصيحة واللفظ له، ح 4944 وغيرهم.
[2] سورة البينة الآية 5.
[3] حاشية مختصر شعب الإيمان، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط . ص/ 62.
[4] التعريفات للجرجاني 31، 14.
[5] سورة الأعراف الآية 62.
[6] سورة الأعراف الآية 68.
[7] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم في كتاب الطهارة: باب/ الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه باب علامة الإيمان، وابن ماجه في مقدمة السنن، الدارمي في سننه.
[8] رواه مسلم: 2564.
[9] متفق عليه.
[10] أخرجه الإمام الطبراني.
[11] رواه الستة عدا أبي داود.
[12] سورة فصلت الآية 33.
[13] رواه الترمذي في سننه باب الصحة والفراغ ج 4 ص 551، والبيهقي في شعب الإيمان ج 7 ص 78، قال الألباني في “السلسلة الصحيحة” 2 / 637:
أخرجه الترمذي (2/ 50) وأحمد (2 / 310) والخرائطي في “مكارم الأخلاق” (ص 42) من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا.
[14] لا تَأَمَّرَنَّ أَيْ فَلَا تَسَلَّطَنَّ وَلَا تَصِيرَنَّ أَمِيرًا.
[15] مَن قَبِل النصيحة أمِنَ مِنَ الفضيحة. (عيون الحكم 384:6).
[16] حديث مرسل لابن عبد البر رحمه الله.
[17] سورة الأعراف الآية 79.
[18] ليزيد المهلبي من شعراء العصر الأموي (من كتاب لآلئ اللآلئ: مختارات من كتاب “معجم لآليء الشعر العربي” للدكتور / إميل بديع يعقوبK اختصره/ أبو عدي، البيت 82).
[19] سورة يوسف الآية 53.
[20] النصح لعامة الناس يجب أن يكون سرا وهو المقصود في المقال.
– قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا. حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. وقال الفضيل بن عياض: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير..
أما نصح الأمراء فاختلف العلماء بين الجهر والإسرار لورود الآثار في المسألتين، والتحقيق أنه لا تعارض بين الأحاديث.
والأخبار التي دلت على إظهار النكير على السلطة الشرعية إذا وقعت في منكر، مع حديث ابن عباس، رضي الله عنهما – كمثال – عندما سئل، عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ فقال: (إن كنت فاعلاً ولا بُدّ ففيما بينك وبينه). فالآثار التي تدعو إلى إسرار النصيحة للسلطان، ففيما يتعلق بما يفعله سرا، وأحاديث الإنكار العلني تتعلق بما يظهر فعله وينتشر أثره، فالسر ينصح بالسر، والعلن ينصح بالعلن، لأن المطلوب ـ في حالة المنكرات المعلنة ـ تحذير الناس من الوقوع فيها، وعدم الاغترار بأمر السلطان به، فيجب إظهاره. وقد أنكر عدد من الصحابة، رضي الله عنهم على بعض الأمراء علانية.

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: