المقام وامتداداته في النص القرآني

بعد أن تحدثنا عن امتدادات السياق المقالي، وكيفية تأثره بالمعنى على مستوى الجملة وعلى مستوى النظم أيضا، ننتقل للحديث عن الشق الآخر للسياق وهو “المقام” أو “السياق المقامي” حيث إن – المقام شرط- لاكتمال المعنى حسب النظرية السياقية.

فنخصص هذا الفصل للحديث عن السياق المقامي:

المبحث الأول: المناهج المعتمدة في فهم مقام الخطاب

المطلب الأول: سبب النزول

المطلب الثاني: بناء المكي على المدني

المبحث الثاني: امتدادات السياق المقامي في النص القرآني.

 تمهيــد

لا بد وأن بين المقام والمقال علاقة تبادلية التأثير والتأثر، وقد يكون هذا التأثير جليا ظاهرا للعيان، كما أنه قد يكون خفيا يحتاج للبحث والتنقيب عن الدوافع والأسباب، فالكلام كما قيل: ” معنى قائم بنفس المتكلم، يعبر عنه بلفظ أو لحظ أو خط”[1].

وقد يعبر المتكلم بهذه الوسائل جميعا، ثم إن هذا الكلام في الواقع، هو ما صدر عن متكلم له صفات وميول ومعتقدات وأيضا أحوال ودوافع تتكاثف جميعا ليصدر عنها كلام، ليس غريبا عن هذا المتكلم بل يتناسب مع شخصيته وتأثير تلك الملابسات فيها.

وقد لا يتكلم بما في نفسه صراحة، لكن يظهر على وجهه من العلامات و الأمارات، وعلى جسمه وصوته من الحركات والهزات، ما يجعل المشاهد لحاله يصل إلى فهم المعنى الذي بداخله، كل ذلك يجعل المعنى الحقيقي فوق الأداء المقالي للكلام، لذلك سنخصص هذا الباب للحديث عن السياق المقامي، الذي يفسـر الجانب غير اللغوي من السياق، خاصة على مستوى النص القرآني.

فما هي المناهج المعتمدة في فهم السياق المقامي في الخطاب القرآني؟

المبحث الأول: المناهج المعتمدة في فهم مقام الخطاب

مـــدخل:

المتكلم لا يعبر عن كل ما بداخله بصريح اللفظ والعبارة والمقال، بل هناك أمور يحصل العلم بها عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم، وتغيرات في وجهه وأمور معلومة من عادته ومقاصده[2].

وقد جعل الجاحظ أصناف الدلالات خمسة فقـال: ” جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد، أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العقد[3] ثم الخط ثم الحال التي تسمى نصبة[4]، والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام الأصناف ولا تقتصر عن تلك الدلالات” [5].

ويعرف أصحاب النظرية السياقية ” سياق الحال ” أو ” سياق الموقف” عندهم، بكونه: جملة العناصر المكونة للموقف الكلامي أو للحال الكلامية، ويشمل ذلك:

أ – المظاهر المرتبطة بالمشاركين متكلمين وسامعين، من ملامحهم الظاهرة وصفاتهم النفسية، ويمكن أن يتضمن كلام المشاركين والحدث غير الكلامي عند المشاركين،كأفعالهم وسلوكهم وتصرفاتهم أثناء الكلام.

ب- الأشياء والموضوعات المرتبطة بالموقف.

ج- الأثر الذي يتركه الحدث الكلامي كالإقناع أو الألم أو الإغراء أو الضحك أو البكاء.

د- العوامل والظواهر الاجتماعية المتعلقة باللغة والسلوك اللغوي لمن يشارك في الموقف الكلامي، كمكان الكلام وزمانه وجميع الأوضاع الخارجية الأخرى، وكل ما يطرأ أثناء الكلام مما يتصل بالموقف أيا كانت درجة الارتباط والتعلق[6].

إذن لابد للدلالة على معنى المقال من استحضار المقام، ولا بد في تفسير دلالة النص من استحضار القرائن الحالية التي تحف به سواء على مستوى الخطاب نفسه أو على مستوى المخاطب أو المخاطب، أو الجميع.

والقرائن الحالية هي الأحوال التي تحف الخطاب وتؤثر فيه، وهي جزء مهم من السياق الذي يفهم الخطاب بحسبه، فالاقتصار على مقال النص لا يعدو أن يوصلنا إلى المعنى الظاهر وهو ما يسمى ” معنى ظاهر النص” أو ” المعنى الحرفي” أما المعنى الحقيقي الذي يشير إلى مغزى الكلام ولبابه ومقصده فلا يوصل إليه – في كثير من الأحايين – إلا بمعرفة المقام كما أن هذه القرائن الحالية تختلف في قوة دلالتها على ما هي قرينة له،فعند اطراد العادة واشتراكها بين الجميع تكون الدلالة قطعية، أما عندما لا تطرد ولا تشترك بين الجميع، كأن تكون خاصة ببيئة دون أخرى، ومجتمع دون آخر، فإن دلالتها تضعف، وقد تفتح على احتمالات أخرى، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار خصوصيات المكان وأيضا خصوصيات الزمن والأعراف.

ويرى الجويني أن القرائن الحالية هي كقول القائل: رأيت الناس وأخذت فتوى العلماء، ونحن نعلم أن حاله لا يحتمل رؤية الناس أجمعين ومراجعة جميع العلماء، فهذه القرينة وما في معناها تتضمن تخصيص الصيغة[7].

والواقع أن مفهوم “القران الحالية” عند الجويني يحيل على مفهوم “مقتضيات الأحوال” عند الشاطبي حيث يقول: ” فالحاصل أن العموم إنما يعتبر بالاستعمال ووجوه الاستعمال كثيرة، ولكن ظابطها مقتضيات الأحوال، التي هي ملاك البيان، فإن قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا )[8] لم يقصد به أنها تدمر السموات والأرض والجبال، ولا المياه ولا غيرها مما هو في معناها، وإنما المقصود تدمر كل شيء مرت عليه مما شأنها أن تؤثر فيه على الجملة”[9]. إذن يمكن القول بأن للقرائن الحالية أو مقتضيات الأحوال دورا كبيرا في فهم النص والنزول على المراد منه، هذه الأهمية التي تستلزم مناهج وآليات سليمة للتعرف عليه وضبطه، لأنه قد يحتوي على قرائن قوية دالة على المراد، فيكون ضياعه ضياعا لتلك القرائن، وفي ضياعها ضياع دلالة السياق، أو على الأقل ضياع جزء منها.

وإلى هذا أشار الإمام الشاطبي بقوله: ” الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، فالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أخرى من تقرير وتوبيخ وغير ذلك،… وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة وعمدتها مقتضيات الأحوال،وليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه”[10].

إن استيعاب المقام في فهم معنى النصوص، لا سيما نصوص الشرع من الأهمية بمكان، إذ الانحراف في قصدها يؤدي حتما إلى الانحراف في فهم الشرع، لذلك حرص الصحابة رضوان الله عليهم على استجلاء قرائن مقامات الخطاب، وتوثيقها لتكون حجة للسابقين واللاحقين في فهم واستيعاب مقاصد الشريعة، كما قام من جاء بعدهم من علماء الأمة بالتثبت من صحة الرواية وعدالة الرواة واتصال السند، هذا فيما يخص السنة المطهرة، وأيضا عمل علماء القرآن على التـثبت من تواتر النص القرآني وصحة أسباب النزول، وكلها أحوال ومقامات تفتل في صحة الخطاب الشرعي وحجيته، كما فطنوا إلى اختلاف سياق الخطاب المتعلق بمكة عن سياق الخطاب المتعلق بالمدينة، والسياق المتقدم لكل منهما عن المتأخر منها فكان من الضروري استحضار الخطاب السابق، لكونه حالا ومقاما يؤسس عليه في فهم الخطاب اللاحق.

المطلب الأول:سبب النـزول قرينة للاستدلال:

1- سبب النـزول:

يحرص الصحابة العدول الثقاة على نقل القرائن الحالية في الخطاب الشرعي كما ينقلون ألفاظه، من أجل أن يحمل إلينا المعنى كاملا غير منقوص، وذلك لقيمة هذه القرائن لما تحمله من دلالات لايستغنى عنها في فهم الخطاب.

ثم إن هذه القرائن كما يقول الغزالي: ” قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين يختص بدركها المشاهد لها فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر، حتى توجب علما ضروريا بفهم المراد أو توجب ظنا، وكل ما ليس له عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن”[11].

ومن ذلك قولهم رضوان الله عليهم وهم يروون الأحاديث: (فضحك حتى بدت نواجده )[12]، (فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه)[13]، إلى غير ذلك من القرائن التي تزكي القرائن المقالية، وقد تضيف إليها معاني لا تستشف إلا من هذه الأمارات والقرائن الـدالة.

هذا فيما يخص الأحاديث النبوية الشريفة، أما فيما يخص القرآن فتعد أسباب النزول قرائن حالية تفسر الخطاب وترفع الإشكال في أحايين كثيرة.

يقول الإمام الشاطبي منوها بأهمية الإلمام بأسباب النـزول: ” ليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد، ومعرفة معنى السبب هو معنى معرفة مقتضى الحـال”[14].

ومن ثم فإن الجهل بأسباب التنزيل مما يوقع في الشبه والإشكالات، ويؤدي إلى الاختلاف والنزاعات.

فالغفلة عن أسباب التنزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات… هذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنـزل، بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنـزل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات، وتوجه الإشكالات [15]

وهذا ما جعل المفسرين يبحثون في أسباب النزول، ويرون ذلك من المهمات الأساسية في التفسير، إلا أن قول الصحابـي ” نزلت هذه الآية في كذا ” لا يدل دائما على سبب نزول تلك الآية، فقد يكون قصده نزلت لمثل هذا السبب.

” والذي ينبغي لفت النظر إليه أن هناك روايات تذكر على أنها أسباب نزول آيات من القرآن الكريم، ويظهـر بالتأمل فيها أنها مما ينبو عنه سياق الآية، أو أنها لا تتلائم مع تاريخ نزولها، فقد تذكر حادثة مكية سببا في نزول آية مدنية”[16].

ومثله ما رواه البيهقي بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: ” نزلت هذه الآية: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) [17] في زكاة رمضان (زكاة الفطر)[18] ” وقد استغرب العلماء من ذلك، وقالوا: ” لا ندري ما وجد هذا، فإن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة[19]

ولهذا ذهب المحققون إلى أن قول السلف: ” نزلت الآية في كذا ” قد يستعمل في بيان ما تنطبق عليه الآية مما حدث في عهد النبي أو قبله أو بعده، ولا يكون غرضهم إلا تصوير ما تصدق عليه الآية من الأحداث والمعاني[20]. وأكد العلماء على أنه لا عبرة بما يروى من أسباب النزول إذا كان ينبو عنها السياق، فلا يصح التعويل على ما يذكر من أسباب النزول، إلا أن تثبت بسند صحيح، وتنسجم مع سياق النص ودلالته الواضحة، وتتلائم مع تاريخ النزول، دون أن يكون فيها ما يخدش كونها سببا لنزول النص[21].

نرجئ الكلام عن الشواهد القرآنية المتعلقة بسبب النزول وبناء المكي على المدني، كقرينتين سياقيتين مرجحتين عند تعارض الاستدلالات للمرة القادمة بإذن الله.

 

المصادر والمراجع

 

– ينظر اشكا لية الجمع بين الحقيقة والمجاز في ضوء البيان القؤرآني، سعـد محمد توفــيق ص 66

– ينظر المستصفى، الغزالي ج 1 ص 228

– يقصد الجاحظ بالعقد: الحساب ينظر البيان والتبين ج 1 ص 57

– يقصد الجاحظ بالنصبة: الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد، ويمثل بقدرة الله وعظمته المتمثلة في خلقه ينظر م س ج 1 ص 58

– البيان والتبيين، الجاحظ ج 1 ص 76

– علم الدلالة، حيدر فريد عوض ص 163- 164

– ينظر البرهان في أصول الفقه، الجويني ج 1 ص 253

– سورة الأحقاف الآية 25

– الموافقات، الشاطبي ج 4 ص 21

– الموافقات: الشاطبي ج 3 ص 311

– المستصفى، الغزالي ج 1 ص 185

– ينظر كتاب ” الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم “، الحميدي ج 1 ص 111

– ينظر صحيح البخاري، البخاري ج 1 ص 13

– الموافقات، الشاطبي ج 3 ص 311

– ينظر الموافقات، الشاطبي ج 3 ص 313

– نظرية السياق، دراسة أصولية، د. نجم الدين قادر ص 326

– سورة الأعلى: الآية 14

– السن الكبرى، البيهقي كتاب الزكاة، حديث (7456)،ج 4 ص 159

– ينظر البرهان، الزركشي ج 1 ص 32

– ينظر نظرية السياق دراسة أصولية، د. نجم الدين قادر ص 327

– ينظر قواعد التدبر الأمثل ، الميداني ص 205

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – ينظر اشكا لية الجمع بين الحقيقة والمجاز في ضوء البيان القؤرآني، سعـد محمد توفــيق ص 66

[2] – ينظر المستصفى، الغزالي ج 1 ص 228

[3] – يقصد الجاحظ بالعقد: الحساب ينظر البيان والتبين ج 1 ص 57

[4] – يقصد الجاحظ بالنصبة: الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد، ويمثل بقدرة الله وعظمته المتمثلة في خلقه ينظر م س ج 1 ص 58

[5] – البيان والتبيين، الجاحظ ج 1 ص 76

[6] – علم الدلالة، حيدر فريد عوض ص 163- 164

[7] – ينظر البرهان في أصول الفقه، الجويني ج 1 ص 253

[8] – سورة الأحقاف الآية 25

[9] – الموافقات، الشاطبي ج 4 ص 21

[10] – الموافقات: الشاطبي ج 3 ص 311

[11] – المستصفى، الغزالي ج 1 ص 185

[12] – ينظر كتاب ” الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم “، الحميدي ج 1 ص 111

[13] – ينظر صحيح البخاري، البخاري ج 1 ص 13

[14] – الموافقات، الشاطبي ج 3 ص 311

[15] – ينظر الموافقات، الشاطبي ج 3 ص 313

[16] – نظرية السياق، دراسة أصولية، د. نجم الدين قادر ص 326

[17] – سورة الأعلى: الآية 14

[18] – السن الكبرى، البيهقي كتاب الزكاة، حديث (7456)،ج 4 ص 159

[19] – ينظر البرهان، الزركشي ج 1 ص 32

[20] – ينظر نظرية السياق دراسة أصولية، د. نجم الدين قادر ص 327

[21] – ينظر قواعد التدبر الأمثل ، الميداني ص 205

اظهر المزيد

د. نبيلة الوزاني الثهامي

دكتورة في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جزاكم الله خيرا على هذا المجهود الرائع وبارك لكم جهودكم في نفض الغبار عن مواضيع مهمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: