المقاصد الكلية الناظمة للتكليف بالمستطاع في الحج

إن من رحمة الله تعالى بالإنسان المخاطب بالشريعة أن جعل تكاليف هذه الشريعة عموما وتكاليف الحج خصوصا دائرة مع الوسع الإنساني وجودا وعدما، من أجل إصلاح أحوال الإنسان في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها[1]، لذلك جاء انبناء التكليف الشرعي في الحج على حدود الطاقة البشرية والملك الإنساني محققا لمقاصد الشرع الكلية التالية:

أولا: مقصد حفظ الفطرة البشرية:

لقد خلق الله سبحانه الإنسان على نظام الفطرة الذي أوجده في كل مخلوق[2]، ليقوى على الاستدلال على ربه، ومعرفة شرائعه، قبل أن يخاطبه بشريعته، فجاء الخطاب التكليفي الشرعي متطابقا تمام التطابق[3] ومنسجما غاية الانسجام مع فطرة الإنسان وفطرة الكون، فلا منافاة ولا مجافاة بين التكاليف الشرعية وبين الكيان الفطري للإنسان من جهة، ونظام الكون من جهة أخرى.

فالكون مؤسس على ميزان العدل الذي لا يختل والتدبير العادل الذي لا يتخلف مصداقا لقول الله تعالى:{ما خلقنا السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى}[الأحقاف من الآية 3]، وقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}[القمر الاية 49]، كما أن الإنسان مفطور على حب العدل ومأمور به شرعا، ومفطور على حب الرحمة وقد أمر أن يرحم، وهكذا[4].

فحالة الانسجام الفطري بين الإنسان والتكليف الشرعي، أصله القرآن نفسه حين وصف الإسلام بأنه دين الفطرة[5] في قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}[الروم من الآية 30]، قال الطاهر بن عاشور: “فوصف الإسلام بأنه الفطرة معناه أنه فطرة عقلية، لأن الإسلام عقائد وتشريعات، وكلها أمور عقلية أو جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به”[6].

فالأوامر والنواهي الشرعية عموما وفي الحج خصوصا – بمقتضى ماذكر – تشكل صمام الأمان لفطرة الإنسان من عوامل التحريف والمسخ في بيئته الاجتماعية، المشار إليها في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه[7]، فلا تتحقق إنسانية الإنسان إلا بتحقق امتثاله لدين الله، وكلما أخل بشيء من دين الله تخلت عنه إنسانيته، بقدر إخلاله بفطرته، والامتثال لدين الله يتحقق باتباع أوامر الشارع واجتناب نواهيه في الحج وسواه.

ومناسك الحج تجعل الحاج في محضن تربوي استثنائي، يكون فيه أقرب ما يكون إلى حقيقته الفطرية وإلى العبودية الخالصة، لما في الحج من معاني التفرغ والانقطاع للعبادة في أماكن لها من القدسية والروحانية ما ليس لغيرها، ومناسك متنوعة جمعت كل ألوان العبادات من صلاة وصيام وإنفاق وجهاد حركي متواصل، في أجواء تنافسية بين حشود من خلق الله لا يكاد عددهم  يحصى، أتوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، وهو ما يستدعي وجوبا الصبر على المعاشرة واللطف عند المخالطة.

ولولا دوران تلك المناسك كلها على الوسع الإنساني وحدود الطاقة البشرية لصادمت الفطرة الإنسانية ولحصل النفور من الشريعة، ولما أمكن أن يكون لتلك المناسك التأثير التربوي على الحاج في تطهير فطرته وحفظها إلى حد الصفاء التام، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه[8]، ومعلوم أن الشارع قصد بإنزال شريعته”إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا”[9].

ثانيا: مقصد تلبية الحاجة الإنسانية

لما تقرر باستقراء مختلف أبواب الشريعة أن أحكامها دائرة على مصلحة العباد في العاجل والآجل، كان ما تفرع عنها من الأحكام التكليفية في موضوع الحج مرتبطا بالملك الإنساني قصد تلبية الحاجات الفطرية الحقيقية للإنسان على المستويات الثلاثة:

المستوى الضروري:

          من الحاجات الضرورية التي تلبيها مناسك الحج الدائرة في فلك الاستطاعة البشرية حفظ الدين الذي يعد المصلحة الكلية العليا للإنسان، وحاجته الفطرية الضرورية التي يتوقف على تلبيتها استقامة حياة الإنسان، و بتجاهلها يحل به الهلاك شقاء وضنكا في الدنيا، وعذابا أليما في الأخرى، يقول الغزالي: ” ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة “[10]، وقال الشاطبي مؤكدا كلام سلفه الغزالي: ” الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة: وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال “[11]، والدين إنما يحفظ من جانب الوجود بتشريع أصول العبادات، ومنها الحج[12].

فإذا كان الدين مصلحة ضرورية لحياة الإنسان، فإنه لا يتم بدون ركن الحج، لقوله صلى الله عليه وسلم: “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا[13]، كما أن الحج لا يكون بدون مناسكه، وهذه لا يقوى الناس على أدائها باستمرار إذا كانت خارج حدود الاستطاعة البشرية، إذ لم ” يكلف في الشرع إلا ما يتمكن منه قطعا “[14] كما هو معلوم، ولذلك ناط الشارع الحكيم فريضة الحج بالاستطاعة البشرية في آية الحج الشهيرة[15] {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران من الآية 97].

المستوى الحاجي:

          يحرص الشرع على تلبية كل المصالح الحاجية التي تضمن للإنسان حياة كريمة موسعة ينتفي فيها الحرج والمشقة، لذلك فإن المصلحة الحاجية التي تتحقق من خلال التكليف بالمستطاع في أعمال الحج مجموعة في التيسير في أداء واجبات الحج ودفع الحرج عن الحجاج، وذلك بجعلها تنجبر بالدم حين الترك، فهي مكملات للأركان، فلو كانت لا تنجبر بالدم بعد فواتها لحصل حرج شديد للناس يفضي بهم إلى النفور من أعمال الحج، لأن ذلك تعسير ينافي الفطرة.

فدوران أحكام مناسك الحج على حماية المصلحة الحاجية، هو حماية للمصالح الضرورية، إذ الحاجيات سياج للضروريات، قال الشاطبي: ” فإذا حوفظ على الضروري، فينبغي المحافظة على الحاجي “[16]، لأن الحاجي حائم حول حمى الضروري، يتردد عليه بالتكملة ” فالمخل بما هو مكمل كالمخل بالمكمل من هذا الوجه “[17]، لذلك ألفينا الشارع الحكيم في التكاليف الشرعية يسيج دائرة الواجبات بسياج من المندوبات، كما سيج دائرة المحرمات بسياج من المكروهات حماية لتلك الدوائر من الوقوع فيها.

المستوى التحسيني:

           ويتعلق الأمر بحفظ  المصالح الزائدة على المصالح الضرورية والحاجية، التي جرت مجرى التحسين والتزيين[18]، وهي في مناسك الحج ما سوى الأركان والواجبات[19] من المناسك التي لا تخرج عن حد الاستطاعة البشرية، وهي مناسك مكملة للحاجيات الضرورية والحاجية السابقة، ومثمرة لمنافع عديدة أجملها الحق سبحانه في قوله: {ليشهدوا منافع لهم}[الحج من الآية 28] تعليلا للإقبال على مناسك الحج، وقوله عز من قائل: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق}[ الحج الآية 30].

ومن هذه المقاصد التبعية التي تحصل في الحج ماهو تربوي تعبدي، يتمثل في الثواب والمغفرة لكل حاج، وما هو اجتماعي تواصلي من خلال ما يحصل بين جموع المسلمين الحجاج من التعارف والمخالطة والمعاشرة، قال ابن عاشور: ” في مجمع الحج فوائد جمة للناس: لأفرادهم من الثواب والمغفرة لكل حاج، ولمجتمعهم لأن في الاجتماع صلاحا في الدنيا بالتعارف والتعامل “[20] ، ومنها ما هو سياسي يتجلى فيما يظهره المسلمون في الحج من القوة العددية، ومن أرقى صور الوحدة والتضامن، رغم اختلاف الأقطار والألسن.

هكذا يبدو جليا من خلال ما سبق مدى ارتباط التكليف الشرعي عموما وفي مناسك الحج خصوصا، على اختلاف مراتبها، بالاستطاعة البشرية لتلبى بذلك متطلبات حياة الإنسان من حدها الأدنى الضروري إلى الحد الأقصى التحسيني مرورا بالحد الأوسط الحاجي.

ثالثا: مقصد دوام الامتثال:

          القصد الشرعي من التكليف دوام المكلف عليه[21]، حتى تحصل المصلحة المرجوة من التكليف في المعاش والمعاد، ويشهد لهذا المقصد أدلة كثيرة كلية وتفصيلية، منها:

على المستوى الكلي: إن التكاليف الشرعية جاءت مرتبطة بالإنسان طوال عمره حتى الموت، بحيث لا تسقط عنه إلا على سبيل الاستثناء في لحظات العجز وانتفاء الاستطاعة، إذ ليس المقصود فقط القيام بالعمل، ولكنه القيام به في الزمن الممتد في الحياة، زمن الابتلاء كما سماه القرآن في قوله تعالى: {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}[الملك من الآية 2].

ومن جهة أخرى فالقصد الشرعي الكلي الناظم للتكاليف الشرعية على المستوى الفردي تحرير المكلف من هوى نفسه حتى ينخرط في سلك العبودية الاختيارية، وهذا لا يتم إلا بالامتثال الدائم المستمر في الزمن للتكليف الشرعي، مصداقا لقول الله تعالى:{واعبد ربك حتى ياتيك اليقين}[الحجر الآية 99].

على المستوى الجزئي: فقد وردت أدلة عديدة مبثوثة في مختلف أبواب الشريعة كتابا وسنة، تشهد لمقصد دوام الامتثال، منها وجوب الصلوات الخمس على مدى أيام عمر المكلف، مصداقا لقول الله تعالى في مدحه أهل الصلاة والإيمان: {الذين هم على صلاتهم دائمون}[المعارج من الآية 23] ، وقوله سبحانه: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} [المومنون الآية 9]، ووجوب الزكاة وصوم رمضان في كل سنة.

وقد أثنى سبحانه على عباده لما هم عليه من الديمومة على سلوك التبتل في قوله: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما}[الفرقان الآية 64] ، وصرح النبي صلى الله عليه وسلم بقصد الدوام في قوله: ” وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل[22]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ” خذوا من العمل ما تطيقون[23].

فهذه نماذج من الأدلة الكثيرة الواردة في الباب، أفادت ” حصول القطع بقصد الشارع إلى إدامة الأعمال “[24]، لذلك انتظمت أعمال الحج التي هي مظنة أنواع المشاق في سلك الاستطاعة البشرية حتى يتأتى منها قصد الدوام والاستمرار، سواء في ذلك قبل الدخول في أعمال الحج من خلال إناطة وجوب الحج بالاستطاعة في قول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [ آل عمران الآية 97] ، أو بعد الدخول في المناسك استصحابا للآية الجامعة: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن من الآية 16]، المفسرة للآية:{اتقوا الله حق تقاته}[آل عمران الآية 102].

فلزوم حدود الوسع البشري في عموم التكاليف الشرعية ومنها تكاليف الحج شرط يحقق مقصد دوام الامتثال، قال الإمام الشاطبي: ” ولأجل الدخول في الفعل على قصد الاستمرار، وضعت التكاليف على التوسط، وأسقط الحرج ونهي عن التشديد “[25].

رابعا: مقصد عالمية الشريعة:

          لقد أنزل الله شريعته إلى جميع خلقه من المكلفين، من كان منهم زمن النبوة، ومن حدث بعدهم حتى قيام الساعة بمقتضى عموم الرسالة ” على شرط بلوغ الأمر والتمكين من الفعل “[26]، قال الشاطبي: ” الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف ألبتة “[27]، يشهد لذلك أدلة كثيرة معروفة، منها قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}[28]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ” كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود[29].

فانبناء أعمال الحج، على اختلاف مراتبها في اللزوم، على شرط الاستطاعة البشرية يحقق للشريعة مقصد العموم والعالمية، لأنها بهذا الشرط تكون أحكام الحج خصوصا والشريعة عموما مقبولة عند ذوي الآراء الراجحة من الناس على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم وثقافتهم وأعمارهم بنفوس مطمئنة دون تردد ولا انقطاع[30].

وبناء على مقتضى عموم الشريعة وشمولها للزمان والمكان والإنسان، جاءت أصول هذه الشريعة وكلياتها مستوعبة لمختلف الأحوال دونما حرج ولا مشقة ولا عسر، يشهد لذلك محامل علمائنا في مختلف الأعصار والأمصار لظواهر النصوص على مختلف النوازل[31]، استنادا لقواعد الاجتهاد الأصولي كالعرف والمصلحة والعفو التشريعي، وتعليل الأحكام وتقصيد التصرفات ومراعاة المآلات وغيرها من القواعد التي بموجبها تتحدد مناطات الاستطاعة في تنزيل الأحكام، خصوصا منها أحكام مناسك الحج في هذا الزمان.

خامسا: مقصد التيسير ورفع الحرج:

التيسير ورفع الحرج مقصد شرعي ينتظم جميع جوانب التشريع وتصرفات المكلفين، وليس محصورا فقط في جانب الفتوى، قال الشاطبي: ” فإن رفع الحرج مقصود للشارع في الكليات، فلا تجد كلية شرعية مكلفا بها وفيها حرج كلي، أو أكثري ألبتة “[32]، وأجمع أهل العلم منذ البعثة النبوية إلى وقتنا هذا على عدم وقوع المشقة غير المعتادة في أمور الدين، وأن الشريعة وضعت على قصد التيسير[33]، ولم توضع قصد الإعنات والمشقة، وذلك استنادا إلى أدلة عديدة مبثوثة في مختلف أبواب الشريعة[34]، نذكر منها:[35]

– ما صرح فيه الشارع بقصد التيسير ورفع الحرج: كما في قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة  من الآية 185] ، وقوله سبحانه: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}[ المائدة من الآية 6 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاد وأبي موسى الأشعري: “يسرا ولا تعسرا بشرا ولا تنفرا[36]، وقوله عليه السلام:”إن الله تعالى لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا[37].

– ما وصفت فيه الشريعة باليسر: كقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن دين الله عز وجل في يسر” قالها ثلاثا[38]، وقوله عليه السلام: ” أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة[39]

– ما رخص فيه الشارع للأمة تخفيفا وتيسيرا، كالتيمم للصلاة، والفطر في رمضان، وترك الجهاد، وتناول المحرمات لذوي الأعذار، ورفع ما كان على الأمم السابقة من الآصار والأغلال، في قوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم} [الأعراف من الآية 157]، إلى غيرها[40] من الأدلة التي قرر الشاطبي أنها بلغت مبلع القطع [41].

ومما يندرج تحت مقصد التيسير ورفع الحرج نفي التكليف بما لا يطاق وبالشاق، وإثباته بالمستطاع، ذلك أن الله تعالى أخبر في غير ما موضع أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، لذلك قرر أهل العلم ” أن المتعذر يسقط اعتباره، والممكن يستصحب فيه التكليف”[42]، وأن ما ” لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا وإن جاز عقلا “[43]، وإن ظهر في الشريعة ما ظاهره التكليف بما لا يدخل تحت استطاعة العبد فمحمول على ما في الاستطاعة بالنظر إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه[44]، إذ لا يكلف الإنسان بما جبل عليه رفعا ولا إزالة[45].

أما التكليف بالشاق في التشريع الإسلامي فمعيار نفيه أو إثباته مدى ارتباطه بحدود الاستطاعة البشرية، فما يدخل في حيز الاستطاعة فلا يناقض وجوده في التشريع مقصد التيسير ورفع الحرج، وما هو خارج عن الوسع البشري فيتعذر قطعا وجوده في التكاليف الشرعية، لأنه يعود بالنقض والإبطال على مقصد التيسير ورفع الحرج الناظم للتشريع الإسلامي، لذلك ألفينا العز بن عبد السلام يقسم المشقة إلى: ما لا تنفك العبادة عنها كمشقة الوضوء والصلاة والحج وغيرها، وما تنفك عنها العبادت غالبا[46].

أما القسم الأول فهي المشقة المعتادة التي يرى الشاطبي أنها ” لا تسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى في العادة مشقة طلب المعاش بالتحرف وسائر الصناعات، لأنه ممكن معتاد لا يقطع ما فيه من الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف”[47]، أما ماهو خارج عن المعتاد فغير مكلف به، بل هو موضوع الترخيص والتخفيف.

فمن أقوى مظاهر التيسير ودفع الحرج أن أثاب الشارع الحكيم المكلف على ما يلحقه من مشقة أثناء التكليف، مع قطع النظر عن ثواب التكليف[48]، كما في قوله تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} [ التوبة من الآية 120]، ومنع من صرف القصد إلى المشقة الموجودة في التكليف لمخالفة ذلك لقصد الشارع من التكليف[49].

ويتعاظم لطف المالك بعبده حين يدفع عنه المشقة التي أدخلها على نفسه لا بسبب التكليف، كما في حالة النذور فيما لا يطاق، أو فيما هو مصادم لضروري أو حاجي في الدين[50]، يشهد لذلك حديث أبي إسرئيل الأنصاري الذي نذر أن يصوم قائما لا يجلس ولا يتكلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ” مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه[51]، وقصة فكه صلى الله عليه وسلم لحبل زينب الممدود بين سارتي المسجد، لما قيل له إن زينب إذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: ” حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد[52].

فمناسك الحج لا تخلو كغيرها من التكاليف الشرعية من المشقة المعتادة التي لا تحرج النفوس ولا تضيق بها الصدور ابتداء، أما ما قد يلابسها عمليا من مشاق خارجة عن المعتاد، فحله التيسير والتخفيف، بناء على القاعدتين الفقهيتين الكليتين: قاعدة ” المشقة تجلب التيسير”، وقاعدة ” إذا ضاق الأمر اتسع “[53].

ومعيار التمييز في الأعمال التكليفية عامة وفي أعمال الحج خاصة بين ماهو شاق يجلب التيسير وما ليس كذلك، النظر إلى مآل الأعمال، فإن ” كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه وإلى وقوع خلل في صاحبه: في نفسه أو ماله، أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة، وإن سميت كلفة، فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار في أكله وشربه وسائر تصرفاته، ولكن جعل له قدرة عليها، بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره، لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف “[54].

بهذا المعيار المقاصدي ينبغي موازنة أداء مناسك الحج في ظل ما يلابسها الآن وبعد الآن من شدة الزحام وكثرة الجهل بالشرع بين الناس، مع وجود ذوي الأعذار من النساء والشيوخ والمرضى، وما يترتب عن ذلك من مآل مؤسف يصل إلى حد هلاك النفوس والأبدان، والإعنات الشديد والإحراج الكبير، وهو ما يناقض تماما مقصد التيسير ورفع الحرج الناظم لمناسك الحج وغيرها من التكاليف الشرعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا البحث في مجلة “منار الهدى”، العدد 14، خريف 2009، من ص102 إلى ص112.

[1] – ينظر الشاطبي، الموافقات 1/34.

[2] –  ينظر الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 55.

[3] – ينظر النابلسي محمد، مقومات التكليف الطبعة 1/2005م دار المكتبي، دمشق سوريا ص 107.

[4] – ينظر النابلسي محمد، مقومات التكليف، ص107.

[5]–  ينظر ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز  في تفسير الكتاب العزيز تحقيق المجلس العلمي بمكناس/ المغرب 12/258.

[6] – الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة ص55.

[7]  –  البخاري في الصحيح كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم في الصحيح كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.

[8] – البخاري في الصحيح  كتاب الحج باب فضل الحج المبرور، ومسلم في الصحيح كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.

[9] – الشاطبي أبو إسحاق، الموافقات 2/128.

[10] – الغزالي أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، 1/278.

[11] – الشاطبي، الموافقات 3/33.

[12] – ينظر المصدر السابق 2/7.

[13] – البخاري في الصحيح كتاب الإيمان باب بني الإسلام على خمس، ومسلم في الصحيح كتاب الإيمان باب أركان الإسلام ودعائمه العظام.

[14] – الغزالي أبو حامد، المنخول من تعليقات الأصول تحقيق محمد حسن هيتو ط2 سنة 1998م دار الفكر المعاصر ص84.

[15] – فقد ذكر الطاهر بن عاشور أن العلماء تمالؤا على الاستدلال بالآية على وجوب الحج. ينظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس بدون تاريخ 4/21.

[16]– الشاطبي، الموافقات، 2/13.

[17] – المصدر السابق 2 /17.

[18] – ينظر المصدر السابق، 2/10.

[19] – على اصطلاح المالكية في التمييز بين الركن والواجب في الحج خاصة، قال ابن عاشر المالكي في منظومته الشهيرة: ” المرشد المعين على الضروري من علوم الدين “: ” أركانه إن تركت لم تجبر…”، وقال أيضا: ” والواجبات غير الأركان بدم     قد جبرت منها طواف من قدم”.

[20] – ابن عاشور، التحرير والتنوير 17/247.

[21] – ينظر الشاطبي، الموافقات 2/184.

[22] – البخاري في الصحيح كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره.

[23] – البخاري في الصحيح كتاب اللباس باب الجلوس على الحصير، ومسلم كتاب الصيام باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم .

[24] – الشاطبي، الموافقات 2/185.

[25] – الشاطبي، الموافقات 2 /185

[26] – الجصاص أحمد الرازي، الفصول في الأصول، تحقيق عجيل النشمي، الطبعة 2/ 1994م، وزارة أوقاف الكويت، 2 /151.

[27] – الشاطبي، الموافقات 2/186.

[28] – سبأ من الآية 28.

[29] – مسلم في الصحيح كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ( دون ترجمة ).

[30] – ينظر الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة ص86.

[31] – ينظر المصدر السابق ص91.

[32] – الشاطبي، الموافقات 1/263.

[33] – ينظر الشاطبي، الموافقات 2/ 94، وعزام عبد العزيز، مظاهر التيسير في التشريع الإسلامي ص12.

[34] – ينظر الشاطبي، الموافقات 1/254 وما بعدها.

[35] – ينظر أدلة أخرى في الموضوع عند الشاطبي، الموافقات  1/254-256.

[36] – البخاري في الصحيح كتاب العلم باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم، ومسلم في الصحيح كتاب الجهاد باب في الأمر.

[37] – مسلم في الصحيح كتاب الطلاق باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا، وأحمد في المسند، باقي مسند المكثرين.

[38] – أحمد في المسند مسند البصريين.

[39] – البخاري في الصحيح كتاب الإيمان باب الدين يسر، وأحمد في المسند باقي مسند الأنصار بلفظ بعثت.

[40] – ينظر محمد الشريف الرحموني، الرخص الفقهية من القرآن والسنة النبوية مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله تونس، طبعة 2/1992م ص492 فما بعدها.

[41] – ينظر الشاطبي، الموافقات 1/254.

[42] – القرافي شهاب الدين، الفروق 3/198.

[43] – الشاطبي، الموافقات 2/82.

[44] – ينظر المصدر السابق 2/82-83.

[45] – ينظر المصدر السابق 2/83.

[46] – ينظر العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص193-194.

[47] – الشاطبي، الموافقات 2/94.

[48] – ينظر الشاطبي، الموافقات 2/95.

[49]– ينظر الشاطبي، الموافقات 2/98.

[50] – ينظر المصدر السابق  2/114.

[51] – البخاري في الصحيح كتاب الإيمان باب النذر فيما لا يملك.

[52] – البخاري في الصحيح كتاب الجمعة باب ما يكره من التشديد في العبادة، ومسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره. فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره.

[53] – ينظر الزركشي بدر الدين، المنثور في القواعد1/121-122، والسيوطي جلال الدين، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، الطبعة 1/ 1983م، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ص83.

[54] – الشاطبي، الموافقات 2/94.

اظهر المزيد

د.محماد رفيع

أستاذ الدراسات الأصولية والمقاصدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز- فاس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: