المفهوم القرآني للزكاة: بين التكافل والتسامي

بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على سراج الدين، خير محب للمساكين، المبعوث رحمة ورأفة للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه أهل النصرة والمهاجرين، ومن تبع سبيلهم من الأخيار المتزكين.

مقدمة

فمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الزكاة من دعائم الدين التي لا يقوم إلا عليها وأركان الإسلام التي لا يستقيم إلا بها، وهي ثالثة الأثافي حيث ينتصب عليها قِدر الأخوة في الدين، ومدعاة تحول أهل الشرك من طائلة المتابعة إلى حظيرة الأمن والإيمان، تبعا لقوله تعالى: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة:11]، وقوله سبحانه: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة:5].

وإذا كانت الصلاة أبرز عبادة بدنية في الشريعة الإسلامية فإن الزكاة هي أنصع وأجلى عبادة مالية، فمعظم أحوالهما في آي القرآن الكريم أن تجدهما توأمين، لا يبرحان بعضهما ولا ينفكان، فبعد تعقبهما ألفيت أنهما اقترنتا صراحة في ست وعشرين موضعا-أي لفظ الزكاة بالصلاة-، ناهيك عن آيات أخرى تم التزويج بينهما بعبارات قريبة من معنيهما أو مطابقة[1]، نحو قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج:22-25]، وقوله عز سلطانه: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [الأنفال:3].

لكن، ورغم هذا البياض الناصع في ركنية الزكاة في الإسلام وجلاء أحكامها، تجد من يعكر عليها ويشوش معتمدا على أهواء زائغة، أو آراء متهافتة، أو أقوال شاذة، ليلبسوا على الناس دينهم ويتقولوا على الإسلام بهتانا وزورا.

هذا حفزني إلى تقسيم ورقتي البحثية هاته إلى ثلاثة مباحث أعرض في الأول إلى التشغيبات التي يشوش بها المغرضون، والجاهلون، على مفهوم الزكاة حتى إذا انتجز خضت في المبحث الثاني حيث أبسط القول في مفهوم الزكاة وما يتصل به من مصطلحات وفي ثناياها أضمن الردود على التشغيبات الآنفة الذكر، ثم أخصص المبحث الثالث للحديث عن الزكاة بين التكافل والتسامي.

المحور الأول: تشغيبات على مفهوم الزكاة

آثرت أن أقدم ما حقه التأخير، أي التشغيبات على المفاهيم، لما ترسخ في الأذهان منذ نعومة الأظافر من أن لفظ الزكاة وأحكامها متواتر نصا ومعنى، لكن عند التحقيق تجد من يكدر صفو الحقيقة ويخدش في البياض مستندا إلى أقوال محتملة مرجوحة أو شاذة أو متهافتة. وسأقتصر منها على ثلاث تشغيبات:

التشغيبة الأولى: الزكاة لا يخرج معناها عن تطهير النفس وتنقيتها من الشوائب:

زعم فريق من المشاغبين المغرضين من “القرآنيين”[2] وغيرهم أن الزكاة الواردة في القرآن الكريم وسيلة للمعراج الروحي والترقي في منازل السالكين لله تعالى مع صرف النظر بالجملة عن كونها عبادة مالية، كما وضعها الفقهاء في زعمهم، وقد اختلقوا بعض التأويلات لآيات القرآن الكريم ليستظهروا بها ويسندوا مزاعمهم فقالوا مثلا:

أ-ممَّا يدلُّ على أنَّ الزَّكاة هي تزكية النَّفس، وليس الصَّدقة أنَّ الله سبحانه وتعالى قد ذكرَ الصَّدقة بألفاظها الصَّريحة في القرآن الكريم تارة، وبألفاظ القرض، وإيتاء المال، والإنفاق تارة أخرى فقال سبحانه مثلا: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾[البقرة : 177]، وظاهر من هذه الآية الجمع بين الصَّدقة التي هي إخراج المال وبين إيتاء الزَّكاة.

ومثلها أيضا قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا…﴾ [المائدة: 12]، وظاهر منها الجمع بين الزكاة وقرض المال لله تعالى بمعنى التصدق على عياله، مما يومئ أن الزكاة لا تعني قطعا زكاة المال.

ب-لم يحدِّد الله عزَّ وجلَّ وقتًا لصرْف الصَّدقة، وإنفاق المال، بل تركه مفتوحًا، ولم يقيِّده كما فعل الفقهاء أنفسهم، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [ البقرة:274].

ج- لما سئل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عن مقدار الإنفاق، جاء الجواب شافيًا كافيًا لا شبهة فيه على سؤال النَّاس، فكان الأمر الإلهي بتحديد ذلك، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219].

وقد التمسوا لهم من مصنفات التفسير بعض يركنون إليه لتزكية رأيهم، فمثلا:

أ-ذكر الإمام القرطبي في تفسيره للآية: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7]. “قال ابن عباس: لا يشهدون «أن لا إلٰه إلا الله» وهي زكاة الأنفس.”[3]

ب-أشار الإمام الرازي: “… ورابعها: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ [الأعلى : 14].  ليس المراد منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أي من تطهر في أعماله من الرياء والتقصير، لأن اللفظ المعتاد أن يقال في المال زكى ولا يقال تزكى قال تعالى: ﴿ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 18]. “[4]

ج- صرح الإمام الطبري على أن المراد بالزكاة هو طهارة النفوس، فذكر في تفسير قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[التوبة:103]، يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص.[5]

ثم إنهم عمدوا إلى الآيات الدالة صراحة على تزكية الأنفس وتطهيرها من آفات الضغينة والشنآن وأمراض العجب والحسد وحب الرياسة وأرجاس الشرك والكفر والضلال، فقصروا معنى الزكاة عليها لا يخرج عليها، ومن هذه الآيات نذكر:

  1. ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. ﴾ [ البقرة: 128-129].
  2. ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ. ﴾ [ البقرة: 151].
  3. ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ. ﴾ [ آل عمران: 164].
  4. ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. ﴾ [ الجمعة: 22].

فخلصوا –بعد أن زلت بهم الأقدام وزاغت الأفهام وحرفت الأقلام- إلى أن الزكاة لا ينبغي أن تلبس معنى الصدقة المفروضة بأحكامها المسطرة في المصنفات الفقهية، وتقصر فقط على تزكية الأنفس ليبقى، حسب كلامهم، الحديث عن الإنفاق مطلقا دون قيد ولا شرط إلا ما جادت به نفوس الكرماء.

2-التشغيبة الثانية: الزكاة تستغرق كل المال:

إذا كان الفريق الأول قد أنكروا الزكاة المالية جملة، فإن الفريق الثاني على النقيض منهم جعلوها في المال كله وحرموا على كل ذي مال أن يدخر أو يكنز، واستظهروا لمزعمهم بآيات فهموها بفهمهم، أو استندوا لرأي مرجوح في التفسير، مثلا:

أ-﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103]. قالوا فيها: قال سبحانه: خذ “صدقة” ولم يقل: خذ “زكاة”، لأن الزكاة موضوع كبير لا يؤخذ قسراً وإنما يجب القسم الأكبر منه يؤديه العبد طواعية ليزكي نفسه، وليس موضوعها مالياً فقط، والواجب المالي في الزكاة أكثر من الواجب المالي في الصدقات، فالواجب المالي في الصدقات هي ما تأخذه الدولة قسراً (2,5 %)، وأما الواجب المالي في الزكاة فيشمل الصدقات وعدم الكنز وإنفاق ما فضل عن الحاجة وصدقة التطوع ..إلخ.

ب- ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:219]، قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: “… إلا ما شذ به أبو ذَر، إذ كان يرى كنز المال حرامًا وينادي به في الشام فشكاه معاوية لعثمان فأمر عثمان بإرجاعه من الشام إلى المدينة ثم إسكانه بالربذة بطلب منه، وقد اجتهد عثمان ليسد باب فتنة.”[6]

ج- ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:34]، ذكر الإمام الطبري في تفسيره للآية: “…قال آخرون: “الكنز” كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه.

ذكر من قال ذلك:

– حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة ، عن عبد الواحد: أنه سمع أبا مجيب قال: كان نعل سيف أبي هريرة من فضة ، فنهاه عنها أبو ذر وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها”.

– حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش وعمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزلت: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تبا للذهب! تبا للفضة! يقولها ثلاثا، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك! فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم، وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة تعين أحدكم على دينه.” [7]

3-التشغيبة الثالثة: المقدار المخرج زكاة هو الخمس في جميع أصناف الأموال.

وممن أبعد في الغربة، وأوغل في الإيحاش من أصحاب الآراء، من جعل مقدار ما يخرج من الزكاة هو الخمس بصرف النظر عن جنس المال أو نصابه، متأولين لآية الغنيمة في الأنفال عند قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:41]. فقالوا: إن الغنيمة لا تقتصر على الحرب، كما يظن البعض، بل هي كل ما يغنمه المرء ويربحه من مال، مستندين في ذلك إلى لغة العرب، إذ من معاني غنم نجد فاز كما في اللسان،[8]  فيترتب عن ذلك أن ينفق كل صاحب مال منه خمسه لله تعالى، أي للفقراء والمساكين لأن الله تعالى غني وغير محتاج ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض، وذلك بناء قوله عز وجل: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾[الحديد:11]. أي ينفق على المحتاجين والمعوزين.

هذه جملة مشاكسات يعكر بها المشوشون على صفاء مفهوم الزكاة وأحكامها، نجتهد في المحور التالي في الرد عليها من خلال بيان مفهوم الزكاة وما يقاربها من مفاهيم وألفاظ.

المحور الثاني: الحقيقة الشرعية للزكاة وما يرتبط بها من مفاهيم:

نحاول في هذا الفصل أن نتتبع ونتحرى المفاهيم المرتبطة بالزكاة لنزايل بينها ونميزها عن بعض ونرى إن كان بينها عموم وخصوص، حيث نفرد لكل واحدة منها مسألة، وهي على التوالي: الإنفاق، الصدقة، الزكاة، حق المال.

المسألة الأولى: الإنفاق

تتبعت مادة “أنفق” في القرآن الكريم فوجدتها في ست وستين منزلا، موزعة كالتالي: (أنفقوا: 22مرة، ينفقون:20مرة، ينفق:9مرات، أنفقتم:4مرات، أنفق:2مرة، تنفقون:2مرة، نفقة:2مرة، الإنفاق:1مرة، فسينفقونها:1مرة، ينفقونها:1مرة، نفقاتهم:1مرة، ينفقوا:1مرة)، هذه الغزارة في ذكر الإنفاق في المصدر الأساس للتشريع توضح بجلاء ترغيب الشارع الحكيم في بذل الندى وبسط اليد وفعل المعروف واتقاء الشح وتحاشي البخل.

وبالرجوع إلى اللسان العربي في مادة “أنفق” نجد عند ابن منظور: “وأنفق المال: صرفه. وفي التنزيل: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله﴾ أي أنفقوا في سبيل الله وأطعموا وتصدقوا … ورجل منفاق أي كثير النفقة. والنفقة: ما أنفقت، واستنفقت على العيال وعلى نفسك.”[9]

يبدو من معهود العرب في لسانهم أن الإنفاق لفظ عام يدل على إطلاق اليد بالجود والكرم، سواء كان واجبا أو تطوعا، على النفس أو العيال أو على المحتاجين، ذوي القربى أو البعيدين نسبا وصهرا. وهذا ما سطره ابن العربي المعافري، بتقسيمه وتعليله البديعين، في تفسيره لإحدى آيات الإنفاق من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:3]. قال رحمه الله تعالى: “اختلف العلماء فيه على خمسة أقوال: الأول: أنه الزكاة المفروضة، عن ابن عباس. الثاني: أنه نفقة الرجل على أهله، قاله ابن مسعود. الثالث: صدقة التطوع، قاله الضحاك. الرابع: أنه وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما عدا

الزكاة.[10] الخامس: أنه منسوخ بالزكاة.

التوجيه:

أما وجه من قال: “إنه الزكاة” فنظر إلى أنه قرن بالصلاة، والنفقة المقترنة في كتاب الله تعالى بالصلاة هي الزكاة.

وأما من قال: إنه صدقة التطوع فنظر إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها، وهو الزكاة، فإذا جاءت بلفظ الصدقة احتملت الفرض والتطوع، وإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم يكن إلا التطوع.

وأما من قال: إنه في الحقوق العارضة في الأموال ما عدا الزكاة فنظر إلى أن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما

عدل عن لفظها كان فرضا سواها.

وأما من قال: إنه منسوخ فنظر إلى أنه لما كان بهذا الوجه فرضا سوى الزكاة، وجاءت الزكاة المفروضة فنسخت كل صدقة جاءت في القرآن كما نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الصلاة كل صلاة. ونحو هذا جاء في الأثر .
التنقيح:

إذا تأمل اللبيب المنصف هذه التوجيهات تحقق أن الصحيح المراد بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، عام في كل نفقة، وليس في قوة هذا الكلام القضاء بفرضية ذلك كله، وإنما علمنا الفرضية في الإيمان والصلاة والنفقة من دليل آخر، وهذا القول بمطلقه يقتضي مدح ذلك كله خاصة كيفما كانت صفته.”[11]

المسألة الثانية: الصدقة

إذا تتبعنا لفظة صدقة ومشتقاتها- التي تفيد معناها-[12] في التنزيل نجدها ذكرت ستة عشرة مرة مبثوثة كالتالي:(صدقة:5 مرات، صدقات:7مرات، تصدّق:2مرة، صدّق:1مرة، المصدقين والمصدقات:1مرة)، وهي دائرة بين الإنفاق الواجب والمندوب، فنمثل للواجب بقوله عز سلطانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَواتِك سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[التوبة:103]، وللاستحباب نستشهد بقوله تعالى جده: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[النساء:114].

ونجد في السنة المطهرة الأمر عينه، فهي تفيد معنى الزكاة المفروضة، نحو حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن بيَّن له فقال: «… فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم.»[13]، ويراد منها أيضا التطوع طلبا للأجر والزلفى لله تبارك وتعالى نحو حديث “جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: « قال كل معروف صدقة». قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: ” قال ابن بطال: وأصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله متطوعا به، وقد يطلق على الواجب لتحري صاحبه الصدق بفعله، ويقال لكل ما يحابي به المرء من حقه صدقة لأنه تصدق بذلك على نفسه.”[14]

كذلك الشأن عند أهل اللغة إذ يقول صاحب اللسان: “والصدقة: ما أعطيته في ذات الله للفقراء…وفي حديث الزكاة: لا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق.”[15]ومثله الراغب الأصفهاني قائلا: “الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله.”[16]

المسألة الثالثة: الزكاة

أبدأ بنتيجة إحصاء ذكر لفظ “زكاة” في آيات الكتاب المجيد، فهي موجودة 32مرة، موزعة على الشكل الآتي:

( 26 مرة مقترنة مباشرة بلفظ الصلاة. / 4 مرات غير مرتبطة بالصلاة. /2 مرة بمعنى غير معنى الصدقة المفروضة.)

ثم نوزعها بين القرآن المكي والقرآن المدني- باستثناء المرتين التي لا تعني فيها زكاة الأموال-: (18في المكي، 12 في المدني).

ثم إذا تقصينا معناها في القرآن الكريم نجدها على ضربين:

الضرب الأول: زكاة النفس، وهي تطهيرها من رجس الشرك وتنقيتها من الذنوب وتحليتها بالخصال الحميدة وتخليتها من الخلال المذمومة. ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الليل:9-10]، وقوله سبحانه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:81].

الضرب الثاني: زكاة المال، وهي “إنفاق جزء معلوم من المال النامي إذا بلغ نصابًا في مصارف مخصوصة”[17]، وفي التنزيل تمثيلا نختار قوله تمجد وتقدس: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[النور:56]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾[الروم:39]. حيث نلمس في هذه المقابلة بين الربا والزكاة أن المراد منها قطعا هو إخراج حصة من المال ردا على من يقصرها على زكاة الأنفس، كما يعضده قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾[الليل:18].

وقد راق لي ما نقله ابن قدامة عن أبي محمد بن قتيبة في الاستدلال على وجوب الزكاة وردا على منكريها، قال: “الزكاة من الزكاء والنماء والزيادة، سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه. يقال: زكا الزرع، إذا كثر ريعه. وزكت النفقة، إذا بورك فيها. وهي في الشريعة حق يجب في المال، فعند إطلاق لفظها في موارد الشريعة ينصرف إلى ذلك. والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي واجبة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وإجماع أمته أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿ وآتوا الزكاة﴾، وأما السنة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، فقال: «أعلمهم  أن الله افترض عليهم صدقة  تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم.» متفق عليه.

وفي آي وأخبار سوى هذين كثيرة. وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعيها، فروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟  فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا – قلتُ: أو عقالا في رواية لأبي داود-كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق.”[18]

وقد حكى الإمام الدهلوي الاستفاضة بين الصحابة، والتواتر بين المسلمين في نقل أنصبة الزكاة ومقاديرها، فقال: “وقد استفاض من رواية أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمرو بن حزم، وغيرهم رضي الله عنهم، بل صار متواترا بين المسلمين أن زكاة الإبل في كل خمس شاة…”[19]

ويضاف إليهما ضرب ثالث أثبتته السنة الشريفة، كما روى ابن عمر رضِي الله عنهما قال: “ثم فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة”[20].

وقد أطبقت جماهير علماء الأمة على أن زكاة الفطر فرض، بل قد نقل كثير من العلماء الإجماع على ذلك، فلا يلتفت إلى من زعم أنها منسوخة بفرض الزكاة.[21]

وقد كان تضمن القرآن المكي لآيات تأمر بالزكاة محل استشكال على البعض وتشويش على آخرين، لأن ما هو مشهور أنها فرضت بالمدينة؟ فنقول متأيدين بالله تعالى:

يجاب على ذلك من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: إن واجب التضامن والتكافل بين الأسرة الآدمية قديم قدم الإنسان، ينتفع به المعطي والآخذ، فالأول يزكي نفسه من البخل والشح ويدربها على البذل والسخاء، والثاني يترفق بما يأخذه على نوائب الدهر أو يجعل ما يمسكه من مال أساسا لتكوين ثروة وتنميتها ليصير بدوره منفقا تأسيا بالمزكين أمثاله. لذلك نجده في آيات القرآن الكريم شرعا لمن قبلنا، ومنه قوله تعالى في حق من سبق من الرسل: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:73]، وفي حق أهل الكتاب قال سبحانه: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5]، وفي حق إسماعيل عليه السلام قال عز وجل: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾[مريم:55].

الوجه الثاني: إن في أمر الناس بالزكاة في الفترة المكية التي لـمّا يبزغ فيها بعد فجر الدولة الإسلامية، وتعرض بعض المؤمنين المستضعفين للأذى، واضطراب أحوال المسلمين عموما، إعدادا للنفوس أن تجود وتؤثر على نفسها ولو كانت بها خصاصة، بناء للعمران الأخوي المرتكز على التكافل والتآزر والتضحية والإيثار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾[المؤمنون:4]، قال فيها ابن كثير رحمه الله:” الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة[22]، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة.”[23]

ويؤكد هذا المعنى الإمام ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ﴾ [المعارج 24-25]. وتسمية ما يعطونه من أموالهم من الصدقات باسم “حق” للإِشارة إلى أنهم جعلوا السائل والمحروم كالشركاء لهم في أموالهم من فرط رغبتهم في مواساة إخوانهم إذ لم تكن الصدقة يومئذٍ واجبة ولم تكن الزكاة قد فرضت. ومعنى كون الحق معلوماً أنه يعلمه كل واحد منهم ويحسبونه، ويعلمه السائل والمحروم بما اعتاد منهم.”[24]

الوجه الثالث: في ذكر الزكاة تعريض بالمشركين على إمساكهم وشحهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[يس:47]،  وتقريع لهم في مواضع كثيرة نحو قوله سبحانه حكاية عنهم يوم القيامة:﴿ وَلَـمْ نَكُ نُطْعِمُ الْـمِسْكِينَ﴾[المدثر:44]، وقوله جل وعلا عنهم: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:7]، أو لأن بعضهم ينفق على الفحش أو للمباهاة وليس شفقة على الفقير وحبا في الله تعالى وطمعا في رحمته، ومنه قوله تعالى:﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾[فصلت:7].

ذكر القرطبي في تفسيرها: “…وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. قرَّعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال الفراء وغيره: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيهم هذه الآية.”[25]

المسألة الرابعة: حق المال

أبدأ كالعادة بإحصاء هذا اللفظ في القرآن المجيد، فقد وردت فيه كلمة “حق” 5 مرات[26].( حقه:3مرات، حق: مرتان، واحدة مقيدة بـ”معلوم” وأخرى مطلقة.) وكلها في القرآن المكي، مما جعل كثير من المفسرين والفقهاء يختلفون في حقيقة هذا الحق هل هو الزكاة نفسها أو حقا في المال سواها.

فهذا الشوكاني رحمه الله تضطرب أقواله وترجيحاته في حقيقة هذا “الحق”، فرجح أنه ما سوى الزكاة في “الحق” الأول الوارد في الذاريات عند قوله سبحانه: “﴿وفي أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات:19] أي: يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقاً للسائل والمحروم تقرّباً إلى الله عزّ وجلّ. وقال محمد بن سيرين، وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة، والأوّل أولى، فيحمل على صدقة النفل، وصلة الرحم، وقري الضيف، لأن السورة مكية، والزكاة لم تفرض إلاّ بالمدينة.”[27] ثم رجح أنه الزكاة في الوارد في المعارج عند قوله تعالى: “﴿وَٱلَّذِينَ فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾[المعرج:24]، قال قتادة، ومحمد بن سيرين: المراد الزكاة المفروضة. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقيل: صلة الرحم، والظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه معلوماً، ولجعله قريناً للصلاة.”[28]

وكذلك فعل الزمخشري، قال: “﴿ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾ هو الزكاة، لأنها مقدرة معلومة، أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة.”[29]

–  وكذلك الشأن عند الفخر الرازي: “اختلفوا في الحق المعلوم فقال ابن عباس والحسن وابن سيرين: إنه الزكاة المفروضة، قال ابن عباس: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق، قالوا والدليل على أن المراد به الزكاة المفروضة وجهان: الأول: أن الحق المعلوم المقدر هو الزكاة، أما الصدقة فهي غير مقدرة، الثاني: وهو أنه تعالى ذكر هذا على سبيل الاستثناء ممن ذمه، فدل على أن الذي لا يعطى هذا الحق يكون مذموماً، ولا حق على هذه الصفة إلا الزكاة، وقال آخرون هذا الحق سوى الزكاة، وهو يكون على طريق الندب والاستحباب، وهذا قول مجاهد وعطاء والنخعي.”[30]

والذي أستروح إليه في هذه المسألة هو أن الله تعالى جمع فيها بين الندب القريب من الواجب، خاصة عند من يطلب درجة الإحسان، وبين الواجب المتعين الكفائي عندما تدعو الحاجة إليه، فإذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ …﴾ [البقرة : 177]، رأينا كيف جمع الله تعالى بين الزكاة وبين إيتاء المال لمن يحتاجه صلةً للرحم، أو سدا لخلة الفقير أو قِرى للضيف أو إجابةً للسائل أو غيرها من وجوه الخير لمن استحقها اضطرارا أو تكرما. وقد أتت في سياق المدح للمتقين مما يدل على الاستحباب الشديد يراها صاحبها حقا عليه تضامنا وتعاطفا بحق الإنسانية أولا، ثم حق الإسلام، مع المحتاج مثل ما قال القرطبي في قوله تعالى: “﴿ وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ﴾ مدح ثالث. قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة. وقيل: إنه حقّ سوى الزكاة يصل به رَحِماً، أو يَقري به ضيفاً، أو يحمل به كَلاًّ، أو يغني محروماً.”[31]

ومثل هذا ذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم: “وقد اختلف السلف في معنى قول الله تعالى: ﴿وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ﴾، فقال الجمهور: المراد به الزكاة وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أثنى عليهم بخصال كريمة فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾، وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر فمعناه أمر. وذهب جماعة منهم الشعبي والحسن وطاوس وعطاء ومسروق وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقاً سوى الزكاة من فك الأسير وإطعام المضطر والمواساة في العسرة وصلة القرابة.”[32]

وقد أكد هذا المعنى الجصاص قائلا: “إن المفروض هو إخراج الزكاة، إلا أنه تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء، نحو الجائع المضطر، أو العاري المضطر أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه.”[33] كما زكّى هذا الطرح الدكتور القرضاوي قائلا: “ومثل ذلك المضطر إلى عارية الدلو أو القدر، والفأس ونحوها مما يدخل تحت اسم الماعون، فدفع الضرر عن المسلم فرض كفاية بالإجماع.”[34]

ولله در الإمام أبي حامد الغزالي إذ قسم أهل اليسار في إعطائهم للزكاة تقسيما فريدا فقال: ” ولما فُهِم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما، فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم: كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟ فقال: أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم، وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع، ولهذا تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله وعمر رضي الله عنه بشطر ماله، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: مثله. وقال لأبي بكر رضي الله عنه: ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: بينكما ما بين كلمتيكما.  فالصديق وفىَّ بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله.

القسم الثاني درجتهم دون درجة هذا وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة. وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة

كالنخعي وَالشعبي وعطاء ومجاهد قَالَ الشعبي بعد أن قيل له: هل في المال حق سوى الزكاة؟ قال: نعم، أما سمعت قوله عز وجل: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى… الآية﴾ واستدلوا بقوله عز وجل: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وبقوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلاً عن مال الزكاة، والذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع مسلم، ولكن يحتمل أن يقال: ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة فرضا ولا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه، ويحتمل أن يقال: يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الاقتراض، أي لا يجوز له تكليف الفقير قبول القرض وهذا مختلف فيه، والاقتراض نزول إلى الدرجة الأخيرة من درجات العوام وهي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه وهي أقل الرتب وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم زميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة.”[35]

أما فيما يخص آية الكنز التي يوجب بها المشغبون على صاحب المال إنفاقه كله دون ادخار رغم أداء زكاته فقد رجح الأئمة الكبار من أهل التفسير والفقه أن هذا القول مرجوح، فقال الطبري: “وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه، وإن كثر وأن كل مال لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل، إذا كان مما يجب فيه الزكاة.” [36]ومن أهل الفقه نقل القاضي عياض الإجماع على ذلك قائلا: “اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد، فأما مال خرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة، واتفق أئمة الفتوى على القول الأول.”[37]

المحور الثالث: الزكاة بين التكافل والتسامي

إذا أخذنا ما تحصل لنا من إحصاء ألفاظ الإنفاق فرضه ونفله نجد ذكره على الأقل 124 مرة، موزعة كالتالي: (الإنفاق:66مرة، الزكاة: 31، الصدقة: 16، حق المال: 5، القرض الحسن: 6)، هذا ناهيك عن عبارات تحض على الإنفاق أو تنهى عن الإمساك، لم ندرجها في الحساب على غرار قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9]، فإننا نلمس الوفرة الوافرة والغزارة المستكثرة في الحث على بسط اليد وبذل الندى.

إن هذه الدعوة الربانية، المتكررة والمتأكدة، إلى العطاء والسخاء من خلال الإنفاق الواجب، العيني والكفائي، والآكد والمستحب، أضف إليه الوعيد الشديد على الكنز وقبض اليد، لتدل بصراحة على ركنية الزكاة خصوصا، والعطاء عموما في الإسلام، تحقيقا لأمرين هامين من مقاصد الشريعة ومكارمها وهما:

أ-التكافل:

إن الله تعالى خلق الآدميين حبا فيهم وكرامة لهم ونفخ فيهم من روحه ليبرز لنا أنهم عياله وأولى بشفقته وعطفه، وإن حرمة المؤمن لغالية عند الرب الكريم سبحانه، ففي الحديث القدسي الصحيح: «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟  قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي.»[38]

ولقد أجاد الفخر الرازي، وهو من هو، في إدراك روح الشريعة واستيعاب أسرارها حين قال في تفسير قوله تعالى: “﴿وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴾[فصلت:6-7]، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم في هذه الآية من وجوه، الأول: أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وذلك لأن الموجودات، إما الخالق وإما الخلق، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحداً وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال، لأنه ضد الشفقة على خلق الله.”[39]

ولقد تفطن الرعيل الأول من الصحابة الكرام إلى فضل التكافل والتآزر والتضامن والتآخي، ماديا ومعنويا، استمدادا من المعلم العظيم والقائد الرحيم، عليه أزكى الصلاة وأطيب التسليم، فقد آخى منذ نشوء الدولة الإسلامية بين الأنصار والمهاجرين، وما فتئ يحضهم على الإيثار وتمتين اللحمة الأخوية بينهم ففي صحيح مسلم: » عن أبي سعيد الخدري قال بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.»[40]

ب-التسامي:

وأقصد به تعالي النفس البشرية عن شحها وبخلها وكافة رعوناتها وأسقامها لتعرج بصاحبها في منازل المحسنين والصديقين والربانيين، محققة قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، وتعرج بالأمة في مرقى التقدم البشري والشهود الحضاري، فالتزكية -وهي مقصدي من التسامي أيضا- مصطلح ومفهوم قرآني أساسي، يتخذ مركزا مهما ضمن منظومة المفاهيم القرآنية، فالتزكية محلها الإنسان المستخلف وهو موضوع الإصلاح في الواقع الإنساني، إصلاح الفرد والجماعة والأمة.

إن زكاة المال فرعٌ عن زكاة النفس وخصوصٌ من عموم، إنها ذريعة ووسيلة لزكاة النفس وتطهيرها من أدرانها، ودعاء لأصحابها بالبركة واليمن ومحبة الرسول الكريم، مصداقا لقوله عز سلطانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[التوبة:103].  وإن الغفلة عن هذا هي التي تورث تلك التشغيبات التي صدرنا بها بحثنا هذا، بل وتعطي للزكاة صورة باهتة في الواقع المعاصر حيث لا تعدو أن تصير إحسانا فرديا محدودا -غير منظم ولا مدعم من الأنظمة السياسية-لا يقاوم دعوات الأنظمة التضامنية المستوردة من الغرب.

إن الزكاة كما يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: ” طاعة له في التصرف وفق شرطه… وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سبباً في الكساد العام، بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك، مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته، ويفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع… كل هذا الشر تحول دونه الزكاة ويحول دونه منهج الله في توزيع المال ودورة الاقتصاد…”[41]

وإنك إذا فتشت في سير الأولين من سلفنا الصالح، تجد من يحرص على أن يجعل الزكاة نظاما لتسامي الفرد وسمو الجماعة، مثل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فيما اشتهر عنه في النظام الفريد للزكاة، أو بين من يفهمها بمعناها الشامل مثل العالم الرباني الزاهد الليث بن سعد الذي ما يفتأ يزكي نفسه وينفق ماله حتى أنه يحول عليه الحول ولا نصاب معه رغم وجده وثرائه، فقد ترجم له الحافظ الذهبي بقوله:” قال أبو داود: قال قتيبة: كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة، وقال: ما وجبت عليّ زكاة قط. وأعطى الليث ابن لهيعة ألف دينار، وأعطى مالكا ألف دينار، وأعطى منصور بن عمار الواعظ ألف دينار وجارية تسوى ثلاث مائة دينار. قال وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنا لي عليل، واشتهى عسلا فقال: يا غلام، أعطها مرطا من عسل، والمرط: عشرون ومائة رطل.”[42] 

خاتمة:

لقد أوجب الإسلام الزكاة وجعلها قسيما لأركانه الخمس، وأثبت لها منزلة عليا ومكانة عظمى، وما ذلك إلا لما يتحقق من تطبيقها والأخذ بها من مقاصد شرعية عظيمة، تعود على الواجد والمحتاج ومجتمعهما بالخير الكثير في الدنيا والآخرة، مهما شوش المشوشون وعكر المعكرون، ومن تلك المقاصد المتسشفة من تضاعيف بحثنا:

أولا : تحقيق العبودية لله بامتثال أمره والقيام بفرضه والتزلف بنفله.

ثانيا : شكر نعمة الله بأداء زكاة المال على المسلم باعتباره وديعة الله ورزقه.

ثالثا : تطهير المزكي من الذنوب وتساميه عن الشح والبخل والإمساك.

رابعا: تطهير مال الزكاة وحفظه من الآفات وحماية العبد من السلب بعد العطاء.

خامسا: تنقية قلب الفقير من الضغينة والحسد على الغني وإشاعة روح المحبة والأخوة بينهما.

سادسا: إعطاء صورة نموذجية عن الضمان والتكافل الاجتماعي والدعوة إلى الله بذلك.

سابعا: دفع عجلة الاقتصاد وتنميته وتشجيع الدورة المالية.

وفي الأخير نعرض عملنا هذا على بساط التواضع والنقد والمراجعة، وفقنا الله تعالى لصالح الأعمال وأزكاها عند مليكنا سبحانه عز وجل، وصلى الله وسلم وبارك على صفوة الخلق وسيد المتزكين المهديين.

والحمد لله رب العالمين.

لائحة المصادر والمراجع:

– تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، مصر، تحقيق محمود شاكر، بدون تاريخ، 24جزءا.

– التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية ببيروت، سنة النشر: 2004م – 1425هـ.

– تفسير الكشاف، الزمخشري، مكتبة العبيكان، ط1، سنة 1998م.

–  الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، دار الحديث، القاهرة، سنة2010م.

– أحكام القرآن للجصاص، تحقيق قمحاوي، دار إحياء الكتب العربية، مؤسسة التاريخ العربي، سنة 1992م.

– التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، دار سحنون تونس، بدون تاريخ.

– فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، سنة 2004م.

– أحكام القرآن: ابن العربي: دار الفكر، لبنان، بدون تاريخ.

– في ظلال القرآن، سيد قطب، القاهرة: دار الشروق.

–  كتاب القبس، ابن العربي، تحقيق محمد ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، سنة 1992م.

– فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1، 1989م.

– شرح مسلم للنووي، تحقيق محمد العطار، دار الفكر، بيروت، ط1، 2009م.

– شرح السيوطي لسنن النسائي، دار البشائر الإسلامية، مصر، سنة 1986م.

– لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، سنة 2003م.

– مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم، الدار الشامية، ط4، سنة2009م.

– معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس قلعه جي، دار النفائس، بيروت، ط1، 1996م.

– إحياء علوم الدين، الغزالي، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 2005م.

– المغني، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة، دار إحياء التراث العربي، ط1، سنة النشر: 1985م.

– حجة الله البالغة، للدهلوي، تحقيق السيد سابق، دار الجيل، بيروت، ط1، 2005م.

– فقه الزكاة للقرضاوي، مؤسسة الرسالة، ط2، 1973م.

– سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، مؤسسة الرسالة، دمشق، سنة النشر 2001م.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– وذلك باختلاف المفسرين كما سنعرض له في تضاعيف هذه الورقة.

[2] – القرآنيون: هو اسم يطلق على تيار إسلامي يكتفي بالقرآن كمصدر للإيمان والتشريع في الإسلام. فهم لا يأخذون إطلاقا بالسنة النبوية من الأحاديث والروايات التي تُنسب للنبي محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، على أساس أن الله قد وعد بحفظ القرآن ويستدلون على ذلك بأن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي اجتمع كافة المسلمين على صحته، بينما الأحاديث فيها اختلاف كثير على صحتها بين الفرق الإسلامية المتعددة. كما لا يعتمد القرآنيون على علماء أهل السنة أو الشيعة لأنهم يستعينون في استدلالاتهم بمصادر غير القرآن.

[3] – الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، دار الحديث، القاهرة، سنة2010م، المجلد 8، ج24، ص288.

[4] – التفسير الكبير، الفخر الرازي، دار الكتب العلمية بيروت، ج11، ص15.

[5] – تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، مصر، تحقيق محمود شاكر، بدون تاريخ، ج14، ص 455.

[6] – التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، دار سحنون تونس، بدون تاريخ، المجلد 1ج2، ص352.

[7] – تفسير الطبري: دار المعارف، مصر، تحقيق محمود محمد شاكر، 24 مجلدا، ج 14 ص220-223.

[8] – وغنم الشيء غنما: فاز به. لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، سنة 2003م، ج12ص445.

[9] – نفس المصدر، ج14، ص327.

[10] – قال ابن العربي في القبس: “نحن وإن قلنا ليس في المال حق سوى الزكاة، فإنما ذلك ابتداء، أما العوارض والطوارئ فقد تتعين الحقوق في الأبدان بالنصرة للمظلومين، ودفع الظالمين زائدا على الجهاد، وفي الأموال بإغناء المحتاجين وفك الأسرى من المسلمين، وقد قال مالك رضي الله عنه: يجب على كافة الخلق أن يفكوا الأسرى ولو لم يبق لهم درهم، ولا خلاف بين الأمة في هذين الفصلين، فافهموا تنزيلهما واعلموا أوجه الخلاف فيهما.” كتاب القبس، تحقيق محمد ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، سنة 1992م، ج1 ص462.

[11] – أحكام القرآن: ابن العربي: دار الفكر، لبنان، بدون تاريخ، ج1 ص18-19.

[12] – قصرناها على معنى الإنفاق، لأن صدق التي بخلاف كذب موجودة 18مرة.

[13] – متفق عليه: البخاري برقم 1395، ومسلم، برقم 19.

[14] -فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الأدب، دار الكتب العلمية، بيروت: رقم 6021، ج10، ص549.

[15] – لسان العرب، ابن منظور: ج6 ص216.

[16] – مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، المحقق: صفوان داوودي، دار القلم – الدار الشامية، ط4، ص 480.

[17] – معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، دار النفائس، بيروت، ط1، 1996م، ص 208.

[18] – المغني، موفق الدين بن قدامة، دار إحياء التراث العربي. ط1، سنة النشر: 1985م. كتاب الزكاة. ج2. ص228.

[19] – حجة الله البالغة، للدهلوي، تحقيق السيد سابق، دار الجيل، بيروت، ط1، 2005م، ج2 ص66.

[20] -صحيح البخاري رقم 1432، وصحيح مسلم رقم 985.

[21] – راجع المغني لابن قدامة ج2 ص351، ونيل الأوطار ج4ص 250.

[22] – وفي الأمر خلاف، فمنهم يقول السنة الأولى بعد الهجرة ومنهم من يقول الثانية ومنهم من يقول التاسعة، انظر فتح الباري حاكيا الخلاف وتعليلاته. ج3 ص339-340.

[23] – تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص 909.

[24] – التحرير والتنوير، لابن عاشور، مجلد 12 ج29، ص 172.

[25] – الجامع لأحكام القرآن: القرطبي، دار الحديث، القاهرة، سنة الطبع 2010م، المجلد 8، ج24ص288.

[26] – بما يفيد حق المال وإلا فإن لفظ الحق بإطلاق ورد 239 مرة.

[27] – فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني، دار المعرفة، 2004م. ص1405.

[28] -نفسه: ص1531.

[29] – تفسير الكشاف، الزمخشري، مكتبة العبيكان، ط1، سنة 1998م، ج6 ص209.

[30] – مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، سورة المعارج، قوله تعالى والذين في أموالهم حق معلوم.

[31] – الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مجلد 9، ج26، ص36.

[32] – شرح مسلم للنووي، تحقيق محمد العطار، دار الفكر، بيروت، ط1، 2009م، ج4، ص 225.

[33] – أحكام القرآن للجصاص، دار إحياء الكتب العربية – مؤسسة التاريخ العربي، سنة 1992م، ج3 ص131.

[34] – فقه الزكاة للقرضاوي، مؤسسة الرسالة، ط2، 1973م. ص985.

[35] – إحياء علوم الدين، الغزالي، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 2005م، ج1، ص 253-254.

[36] – تفسير الطبري: ج14، ص217.

[37] – شرح السيوطي لسنن النسائي، دار البشائر الإسلامية، مصر، سنة 1986م، باب مانع زكاة الإبل، ج2: ص25.

[38] – صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض. رقم 2569.

[39] – التفسير الكبير، الفخر الرازي، سورة فصلت، ج12، ص86.

[40] – صحيح مسلم، كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، رقم:1768.

[41] – قطب، سيد. في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، مجلد 2، جزء 6، ص 857.

[42] – سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، مؤسسة الرسالة، دمشق، سنة النشر 2001م، ج8، ص150.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: