العلم إمام العمل

بسم الله الرحمان الرحيم:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم وبالله أستعين أما بعد:

تقديم:

قد شرف الله تعالى العلم والعلماء، وشواهد ذلك من القرآن الكريم عديدة نذكر على سبيل المثال لا الحصر ]شهد الله انه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط [[1] فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه. وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا شرفا وفضلا وجلاء ونبلا.

ويعلي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من قيمة العمل، فيقول عليه أفضل الصلاة والتسليم: } إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها. فليغرسها فله بذلك أجر {[2] وهذا إعلاء لقيمة العمل ليس بعدها زيادة لمستزيد.

سنحاول في هذا الموضوع بإذن الله رصد العلاقة التي تجمع العلم بالعمل هل هي علاقة ترابط وتلاحم أم علاقة افتراق وابتعاد ؟

سنجيب عن هذا السؤال في محورين أساسين:

أولهما: العمل بلا علم تخبط وجنون.

ثانيهما: العلم للعمل.

  • العمل بلا علم تخبط وجنون:

عنوان هذا المحور هو قولة للأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي. اندرجت في خصلة العمل في فقرة تحت عنوان ” القدرة على إنجاز المهمات ” ليؤكد دور العلم في العمل ” فمن الناس من يفضل أن يعلم ماذا سيعمل قبل أن يبدأ في العمل، ومنهم من يكتفي بالظن. فيبني عليه بناءا لا يلبث أن ينهار “[3] فالعمل الذي لا ينبني على علم يقيني سرعان ما يتعرض للانهيار والفشل ” ومن الناس من يسطر الخطة لينجزها.بينما تجد من يعد إنجازا مجموعة من الأعمال المبعثرة يحسب أن حجمها وما تحدثه من ضوضاء هو العمل “[4] فأي خطوة نخطوها دون علم مرشد ودون خطة مرسومة تجعلنا نحصد اللاشئ من أعمال كثيرة متعبة وشاقة أحيانا. ولهذا السبب لزم وضع مبادئ العمل وإلى ترتيب، وإلى معرفة منهجية، وإلى تجربة علمية وإلى التأكد العملي من صحة نتائجها”[5].

و العلم أنواع:

1-العلم بالله:وهو التقوى وهو “علم الصديقين والمقربين، فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهير ه وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني جميلة غير متضحة، فتتضح إذا ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه”[8]، وقد قال بعض العارفين عن هذا العلم “من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة”

2-العلم الشرعي: فالله تعالى لا يعبد عن جهل وإنما يعبد بعلم، إذ من الواجب “على كل مؤمن أن يأخذ من العلم بقدر ما يقيم فرضه وسننه في فقه الشريعة ما أمكنه “[9] ابتداءا بكتاب الله عز وجل تلاوة وحفظا وفهما وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دراسة واتباعا وكذا علم الفقه وعلم العربية فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

3-العلم الوظيفي: وهو لأهل التخصص ” يتعين على ذوي الكفاءات والاستعداد التفرغ لكسب العلوم التخصصية، والقيام بها في حق الكفء فرض ثابت. فهذه العلوم التخصصية، ما كان منها تعمقا في علم الحق، وما كان منها مهارة وخبرة علميين في شؤون الصناعة والتكنولوجيا، أو نظريا من علوم العصر ضرورية لحياة الأمة، ومفروض عليها أن تتخذها “[10]

و يندرج في هذا الصنف على سبيل المثال: اللغات الأجنبية والعلوم التجريبية التقنية وعلوم التنظيم والإدارة وعلوم السياسة والاجتماع.

4-العلم الكوني: وهو مشترك بين العباد مسلمين وغيرهم، ويكون نافعا إن استعمل لإبطال الباطل وإحقاق الحق. هذا وقد أطلق الله تعالى لنا أن نأخذ العلم ولو في الصين وأن نأخذ الحكمة من أي وعاء وجدت فهي ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

هكذا نخلص إلى أن العمل ينبغي أن يكون منضبطا للعلم، ففوائده عديدة ومتنوعة، يقول صلى الله عليه وسلم: “تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والمصبر على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة، يقتذى بهم، أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أفعالهم وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس لهم يستغفر، حتى الحيتان في البحر وهوامه وسباع البر وأفعامه، والسماء ونجومها، لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام،به يطاع الله عز وجل وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء”[11]

2-العلم للعمل

 إذا كان فيما سبقك بينا أهمية العلم فنبين الآن القصد منه والتعبد به لله عز وجل، “فكل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى “[12] والدليل على ذلك أمور يوضحها الإمام الشاطبي في الموافقات:

” أحدها: أن كل علم لا يفيد عملا، فليس في الشرع ما يدل على استحبابه

و الثاني: أن الشرع إنما جاء بالتعبد وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم السلام يقول الله تعالى ]و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا…..إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [

و الثالث: ما جاء من الأدلة على أن روح العلم هو العمل يقول تعالى: ]إنما يخشى الله من عباده العلماء [ قال تعالى ]أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب [13][ وقال الغزالي في إحياء علوم الدين ” ولو نظروا بعين البصيرة لعلموا أن العلم إنما يراد لمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة، وكيفية علاجها والفرار منها، فهي علوم لا تراد إلا للعمل، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل، وقد ورد فيمن لا يعمل بعلمه ما فيه أشد الترهيب كقوله تعالى ] مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا [[14] فأي خزي أعظم من التمثيل بالحمار”[15].

لهذا الغرض جاء التعوذ في الأثر من العلم الذي لا ينفع لأنه ليس مقصودا في ذاته ولكن من أجل العمل.و من العلم الذي لا ينفع الجدال ويعرفه الراغب الأصفهاني قائلا:” الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله، ومنه الجديل وجدلت البناء أحكمته…و منه الجدال فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة هي الأرض الصلبة”[16] فمن هنا نستنتج أن الجدال هو علم غايته الغلبة والإفحام والمباهات والمماراة وهذا مما لا يشجع عليه الإسلام وإنما يمقته وينبذه وكثيرا هي الآيات التي تنهى عن الجدل الذي غايته التطاول والتمويه يقول تعالى:]يحاجونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون[[17] وقال تعالى:]و قالوا ألهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا[18][ فالآية تحكي نوعا من الجدال الذي كان يمارسه أهل الباطل وهم يدافعون على معتقداتهم الخاطئة, وهم لا يرغبون في الوصول إلى الحقيقة, بل هو مجرد التواء ومراء:]وكان الإنسان أكثر شيء جدلا[19][ فهذه صفة الإنسان وهي مذمومة لأن هذا الجدل لا يرجى منه عمل

نخلص إذن إلى أنه كما يحتاج العمل للعلم يحتاج العلم للعمل،فهناك ترابط وتلاحم بين العلم والعمل ” فالعلم شجرة والعمل ثمرة ” العلم والد والعمل مولود “،”فالعلم يراد للعمل والعمل خادم للعلم والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم “[20]

خاتمــة:

فالعلم النافع هو المطلوب الذي ينفعنا عند الله ويعرفنا بالله ويجعلنا نحوز رضى الله، وللحصول على هذا الفلاح العظيم لابد من التأسي بالرسول الكريم عليه أفضل ا لصلوات والتسليم الذي أتاه الله العلم والعمل معا، وصف العلماء ورثة الأنبياء العلماء العاملين

جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه

 

[1]

[2]

[3] -المنهاج النبوي ص: 232-233

[4] -نفسه: 233

[5] -مقدمات في المنهاج ص: 23

[6] -منتقى من مقدمات في المنهاج.

[7]

[8] -إحياء علوم الدين ج 1.ص 19

[9] -المنهاج النبوي ص: 214

[10] -نفسه ص 214

[11] -رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب

[12] -الموافقات للشاطبي:ج 1 ص 41

[13]

[14] -الجمعة: 51

[15] -إحياء علوم الدين

[16] -معجم المفردات ص 87

[17] -الأنفال الآية:6

[18] -الزخرف الآية: 51

[19] -الكهف الآية:54

[20] -الخطيب البغدادي اقتضاء العلم ص 14-15.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: