منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقة بين الثقافة والأفكار

0
اشترك في النشرة البريدية

تشكل قضية الأفكار العلامة لصحة تقدم الأمة أو تخلفها، ومقياساً دقيقاً لنضجها أو تخلفها أو لتطورها الثقافي، ذلك أن التفوق الفكري والنظري الواعي لدى أمة من الأمم سيصاحب حتمياً بتفوق عملي تطبيقي في مختلف مجالات الثقافة الإنسانية، والدليل الأكيد على ذلك انتصار الفكرة الإسلامية القرآنية في الجزيرة العربية التي أعقبها انتصار ثقافي شامل لتلك الأمة المتخلفة[1].

والأفكار إما أن تكون ذات مصدر إلالهيٍ تأتي عن طريق الوحي، أو تكون من نتاج تأثر العقل البشري بالوحي، فينتج فكراً دينياً، أو تكون من إنتاج العقل البشري المحض الذي يصل إلى الحقيقة عندما يسعى لتأكيد وظيفته في الحياة وهي عملية إنتاج الأفكار، ولهذه الأفكار على تنوع مصدرها ووظائفها ومهامها فكثير ما نسمع ونقرأ عن مجتمعات تعيش في حالة خمول وتخلف، تسودها البدائية في التصرفات والأفعال، ويحكمها الجمود في العلاقات، حتى تتداركها العناية بنزول فكرة حية ناضجة “… ذلك أن هناك مرحلة يكون فيها المجتمع بدائياً، فقير الوسائل، فإذا ما أدركته فكرة جوهرية تستقطب روحه، اندمج في دورة التاريخ، واندمج جهده اليومي نحو مثل أعلى، يجعل لأفكاره دوراً وظيفياً…”[2].

ذلك لأن الأفكار تشكل حدوداً واقية للمجتمعات، فالأفكار الدينية تحد من خطر الغريزة، وتربط الطاقة الحيوية بدور نبيل في المجتمع، وفي حركية التاريخ، فالفكرة الإسلامية نجدها قد طوعت الطاقة الحيوية في المجتمع العربي الجاهلي ليصبح مجتمعاً متحضراً. وهذه الإيديولوجية الشيوعية تخرج سكان مدينة ( ستالينغراد) من بين ملايين القنابل المشتعلة، وركام الأبنية المحطمة، ووحشية وجاهزية الجيش الألماني… ليوقفوا زحف الجيش النازي الزاحف على مدينتهم خلال الحرب العالمية الثانية، بل شكلت نقطة محورية مهمة في تراجع المد النازي عن العالم بأسره. وهذه الفكرة المسيحية تخرج أوربا إلى مسرح التاريخ في قرن البعث الحديث[3].

يشير هنا، مالك بن نبي إلى أن عمق الفكرة الدينية هو القدرة على تغيير الإنسان، ووضع حل الإمكانات والطاقات الحيوية واستثمارها في عملية النهوض والإقلاع الثقافي والحضاري، فتجعل من كل القيم الدينية قيماً أخلاقية عملية تحكم المجتمع، وتحدد طبيعة علاقاته ببعض، وقد بين بن نبي عملية التحول في المجتمع بأنه:”… على عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص على أساس ميثاق جديد منزل كالقرآن الكريم…”[4].

المزيد من المشاركات
1 من 29

ونخبة القول، أن هذه الأفكار الدينية رغم أنها تفقد فعاليتها داخل المجتمع، فإنها تحتفظ بقوتها الدافعة، وهذا الوضع جسدته الحضارة الإسلامية بعد عصر الموحدين، وما رافقه من تدهور وانحطاط وتخلف حضاري/فكري، وقد مكنتها تلك الأفكار الكامنة من مقاومة العدوان وتحقيق الإستقلال، ومعاودة المضي نحو النهضة بحزم وقوة لا نظير لها. أما الأفكار التي تريد تغيير عالم الأشياء والمقتنيات، فإنها غالباً ما تصدر عن العقل البشري الذي يمكن أن يصيب تارة ويخطئ تارة أخرى.

إن الثروة التي لا تشترى ولا تباع هي ثروة عالم الأفكار، والعالم الإسلامي منذ تعثره الثقافي والحضاري يملك الأشياء والوسائل، ولكنه للأسف يفتقر إلى عالم الأفكار والإبداع، ففقره إذن في فكره لا في وسائله، لأن:”… المجتمع المتخلف ليس موسوماً حتما بنقص في الوسائل المادية، وإنما بافتقاره للأفكار يتجلى بصفة خاصة في طريقة استخدامه الوسائل المتوفرة لديه، بقدر متفاوت من الفاعلية…”[5].

وهذا واضح في الفكر المغربي، حيث لما فكّر استطاع أن يخرج المستعمر الغاشم من أراضيه، لأن الفكر هو الذي يحكم، واستطاع الوطنيون أن يبدعوا مجموعة من الوسائل التي بها حققوا نصرا على فرنسا، على الرغم من خبرات هذه الأخيرة في الحرب إلا أنها سقطت في شعب له ثقافة إسلامية ضمنها الجهاد في سبيل الله، وعمل كثير من الوطنيين الغيورين الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلامية من خلال القرويين، ابن يوسف، المدارس الحرة…

ومن أجل الاستقلال نهج المغرب مجموعة من الطرق التي يمتلكها كحرق المحاصيل الزراعية للمستعمر وغيرها من الأفكار التي جعلت من الحركة الوطنية قوة لاسترجاع الاستقلال والسيادة الوطنية.

والملاحظ على العالم الإسلامي أنه يتمتع بأراض واسعة وخصبة جداً وهي أفضل وسيلة لإقلاع مجتمع متخلف من مرحلة البدائية إلى مرحلة أخرى[6].

والأمر مثله بالنسبة للمجتمعات الإسلامية التي تمتلك ثروات طبيعية وباطنية غنية ومتنوعة، ولكنها للأسف تفتقر إلى الصناعات التدويرية المتطورة، ولذا فهي تتخلص من ثرواتها إن صح التعبير، لغياب عقل يفكر في تكرير هذه الثروات والاستفادة منها بشكل كبير، في حين نجدهم يقتصرون مقابل ذلك باستيراد المنتجات المدنية الغربية التي تعكس عالم الأفكار المتطور لدى الإنسان الغربي المتحضر.

ففرنسا استعمرت المغرب ثقافيا قبل أن تستعمره ميدانيا، حيث عملت على ترسيخ نظرة التحقير للإسلام، وتمثل ذلك بشكل كبير في ميدان التعليم، فقد جُعل التعليم تعليميين، تعليم فرنسي رسمي في مقابل تعليم أصيل وأعطى الأهمية الكبرى لهذا التدريس الفرنسي الرسمي من خلال التوظيف وإتمام الدراسات العليا في فرنسا وغيرها من الصور.

والمغرب حينها لم تعد له سيادة لوطنه، إذ أصبح بموجب الحماية أن فرنسا هي الموكول لها جميع أمور البلاد، فلم تنبغ نوابغ فكرية لها وزن لأن الشاغل حينها هو تحرير البلاد، ومن ثم كان المسيطر هو الجهاد والدفاع عن الوطن، لذا فالأفكار التي كانت لا تخرج عن سياق فنون الحرب والتحرير وطرد المستعمر.

وهذا ما يبين مدى قيمة الأفكار في عملية الإقلاع الثقافي، لأنها هي  التي تقوم بتغيير الإنسان من حال إلى أحوال، بشرط أن تكون هذه الأفكار حية بناءة حديثة لا قاتلة ولا مميتة، أو مية لا روح فيها. فهي على العكس تعمل على تهديم وتخريب آثار الأفكار الحية، هذان النوعان هما:

  •  الأفكار الميتة.
  •   الأفكار المميتة أو الأفكار القاتلة.  

أما الأفكار الميتة فهي الأفكار التي انحرفت عن مثلها العليا، وهكذا أغلب أفكار إنسان ما بعد عصر الموحدين[7].

لأن كل فكرة فقدت فعاليتها في عالم الأشخاص، ولم تتجسد في عالم الأشياء تصبح بالضرورة فكرة ميتة لا قيمة لها، والأفكار الميتة هي التي تجعل المجتمع رخواً ليناً هيناً لانتعاش عقدة القابلية للاستعمار والخضوع لسيطرة الغير. وهي أشد خطراً على المجتمع من الأفكار القاتلة، لأن:”… كل مجتمع يصنع بنفسه الأفكار التي ستقتله، لكنها تبقى بعد ذلك في تراثه الاجتماعي أفكاراً ميتة تمثل خطراً أشد من خطر الأفكار القاتلة، إذ الأولى تظل منسجمة مع عاداته وتفعل مفعولها في كيانه من الداخل، إنها تكون قاتلة ما لم نجسر عليها عملية تصفية، وهي التي تكون الجراثيم الموروثة الفتاكة التي تفتك بالكيان الإسلامي من الداخل، وهي تستطيع ذلك لأنها تخدع قوة الدفاع الذاتي فيه…”[8].

وبالتالي فإن العادات والتقاليد الرجعية والممارسات الدونية، والشخصيات الإقطاعية، وكل الأمراض الاجتماعية التي نجدها حاضرة بقوة في صميم العالم الإسلامي، إنما هي ممثل حقيقي للأفكار الميتة، لأنها هي التي تجعل العالم الإسلامي خاضعاً لعقدة القابلية للاستعمار.

أما الأفكار القاتلة المميتة فهي الأفكار المستوردة من المدنيات الأخرى، أو من كل فكرة فقدت عمق هويتها، ومقوماتها الثقافية، بعدما فقدت جذورها[9]. والمثقف الذي يحمل الأفكار الميتة تجعل منه وعاء لقبول الأفكار القاتلة أكثر من غيرها، وهكذا عقلية فرد ما بعد عصر الموحدين، فهي لا تبصر غير الأفكار التافهة المنحطة، ولا تستورد غير الدونية أيضاً، وتكون النتيجة الانحلال والانحراف والتحلل، وهذا ما يشير إليه بن نبي في أفكار ما بعد عصر الموحدين قائلاً:”… فكذا مرقص، وكذا مقهى، وكذا كلية، وكذا برلمان= تحللا تاما… فأوروبا إذن تعطينا عناصر تحلل الأخلاق والمجتمع… لأننا بأفكارنا الميتة لا نرى أفكارها الحية المحيية…”[10].

نستنتج من خلال هذه العلاقة بين الثقافة والأفكار، أن الغرب كانت له ثقافة فكرية استطاعة بها أن يستغل الدول النامية الفقيرة، ففرض عليها ثقافته وفكره، وصدّر لها هذه الثقافة بما تحمله من فكر، مما تعارض مع الثقافة الإسلامية في مجالات شتى، وظلت هذه الدول النامية محتفظة بثقافتها الإسلامية رغم إعلانهم أن الثقافة الأوربية هي الثقافة وهي التحضر بينما الثقافة الإسلامية هي تخلف، وكان ذلك من خلال تقديمهم للمنتجات المادية التي كانت عبارة عن تقدمهم الفكري يبنما نحن كنا نستهلك.


[1]مالك بن نبي مفكراً إصلاحياً، ص 132.                                                      

[2]مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص 8.

[3] نفسه، ص 40-48، بتصرف

[4]نفسه، ص 48.

[5] مالك بن نبي، ميلاد مجتمع ، ص 36.

[6] نفسه، ص 37.

[7] مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 129.

[8] مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 131.

[9] مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص 153.

[10] مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 133- 134.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.