الطيبات للطيبين

أعمدة بناء الأسرةالمتين(1)

الواجب على الرجل والمرأة قبل الزواج، بل قبل الخطبة، التوبة إلى الله، وقطع الصلة برفقاء السوء، والبحث عن الصالحين قصد صحبتهم، لأن الطباع تجلب الطباع، فاختر لنفسك من أطاع، والصاحب ساحب، وبهذا يصبح الرجل ممن يقول طيبا، ويفعل طيبا، ويكون من الطيبين، ويبحث بالتالي عن المرأة الطيبة قولا وفعلا وخلقا، وكذلك المرأة ، والقاعدة الربانية تقتضي أن الطيبة تكون للطيب، والطيب يكون للطيبة، والعكس صحيح، قال تعالى في سورة النور: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۖ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)1.
اختلف المفسرون في معنى الآية على أقوال متقاربة، لا يناقض بعضها بعضا. فمن معاني “الخبيث ” و ” الطيب ” في الآية :
1. الخبث والطيب في الأقوال: فيكون معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول . ودل على صحة هذا القول : قوله تعالى (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) أي : عائشة وصفوان مبرَّآن مما يقول الخبيثون والخبيثات في قضية الأفك. 2
2. الخبيث والطيب من الأفعال : ويكون معنى الآية: الأفعال الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من الأفعال، وكذا الأفعال الطيبات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأفعال، والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل، فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث: لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها”.3
3. الخبث والطيب من الأشخاص في النكاح: ويكون معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيِّباً، وكان أولى بأن يكون له الطيبة، وكانت عائشة رضي الله عنها الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب. فهذه الآية مبنية على قوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)4، فالخبيثات: الزواني، والطيبات: العفائف، وكذا الطيبون، والطيبات 5.
ولا إشكال في الآية، على القول الأول أو الثاني، ولا تعارض بينها وبين ما يراه الناس، من أن الزوجة ربما كانت صالحة والزوج فاسقا، أو العكس . وإنما الإشكال – عند بعض الناس – في القول الثالث في ما يرونه من عموم تزوج طيب بفاسقة، وتزوج فاسق بطيبة. فيقال هنا : إن معنى الآية ـ على تقدير أن يكون المراد بالخبث والطيب : خبث الأزواج وطيبهم: أنه لا يليق بالطيب أن يتزوج إلا طيبة مثله، ولا يليق بالخبيثة إلا خبيث مثلها ، ومن رضي بالخبيثة مع علمه بحالها: فهو خبيث مثلها ، ومن رضيت بخبيث مع علمها بحاله: فهي خبيثة مثله. قال ابن كثير – رحمه الله – : وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء .
وهذا – أيضاً – يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي : ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة ؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له ، لا شرعاً ولا قَدَراً ؛ ولهذا قال تعالى: ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) أي : هم بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان. ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) أي : بسبب ما قيل فيهم من الكذب. ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) أي : عند الله في جنات النعيم . وفيه وعد بأن تكون زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجنة”. 6
وفي الآية بيان براءة عائشة رضي الله عنها، حيث زكاها الله تعالى بوصفها بالطيبة لأنها كانت تحت الطيب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن الله تعالى ليختارها زوجة لنبيه صلى الله عليه وسلم لو كانت خبيثة ! ومن هنا كان الطاعن في عرض عائشة رضي الله عنها طاعناً في النبي صلى الله عليه ، ومستحقّاً للحكم بالردة والقتل.
فالواجب على المسلم الذي يريد أن يتزوج قبل التفكير في الزواج واختيار الزوجة وقبل الخطبة، أن يتقي الله، وأن يتوب إلى الله مما وقع منه من الفساد والمعاصي حتى يكون طيبا، وعلى المسلمة كذلك والعاصية والفاسقة أن تتوب إلى الله حتى تكون من الطيبات، وحتى يزول عنها الخبث، وخبث المعاصي خبث شديد وخطير، وأعظم من ذلك خبث الكفر و خبث الشرك نعوذ بالله ، وأطيب الطيب طيب الإيمان والتقوى والاستقامة، فالطاعات كلها طيب، والإيمان والتقوى كله طيب، والمؤمن هو الطيب، فالواجب على كل مسلم وكل مسلمة العناية بالأسباب التي تجعلهما من الطيبين، والحذر من المعاصي والسيئات التي تنقلهما إلى صفة الخبثاء. فالشخص الطيب يبحث عن الطيبة فلا يقولان إلا طيبا، ولا يعملان إلا طيبا، وبهذا تكون أسرتهما طيبة، وحياتهما طيبة، قال تعالى في سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)7، أما الخبيث فلا تحلو له إلا الخبيثة مثله، فلا يتكلمان إلا خبثا، ولا يفعلان إلا خبثا، وبالتالي تكون حياتهما خبيثة.
هذه هي الركيزة الأولى من هذا البناء الذي ينبغي أن يكون متينا، والذي هو الأسرة، التي هي الخلية الأولى للمجتمع، فبصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع وينهار.
الهوامش
1 – سورة النور، الآية 26.
2 – تفسير الطبري ( 19 / 144 ، 145 ).
3 – مجموع الفتاوى ( 14 / 343 ) .
4 – سورة النور، الآية 3 .
5- تفسير القرطبي ( 12 / 211 ) .
6 – تفسير ابن كثير ( 6 / 35 ) .
7 – سورة النحل، الآية 97.

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: