الصوفية ومسألة الكتابة

الصوفية بشأن الكتابة ثلاثة مذاهب:

1– المذهب الأول: مذهب رافض للكتابة وممتنع عنها كلية، حيث يرى أصحابه “أن حقيقة الكتابة هي أن لا كتابة[1]. من هؤلاء أبو الحسن الشاذلي، الذي سئل عن عدم وضعه كتبا في الدلالة على الله تعالى وعلوم القوم، فقال: ” كتبي أصحابي” [2].

وقد كان هذا الموقف نتيجة منطقية لبعض الصوفية، وخاصة الأوائل منهم إذا علمنا أن القول الإشاري لديهم منفلت المعنى، والعبارة عندهم منغلقة الدلالة، ولا يفهمهما من حاول فتح باب التأويل بأدوات محدودة وفهم مغلق[3].

وقد أشار ابن عربي إلى الفرق بين الإشارة والعبارة في أن “العبارة تجوز منها إلى المعنى المقصود بها ولهذا سميت عبارة، بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه”[4].

ولذلك كان الصوفية يقتصرون على القول لإفهام القوم ما فهموه هم من أسرار، أو ما ورثوه من الشيوخ قبلهم، وهذا الفعل لا يحتاج إلى الكتابة التي قد تورط صاحبها، خصوصا إذا علمنا خطورة الكتابة عند كثير من الأمم في إثبات التهم وتنفيذ العقوبات، والتي تصل في أحايين كثيرة إلى الاتهام بالزندقة والكفر والحكم بالقتل أو الصلب أو حرق الكتب أو حرق حتى أصحابها والتمثيل بهم…

ويكفي الرجوع هنا لبعض الكتب التي تتحدث عن إحراق كتب كل مخالف مذهب أو نحلة، كما حصل لابن رشد وابن سينا وغيرهما كثير.

وقد أتت خطورة الكتابة أيضا على الصوفية لأنهم أثاروا مواضيع غير مسبوقة وقالوا عبارات غير مألوفة في عهد كان التفكير فيه ضد التيار العلمي السائد أمرا مجرما وكان صاحبه مذنبا.

وقد كثر ترديد عبارات تبين تحفظ صاحبها، كعبارة شيخ الصوفية الأكبر محي الدين بن عربي الذي قال في بدايات كتاباته: “ولولا قطع البلعوم، لأظهرت هنا سرا يهتز له العرش وما حواه “[5].

كما لا تفوتنا الإشارة إلى أن هناك أسبابا أخرى في امتناع بعض الصوفية عن الكتابة مثل انشغالهم بقضية النفس الإنسانية وطرق إصلاحها، وأن علم التصوف هو علم الأذواق وليس علم الأوراق، ويشبهون أحوالهم بأحوال الأنبياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها[6].

2– المذهب الثاني: مذهب كان أصحابه قد كتبوا كتبا ثم امتنعوا بعد ذلك عن الكتابة بل وأعدموا ما كانوا يكتبون، من هؤلاء أبو سعيد المهيني الشيخ الصوفي الذي تحول عن علوم الدين واعتنق الصوفية مذهبا، فجمع كتبه ومسوداته ودفنها وشيد فوقها دكانا، وزرع غصنا امتدت فروعه على المكان كله.[7].

هذا الموقف ربما يعود إلى تأثر هؤلاء بأسباب امتناع المذهب الأول، أو يعود إلى اعتبار الكتابة تقنية من تقنيات التعبير، في حين أن التصوف يعبر عن تجربة وجدانية وجودية جُوَّانِية، تحصل للمتصوف من خلال أحوال يبلغها ولا يمكنه التعبير عنها كتابة، لأن الكتابة لا تستطيع التعبير عن الحال.

3- المذهب الثالث: وهم المكثرون من الكتابة، وهم أكثر الصوفية، حيث بلغت كتابات محي الدين بن عربي حوالي الألف مصنف (بالضبط خمسة وتسعين وتسع مئة مصنف 995 حسب ما ذهب إليه الأستاذ محمد الشيخ)[8] لكن الدكتور يوسف زيدان ذهب إلى أن العدد غير مضبوط وأورد أقوالا مختلفة في كتاب “تراثنا، ابن عربي والجيلي، شرح مشكلات الفتوحات المكية” حيث بلغ عدد كتابات ابن عربي فقط واحدا وخمسين ومائتي 251 مؤلف ما بين كتاب ورسالة، أو بلغ خمسمائة 500 كتاب على حد قول عبد الرحمان جامي في نفحات الأنس، أو أربعمائة 400 على ما ذكر الشعراني في “اليواقيت والجواهر…[9]. ومهما كان عدد المصنفات المنسوبة إلى ابن عربي-كانت حقيقية النسبة أو منحولة على صاحبها- فالعدد كبير ويحتاج إلى مزيد دراسة، خصوصا إذا علمنا أن جل الكتابات -على الأقل التي وقفت عليها- تنصب فقط على كتب الفتوحات والفصوص والإسفار.

في أمان الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-[1]محمد الشيخ، المتصوفة ومسألة الكتابة، “مدارات فلسفية” مجلة الجمعية الفلسفية المغربية، العدد 19، 2010، ص 66

-[2] المرجع نفسه ص 66

[3] – ينظر ما كتبه ادريس مقبول في بحث موسوم ب اللسانيات الإشراقية عند ابن عربي الفعل الإنشائي نموذجا، ديوان العرب، يونيو 2006.

[4] محي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ضبط وتصحيح أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان ج 3 ص 117

[5] يوسف زيدان ، تجليات النبوة في فصوص الحكم ، لابن عربي، بحث شفاهي مقدم إلى لجنة ترقية أساتذة الفلسفة.

[6] محمد الشيخ، المتصوفة ومسألة الكتابة، ص ص 68 – 69

[7] محمد الشيخ، المتصوفة ومسألة الكتابة ص 69

[8] المرجع نفسه، ص 65

[9] يوسف زيدان، تراثنا، ابن عربي والجيلي، شرح مشكلات الفتوحات المكية، دار الأمين للنشر والتوزيع- 1419هـ 1999م- القاهرة، ص15

اظهر المزيد

محمد مسرار

باحث في الدراسات اللغوية والإسلامية والقانونية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: