الشباب العربي والحاجة للإبداع من داخل الهوية

قلما تُمتحن أمة بالبلاء في نظامها وقواعد حكمها إلا من قبيل آفتين:

– آفة الاسترخاء في اعتبار قيمة القيم. وهو مؤشر واضح صريح على وضعية نفسيتها في سلم التأهب إما للكينونة والاستمرار أو للمغادرة والاندحار.
– وآفة ثانية هي القعود عن النهوض بالواجبات العملية التي تحفظ مبدأ استئناف حضارة الفعل والانشغال عنها بالآزف من الحاجات الترفيهية الاستهلاكية الحائلة دون تحقيق الشروط المحررة للإنسان.
من هذا المنطلق يحق لنا أن نتساءل هل على شبابنا أن يعيش قصة الاستنساخ التي عاشها المترامون على عتبات “الخواجة” ممن يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، في الوقت الذي لا يرمقهم (أي الخواجة) في واقع الحال إلا مصوبا ومصعدا في شخصياتهم السخيفة وهم يرطنون بألسنته يحرصون على مطابقته بدون جدوى إذ يعيشون بأرواح مغربة في جسوم مشرقة؟
هل على شبابنا العربي أن يكرر المأساة ليكون في مستوى الحدث التاريخي الساخر الذي يعصف اليوم بكل المتنكرين لتقاليدهم وهويتهم المتنطعين المبالغين في تقليد تقاليد غيرهم؟
قد يتصور البعض أن الإلحاح على أسئلة الهوية يمنع إمكانات الإبداع عند الشباب ويغلقه في إطار حديدي يحبس إمكاناته، والحق أن الإبداع الحقيقي هو ذلك الذي يعكس الروح العليا للهوية والتي هي محل تفاضل الأمم والشعوب.
غير أنه لما كنا شعوبا تعتمد على غيرها في الغذاء والكساء والسلاح والعلم (أي على الخواجة كما يحلو لفيلسوفنا المجدد أبو يعرب المرزووقي أن يصفه في إطار نقده لعمليات تركيب البروتازات)، فإن التنمية المستقلة في الوقت الحاضر تصبح هدفا قوميا لشبابنا ومطلبا وطنيا بحيث يتم تحرير الإرادة الشبيبية من سائر الضغوط نحو أفق لا ينتسج إلا بالروح الإبداعية وحدها فقط، تلك الروح التي تميز بين فعلي البناء والهدم، بين فعلي التقدم والتأخر، وأخيرا بين فعلي التقليد والتجديد بحرية. فمن أين لنا أن ننشد حريتنا ونحن لسنا بقادرين على إعادة إنتاج المعايير التي يتميز بها الإبداع عن التكرار، بل ويتميز بها الخلق عن الحرق والتعمير عن التخريب.
من هنا يستمد تعلم الإبداع مشروعيته، فالقدرة على الفعل الحضاري وتجاوز حالة التبعية التي تتمثل بالتكرار واللهاث وراء تجارب الآخرين والانبهار بكل عناصر حضارتهم، ليسا ممكنين بدون ولادة عصر الإبداع العربي. وبلوغ أدنى درجات النجاح في صنع المشروع الحضاري الجديد ليس ممكناً إلا بامتلاك قدرات إبداعية بعيداً عن انتظار المخلص الذي يأتي من وراء الحدود، أو من عالم الغيب ليأخذ بيدنا من مستنقع الدوران حول النفس وبنفس المكان.‏
وهذا يعني النهوض بالعلوم والمعارف التربوية والسلوكية التي تؤسس لقيمة القيم الحافظة من الهبوط إلى جانب العلوم البحثة التي تؤسس لقيمة القيم الدافعة نحو الترقي والسمو في مضمار فهم الطبيعة وتسخيره. إننا في مسيس الحاجة لقومة علمية اعتماداً على دراسات حقيقية تنطلق من رؤية شاملة للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا الأخذ بمقاربات هذه العلوم واتجاهاتها جاهزة، لأنها في واقع الأمر- ولمن يتأملها بعين الفاحص- نتاج استقراءات لبيئات ومجتمعات مغايرة لنا قلبا وقالبا. فلا بد من جهود جماعية متعاظمة تعمل على إعادة إنتاج هذه المقاربات ونقدها، وهو الدور الطليعي للفلسفة والإبستمولوجيا، كيما نبلغ الطمأنينة اللازمة التي تعزز خطانا على أننا سائرون على طريق صحيحة وبخطوات متماسكة. وهذا لا يعني بطبيعة الحال الابتداء من الصفر كما يبرر أدعياء الحداثة من مقلدة الرداءة ومنتحلي الصناعة الفلسفية في ردهم بالمغالطة أن المعرفة الغربية هي المثال وهي اليوم كمال الكمال، وليتهم تعقبوا مسالك المعرفة الحقة التي بها يتنطعون وإنما سعيهم حول موائد الجنون والمجون يتقممون فتات موائدهم فيما لا يصح فيه التقليد وهو الإحساس والذوق والتعبير عنهما.
والرأي أن مواصلة الطريق تحتاج إلى المزيد من المعارف من غير شك، ولكن عن طريق المزيد من النقد (للوصول إلى نماذجنا وموديلاتنا الخاصة بنا) فإذا ما التقى النقد باعتباره ضامن الحركية والتوازن والتصحيح مع المعرفة باعتبارها لحمة التطور وسداها قامت سلطة العلم كأعلى السلطات وأشرفها وهذا هو الذي قصده شاعر المكسيك (كارلوس فونتيس) في مقابلة معه حين قال: لقد نجمت إخفاقاتنا السابقة عن حقيقة أننا لم نكن قادرين على العثور على موديلاتنا السابقة ونماذجنا الخاصة.‏ وسبب هذا التيه ما نجده من تكايس حفنة العلمانيين بالتشبه بسلوك الخواجات في فطانة بتراء وبصيرة حولاء تفقد معها الخصوصية كل معانيها.
إن النماذج الخاصة هي تلك التي تنطلق من نسيج الهوية وألوانها لا تلك التي تفتش بعيدا عن الحقيقة تتوهم أنها لا توجد إلا هناك. في الوقت الذي يتعطل فعل العقل عند كثير من شبيبتنا لتعلق الإبداع عنده بمتابعة نموذج هو في الوقت ذاته يقتل كل إبداع، لأنه ليس أضر على العقل من التقليد. ومن رغب في أن يكون حداثيا حقيقيا فإنه ينبغي أن يبدع ويضيف في ميزان التجديد ويحذر من آفات التقليد خاصة إذا كان هذا التقليد لمثال لم ولن يعترف بقيمتك ووجودك مادام عرق التقليد الأحمق نابضا على هؤلاء الأغبياء، وهو عين ما يقع فيه السخفاء مُدَّعُو الحداثة عندنا إذ هي عندهم تقليد الغرب، والحداثة مضادة للتقليد، فيقعون في التناقض من حيث لا يشعرون وتلك مصيبة كبرى أو من حيث يشعرون ويقصدون وتلك مصيبة مضاعفة.
لهذا كان من اللازم على الشباب العربي أن يفكر في حداثة داخلية مبدعة تؤكد استقلاليته وقدرته على استئناف العلم والعمل من خلال تطبيق عربي وإسلامي-كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن- لا يقطع صلته بالتراث جملة، لأن هذا القطع من باب المحال، وإنما يقطع صلته بجزئه الذي انقضى نفعه، ويعيد إبداع جزئه النافع كما يقطع صلته بالجزء الفاسد من الواقع الحداثي الغربي، ويعيد إبداع جزئه الصالح. والحق أنها عملية جد دقيقة تحتاج فيما تحتاجه حتى تنجز إلى مقومات نفسية ومعرفية متراصة جنبا إلى جنب لأنه ثبت بالدليل القاطع سقوط كل محاولات الفصل والوصل والتجاوز التعسفي الخالي بداية من استراتيجية واضحة وعاقلة في التعامل مع جزء التاريخ والحاضر ومن ثم المستقبل، كما اتضح لكل ذي لب أن المتعرض لهذه المهمة من غير استكمال شروطها كان كمن يفسد وهو على الوهم أنه ممن يحسن صنعا.
مقومات نفسية يأتي على رأسها الإيمان والتحقق بالحق في أن الطريق للمستقبل للذي يشقه بنفسه حسب تضاريسه وجغرافيته وإمكاناته ومقدراته وبحسب حاجاته وقيمه التي تستدعي نمطا من العمارة ونمطا من الإبداع لا يكون صالحا إلا إذا روعيت فيه أخلاق الناس وعاداتهم قبل مصالحهم المادية. وتلك الزاوية المهملة من ركن التخطيط عند ذوي العقول المنكوسة من العلمانيين والآراء المعكوسة من اللائكيين، حيث نبني بنايات نحس فيها بمزيد من الغربة، فنكون كمن يجري ليرتاح بعد الجري فإذا هو يزداد تعبا مع مواصلته للراحة، إذ الراحة فقدت شرطها المادي والمعنوي فصارت كسلا وسكونا فارغا من أي معنى.
وإلى جانب الإيمان لابد من الشرط المعرفي الذي يستلزم اطلاعا كافيا على ما تناوله تاريخنا أولا وتاريخ غيرنا ثانيا من تفاصيل ومنعرجات تجعل المتصدر لهذا الشأن قادرا على تسديد نظره من أعالي التاريخ، لا يبحث عن المبررات ولا يطلب حذف الواقعات ومحو السقطات، كما لا يطلب بالمقابل الخلط بين التاريخين وقياس كل واحد على الآخر ، وإسقاط أسباب هذا على أسباب ذاك، فالتاريخ مجار وأنهر، ولكل نهر سياقه وتعرجاته ومبدأه ومنتهاه أو مصبه، ومن رام فهم الدعوة المحمدية بالثورة الفرنسية أو البلشفية كان كمن يطابق بين الراين ودجلة أو النيل وشتان ما بين النهرين سياقا ومساقا، وشتان ما بين الحضارات التي قامت على ضفاف كلا النهرين، وإنما يطابق بينهما من يختزلهما في الماء يجري، لا في الحضارات تقوم وتسري.
ما سبق يدعونا للتأكيد على أهمية العمل الجاد الهادف إلى تحقيق مناعة تربوية وإعلامية تخدم الأمن الثقافي العربي لشبابنا وتحافظ على لغته الأم اللغة العربية‏. كما تحفظ عليه دينه ووطنيته واعتزازه بمقومات هويته وأصالته التي تصبح عامل بناء وتطوير وإبداع بدل أن تكون عامل إحباط وشعور بالدونية والنقص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: