الرحمة النبوية دلالاتها ومقاصدها في تربية النشء

 

مقدمة

مما لا شك فيه أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم تمثل التطبيق العملي للمنهج التربوي القرآني في أكمل صوره، ولعل من أهم القيم القرآنية الثابتة قيمة “الرحمة” بأمته وبالناس، بل وبالعالمين. وأن من تمام الاقتداء بالسنة النبوية السعيُ إلى بث منهج تربوي عميق مبني على الرحمة في الناشئة.

وإذا كانت بعض الدراسات قد لا مست موضوع الرحمة في الإسلام بشكل عام، من قبيل مقال:” الرحمة بالصغار من منظور الإسلامالمنشور بموقع للشيخ خالد خليف[1]، وكتاب:” أسباب الرحمة” عبد الله بن جار الله جار الله[2]، وبحث: هل كان محمد r رحيماً؟ للباحث محمد حسام الدين الخطيب[3]، وبحث:” معالم الرحمة في تعامل النبي e مع زوجاته”[4] وغيرها من الدراسات المتعلقة بالسيرة أو الأخلاق أو التوجيهات العامة، فإن تعميق النظر وتدقيقه فيما يتعلق بالشأن التربوي” البيداغوجي” المختص بالرحمة عزيز جدا، يكاد يكون نادرا، وتبقى بعض الأسئلة العلمية في هذا الشأن ملحة على الباحثين.

هذا يستدعي من العلماء النظر في دلالات قيمة الرحمة ومقاصدها وأصولها وتجلياتها في المنظومة الإسلامية، كما يتطلب من الخبراء والمستشارين والمشرفين على التكوين في مناهج التربية وأساليبها أن يدركوا حقيقة منهج الرحمة في تربية الرسول e لأمته، ثم بعد ذلك، لا مناص من تكوين المنفذين للمناهج التربوية على منهج  الرحمة في بناء الناشئة.

 1) مفهوم الرحمة

يدل لفظ “الرحمة” على معاني الرقّة والتّعطّف والمغفرة، مثله المرْحَمَةُ، ويقال رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عليه إذا أشفقت عليه ودعوت الله له بالرحمة. والاسم الرُّحْمى،  والرَّحَمُوتُ…والرَّحْمَةُ في بني آدم عند العرب رِقَّةُ القلب وعطفه. ورَحْمَةُ الله: عَطْفُه وإِحسانه ورزقه. وأم رُحْمٍ وأُمّ الرُّحْمِ مكة. وفي حديث مكة: هي أُمُّ رُحْمٍ أَي أَصل الرَّحْمَةِ. والمَرْحُومةُ: من أَسماء مدينة سيدنا رسول الله، e.[5]

ومفهوم “الرحمة” في الإسلام مفهوم أصيل واسع الدلالة، جاء في القرآن بصيغة الاسم والمصدر والفعل، وبمعان متعددة، فالرحمة صفة لله عز وجل وصف بها نفسه في كتابه، وبها افتتح عز وجل كلامه.. 

والرحمة هي القرآن الكريم وتعني الرسول r والنبوة والمغفرة والعفو. والجنة والنعمة والرزق، والمطر. كما تدل على النصر وإجابة الدعاء والعطف والمودة، والعصمة من الفاحشة والمعصية …. [6]  . 

ويرتبط معناها بما تدل عليه ألفاظ أخرى قريبة منها كالرفق والأناة والحلم والتؤدة والتيسير والتخفيف واللين مما يمكن اعتباره في سياقات متعددة مرادفا لها. كما تناقض معاني أخرى كالقسوة والغلظة والعنف والظلم والغضب والعسر والحرج الشديد.

وبهذا فمفهوم “الرحمة” يشمل كل خير ونفع يعود إلى الإنسان في دنياه وآخرته، قال ابن القيم رحمة الله عليه:” إن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح للعبد، وإن كرهتها نفسه وشقت عليه، فهذه هي الرحمة الحقيقية…”[7].

 

2) مقدمات أساسية

من خلال ما سبق نخلص إلى أربع مقدمات أساسية:

  • المقدمة الأولى: الله عز وجل هو المصدر الأصل للرحمة: قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍآخَرِينَ[8]. أي المالك الأصلي للرحمة، والجزء الأعظم مدخر عنده سبحانه، والأيسر مبثوث في الدنيا، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله e  يقول:” جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا ، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ” “[9].
  • المقدمة الثانية: أن سيدنا محمد r رحمة وتجسيد لرحمة الله تعالى في خلقه: قال تعالى﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾[10]. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: ” يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة”[11]، ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون معاني الرحمة وتجلياتها الرسالية في بشر يعيشون مع الناس ويخالطونهم في كافة شؤون حياتهم هاديين موجهين مرشدين، خاتمهم سيدنا محمد e الذي اعتبر بحق خير من جسد الرحمة الإلهية وسط أمة هي ملاذ البشرية بعده كانت تتخذه قدوة متبعة. 
  • المقدمة الثالثة: أن المنعم عليهم بالرحمة الإلهية والنبوية أصالة هم المؤمنون ثم باقي الناس: قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ[12].  ورحمته تعالى الخاصة بالمؤمنين تتجلى في رعايتهم والدفاع عنهم وحمايتهم من كيد الظالمين، وينبغي أن تكون الرحمة متعدية للغير عامة الأقرب فالأقرب، ومن لا يرحم لا خير فيه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ : “[13] ، بل إن الإيمان متعلق برحمة الناس عامة، فمن لا يتصف بهذه الصفة فلا إيمان له، قال r:” لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا، قَالُوا كُلُّنَا رَحِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاسِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ”[14].
  • المقدمة الرابعة: أن الرحمة لا تتناقض مع بذل الوسع والاجتهاد: فكونه تعالى رحمانا وكون نبيه r رحيما لا يعني الرخاوة والكسل والترهل، بل من تمام الرحمة تحمل بعض المشاق (المشاق جمع مشقة وتجمع مشقات أيضا) المقدور عليها في أعمال معينة، وقد يكون الابتلاء وما فيه من أذى رحمة من حيث العاقبة والثمرة لا من حيث المبتدأ والمنشأ، كما لا يعني التساهل فيما فرض الله تعالى مما يرى البعض أن فيه قسوة وشدة، بل إن “الشريعة مبناها وأساسها يقوم على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل”[15]. وهكذا، فإن امتدادات ذلك على الناشئة وكيفيات تربيتها ليشكل رحمة حقيقية، تحتاج من المختصين بذل الوسع في بيانها والاستفادة منها عمليا في  ميادين العناية بالنشء.

 

3) مقاصد منهج الرحمة في تربية الناشئة

وعليه، فإن أهم المقاصد التي يروم منهج الرحمة لدى رسول الله r تحقيقها في الناشئة هي:

  • المقصد الأول: حفظ فطرتهم ودعمها بتثبيت أسس التوحيد ومقتضياته القلبية والعقلية والعملية.
  • المقصد الثاني: استمرار عمل السابقين في الدنيا ببقاء الولد الصالح، إذ هو من العمل الذي لا ينقطع بالموت، وفي ذلك مسؤولية عظمى على الآباء والمسؤولين عن المناهج التربوية بالنسبة لمجموع الأمة.
  • المقصد الثالث: تحقيق حسن تعامل الناشئة مع زمنهم الذي خلقوا له، إذ التربيةٌ النبوية ليست نظرية مجردة بل هي عمل ميداني واقعي لتحقيق سلامة النشء بما يزوده بحصانة منيعة، من العلم النافع، إزاء الفتن الموجهة ضده، خاصة في زمن صار للتشابك المعلوماتي فيه السبق الأعلى في التأثير.
  • المقصد الرابع: تثبيت التماسك الاجتماعي والتهذيب الخلقي للناشئة والمحافظة عليه من الوقوع في الفاحشة.
  • المقصد الخامس: إبقاء شريعة الرحمة على الأرض، بتدريب الناشئة بمنهج رحيم على التكاليف الشرعية منذ صباهم وجعل ذلك من صميم مكونات هويتهم، وسببا في خيرتهم للناس جميعا.
  • المقصد السادس: تحقيق التوازن المطلوب في تربية الناشئة بالتأسيس على الجانب الإيماني الذي يلقي بظلاله على الجوانب العقلية والجسدية.

استنادا إلى المقدمات السابقة والمقاصد الأساسية، نتلمس أصول منهج الرحمة التربوي (في المقالة القادمة) من خلال سنة المصطفى الكريم وسيرته r عموما، وفي تربية النشء على وجه الخصوص، ونبذل الوسع في استلهام معالم هندسة تربوية على مستوى التخطيط والتدبير (التنفيذ) والتقويم، مما ييسر على المختصين في الجانب التنفيذي الاشتغال على “منهاج دراسي” يكون رحمة في العالمين.

 

 

 

[1]  p://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:gS6RuiPqn3UJ:www.khalidkholif.net/index.php/201508-27-14-27-51/item/230-2015-08-18-08-34-07+&cd=1&hl=ar&ct=clnk

[2]      tp://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:pb1U1iI2rMcJ:d1.islamhouse.com/data/ar/ih_books/single2/ar_reasons_of_mercy.doc+&cd=3&hl=ar&ct=clnk

[3]         وهو من منشورات رابطة العالم الإسلامي في إطار البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة، مسابقة: مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد r

[4]  بحث مقدم بمناسبة المؤتمر الدولي “نبي الرحمة محمد e المنعقد في الفترة 23-25 شوال 1431 هـ الموافق 2-4 أكتوبر 2010.

[5]   لسان العرب مادة: رحم.

[6]جاء ذلك في القرآن الكريم في أكثر ثمانية وستين ومائتي موضع (268)،

[7]  ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان 2/174.

[8] الأنعام:133

[9]رواه البخاري صحيح البخاري  – كتاب الرقاق،  باب الرجاء مع الخوف – حديث : ‏6113‏ . وفي رواية قال e  وسلم:” إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ”[9].

[10] الأنبياء:107

[11] المستدرك على الصحيحين للحاكم  – كتاب الإيمان  حديث : ‏97 صححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، ورواه ابن سعيد والدارمي عن طريق الأعمش عن أبي صالح مرسلا وسنده صحيح. وعزاه في مجمع الزوائد للبزار والطبراني، وقال: رجال البزار رجال الصحيح. وذكره الألباني في “السلسلة الصحيحة” 1 / 803

 

[12]  التوبة: 129

[13] رواه الترمذي. كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،  قال الألباني في “السلسلة الصحيحة” 2 / 630 :رواه أبو داود (4941) والترمذي (1/350) وأحمد (2/160) والحميدي 591) والحاكم (4/159) وصححه ووافقه الذهبي، و الخطيب في “التاريخ ( 3 / 260 )  وأبو الفتح الخرقي في”الفوائد الملتقطة “(222-223)،كلهم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو
مرفوعا

[14]  أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات. قال ابن حجر في فتح الباري ص453:”- كِتَاب الْأَدَبِ – رحمة الناس والبهائم  – ص 453 –  قَوْلُهُ : ( بَابُ رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ ) أَيْ صُدُورُ الرَّحْمَةِ مِنَ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ قَالَ ):  لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا ، قَالُوا كُلُّنَا رَحِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاسِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ ( ” أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ

[15]   إعلام الموقعين ج 3 ص 3 .

اظهر المزيد

د.عبد الصمد الرضى

رئيس شعبة التربية الإسلامية بالمركزالجهوي لمهن التربية والتكوين البيضاء- سطات. مدير المركز الدولي للبحث العلمي. مستشار ومؤلف في المجال التربوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: