الدين في خدمة الإنسان… !!

 لعقود طويلة ظل الدين يشكل للإنسان المحرك الأساس والمصدر الوحيد الذي ينتقي منه معرفته، كما أنه المصدر الوحيد الذي يقدم له أجوبة عن تساؤلاته الوجودية، لكن مع التقدم العلمي الهائل سرعان ما أصبح العلم مصدرا منافسا وبديلا للدين، لكن ما يعاب عنه أنه ترك فراغا روحيا للإنسان، ليكون بذلك الدين مصدرا هاما لملء ذاك الفراغ الروحي الذي تركه العلم، فالسؤال الذي يطرح نفسه وبشدة.

_ كيف يمكن للدين أن يكون خادما للجنس البشري دون أي صراع أو تصادم ؟

 إن فكرة الدين فكرة قديمة قدم الإنسان. تقول إحدى الباحثات في علم مقارنة الأديان بالمغرب، أن الحفريات والآثار القديمة جدا التي عثر عليها سواء بالمقابر أو بالأماكن المقدسة، تبين تعلق الإنسان بفكرة الدين منذ ألاف السنين..، بحيث كان الإنسان طوال هذه المدة يبحث عن معنى لوجوده، فعلى سبيل المثال، تكون للإنسان أو للطفل الصغير خصوصا العديد من الأسئلة أهمها تلك الأسئلة الوجودية، من قبيل سؤاله عن القوى الخفية التي تتحكم في الكون أو ما يمكننا تسميته “بالخالق… أو الصانع “، أو من خلق هذا وكيف بني الكون؟، حتى وأن لم يتفوه بهما كلاما منطوقا، لكن تبقى الفكرة كامنة في الذهن، فيتلقى غالبا أجوبة تكون ذات مرجعية دينية ممزوجة بمنطلقات عقائدية للأبوين، حتى جاء العلم وأحدث ثورة علمية معرفية، كان لها الأثر الكبير في شتى المجالات من بينها المجال الديني.

هذه الثنائية، الدين والعلم ستصبح فيما بعد على الأقل بعالمنا العربي، بمثابة صراع إيديولوجي بين المتشبثين بالدين باعتبارهم أن الدين صالح لكل زمان ومكان، رافضين بذلك فكرة تعايش الدين مع متطلبات العصر، وبين الحداثيين الذين يؤكدون ويتبنون فكرة أنه يجب على الدين أن يكون صالحا للتأقلم مع جميع الظروف والأزمنة، وبين الطرف الثالث الذي يلغي الدين ويؤمن بأن فكرة الدين متجاوزة كانت صالحة في فترة زمنية محدودة…

 لما اشتدت معاناة بني إسرائيل بأرض مصر من جراء التنكيل الذي كان ممارسا عليهم من قبل ملكها فرعون “رمسيس”، أرسل الله تعالى نبيه “موسى  “، فخرج بقومه من مصر إلى سيناء طالبا النجاة و الشريعة والمسلك، غاياته في ذلك خدمة البشرية، ليكون بذلك الدين خادما له وللجنس البشري وليس العكس، هذا من جهة، أما من جهة أخرى إذا انتقلنا إلى رسول الإسلام، فحتما سنجد نفس الغاية والمقصد من مجيء الدين. لما وصلت المشاكل الاجتماعية أوجها بمكة من استغلال الطبقة الغنية للطبقة الفقيرة، واستعباد الناس، وقتل للأنفس بدون موجب حق، كان رسول الإسلام يتحنث بغار حراء يسأل الله النجاة والخلاص، فجاءته الرسالة والتعاليم ليكون الدين بذلك خادما للإنسان، وليس الإنسان خادما للدين، لأن الدين في نظري هو وسيلة حياة ونمط عيش، يرتقي بالجنس البشري، هدفه تمكين الإنسان من العيش الكريم، متجنبا الفقر والأوبئة، محققا تنمية اقتصادية وبشرية شاملة، بمنهج يغلب عليه اليسر والسماحة في كل شيء: في التصور والاعتقاد، والتعبُّد والتنسُّك، والأخلاق والسلوك، والمعاملة والتشريع. وصفات الوسطية واليُسر والسماحة تمثل الخصائص العامة للدين، بعيدا عن كل أشكال العنف والتطرف، الذي عانت منها المجتمعات البشرية في السنين الأخيرة ولا زالت تعاني منه، سببه بالدرجة الأولى الإهمال والتهميش والاحتكار والفقر والجهل والفهم المغلوط للدين، وإذا ما أخذنا الدين الإسلامي على سبيل المثال، فسنجده يتحدث ويشير في آيات كثيرة إلى أن الدين لم يأتي ليشدد على الناس، فالقرآن لم يأت من أجل التعسير، وهناك آيات تدل على هذا مثل”… وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۩. “سورة الحج الآية 78.

 من هنا أعتقد أن الدين جاء ليكون خادما للإنسان، لذا يجب أن تكون الغاية القصوى من وجود الدين في حياة الناس هي تحسين ظروفهم المعيشية والاجتماعية والاقتصادية بالدرجة الأولى، بعيدا عن كل أشكال الصراعات الطائفية.

اظهر المزيد

خالد احليلي

طالب باحث في اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: