منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحاجة إلى تجديد الفكر التربوي الإسلامي

1
اشترك في النشرة البريدية

    إن أوجه التغيرات الحاصلة في هذا العالم كثيرة وكثيرة جدا، وعلى هذا الأساس عزم الإنسان لئلا يركن للثبات، والبقاء داخل النمطي والمعتاد، وأيقن بأن الحركة والتغير هما الناموس الذي يجب أن يستند إليه في أصل فعله وإنجازه، فهي سنة الله في خلقه. ولما كان الفكر التربوي الإسلامي نتاجا لحيوية الإنسان المسلم، والتي جاءت في شكل استقراءات للنص الشرعي ولما له ارتباط وثيق بالفعل التربوي في مصادر هذا الفكر، واستنباطات للأحكام منها وفق جدلية النص والواقع، فإنه يخضع بدوره للقانون العام، قانون التطور والتجدد، والمجتمعات الإسلامية تتطور وتزكوا كلما دأبت على تجديد فكرها التربوي، وترقد وتضمحل كلما توقف وتخلف فكرها التربوي.

التجديد في اللغة

ولفظ التجديد يطلق ويراد به في اللغة :”تصيير الشيء جديداً، وجدَّ الشيء، أي صار جديداً”(1)، “وهو خلاف القديم، وجدّد فلان الأمر وأجدّه واستجدّه إذا أحدثه”(2).

فالتجديد لغة: “يعني وجود شيء كان على حالة مّا، ثم طرأ عليه ما غيّره وأبلاه، فإذا أعيد إلى مثل حالته الأولى التي كان عليها قبل أن يصيبه البلى والتغيير كان تجديدا”(3).

المزيد من المشاركات
1 من 81
في الاصطلاح

أما اصطلاحا: فقد وردت تعريفات كثيرة للتجديد، كلها تفيد إحياء ما انطمس، واندرس من معالم السنن ونشرها بين الناس، وحمل الناس على العمل بها.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “وتجديد الشيء ليس معناه أن تزيله، وتنشئ شيئا جديدا مكانه، فهذا ليس من التجديد في شيء، تجديد شيء ما أن تبقي على جوهره ومعالمه وخصائصه ولكن ترمم منه ما بلي، وتقوي من جوانبه ما ضعف…إن تجديد الدين بمعنى  تجديد الايمان به وتجديد الفهم له والفقه فيه، وتجديد الالتزام والعمل بأحكامه وتجديد الدعوة إليه “(4).

ويقول وحيد الدين خان:” إن تجديد الدين لا يعني اختراع إضافة لدين الله، وإنما يعني تطهير الدين الالهي من الغبار الذي يتراكم عليه، وتقديمه في صورته الأصلية النقية الناصعة”(5).

فعلم مما سبق أن التجديد هو: إحياء وإظهار لما اندرس من علم الكتاب والسنة، ونشر للعلم ونصر لأهله، وقمع للبدعة وأهلها، ونقل للعلم من جيل إلى جيل، صافيا نقيا، والعودة بالمسلمين إلى ما كانوا عليه على وفق منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ذلك أنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

وبناء على هذا؛ فإن تجديد الفكر التربوي الإسلامي لا يعني هدم أو مسخ ما هو قائم، بل يعني إدامته مع إصلاح ما شابه من شوائب، وإضافة ما تتطلبه الظروف والحاجات الجديدة من إضافات، ومقاومة الجمود والاتكالية والاكتفاء بما هو قائم من إنجاز مما هو متجاوَز، وحذف ما أصبح غير متوافق مع المستجدات مما قد أكل عليه الدهر وشرب، بما لا يتعارض – حتما – مع ثوابت الأمة الدينية والوطنية، قصد التصحيح والإنهاض والتعبئة، ثم إن الدعوة إلى التجديد ليست بدعة، بل هي من تعاليم الإسلام الخالدة التي وردت في الحديث الشريف: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”(6).

كما يجب التذكير الدائم بأن فعل التغيير في التصور الإسلامي يستند في واقعه الحركي في مسيرة الحياة على حقائق ثابتة وأخرى متغيرة، فأما الثابتة منها فتشمل ما ورد به النص كتابا وسنة مما لا يجوز تجاوزه، أو الزيادة فيه كما النقص، وهذا الجانب يقوم على ضرورة الإقرار الضمني بالعبودية لله وحده دون سواه، والإلتزام بالدين والتشريع، وبحقيقة الاحتياج البشري للغذاء والمسكن والزواج والدفاع عن النفس والحرية وغير ذلك من ثوابت الذات الإنسانية اللامتغيرة، والتي ينبغي أن تخضع لابتلاء الله وتستجيب إن حسنا فحسن، وإن سيئا فسيء، أما الجانب المتغير في حركة الواقع الإنساني فهو القائم على  تغير النظرة في ما هو مفيد للإنسان أو غير مفيد له من حيث الوسائل والمقاربات الإصلاحية لجوانب السياسة والاقتصاد…، ومن تجديد لخطاب البيت الدعوي الإسلامي، وهي أيضا مرتبطة بشكل دائم بظرفي الزمان والمكان واختلافهما.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

وفي حركة تجديد الفكر التربوي الإسلامي نجد أن من كان تجديد هذا الفكر همّهم ووظيفتهم قد تعرضوا لصدمة أدت “إلى نوعين من الاستجابة، النوع الأول هو ضرورة اقتباس التجربة التي أوصلت الغرب إلى ما وصل إليه من ثقافة، وعلم، وإرادة، وتصنيع، وتعليم…من أجل اللحاق بركب الحضارة، ولا يكون ذلك إلا بالتخلي عن التراث الذي أوصل العالم الإسلامي إلى ما وصل إليه من الضعف والتخلف. والنوع الثاني من الاستجابة، كان في الغالب رد فعل على النوع الأول، وهو إحياء التراث الذي كان، يوما ما، أساس التقدم الذي شهده العالم الإسلامي، في وقت كانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل والتخلف. وقد أدى التنافس والجدل بين هذين النوعين من الاستجابة إلى حركة فكرية وثقافية نشطة، وظهرت شخصيات إصلاحية أسهمت في بناء مؤسسات ومدارس فكرية، وتنظيمات حزبية، كلها تجتهد في التعبير عن سبل النهوض بواقع الأمة”(7).

وتجديد الفكر التربوي الإسلامي في حقيقة الأمر لابد أن يكون من داخله وبأدواته الشرعية المتعارف عليها عند أهل التربية الإسلامية، لا بالإغارة عليه ولا بالافتيات على أهله ولا بإدخال عناصر هجينة عنه وفرضها عليه عنوة، فمرحبا بالتجديد ولا مرحبا بالهدم والتبديد، فمن دعاة التخريب لا دعاة التجديد، ممن انبهروا بالغرب، وتساهلوا في قبول أفكاره، من يقصد مسخ الدين الإسلامي وتحويله إلى نسخة من الأديان المحرفة، وتغيير مناهج التعليم طبقا لسياسة تجفيف المنابع الدينية عند الناس، بالإضافة إلى إغراق المجتمع في الفسق والرذائل الأخلاقية وتوسيع دائرة الإنحلال الخلقي من خلال الأفلام والمسلسلات التي تدعو إلى ذلك، ونشر الكتب ذات الثقافة الغربية الغريبة التي تطعن في دين الله مع تكريم أصحابها ومنحهم الجوائز العالمية على فعلهم المشين.

وإذا كان الإسلام يحث على الاجتهاد والتجديد بمقتضى قابلية النصوص التشريعية للفهم المتجدد، وأن للإجتهاد والتجديد شروطا وضوابط، فإنه لابد هنا أن نؤكد أن الإسلام لا يلهث وراء كل جديد، فقط لأنه جديد، وإنما يقبل فقط ما كان مشروعا وذا قيمة معتبرة، وبهذا الفهم لا يمكن لأي حركة تجديدية  أن تتجاوز المنهج الإسلامي المكتمل الأصول والمعالم، والذي يعبر عن أصالة الفكر الإسلامي كفكر يستمد أصوله من نصوص معتمدة، لا تقبل النسخ والإهمال، لأنها نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية.

ثم إن النص الثابت – كتابا وسنة-  يقبل التفسير والتأويل، وليس من حق أي جيل أن يختص بهذا التفسير والتأويل مدعيا أنه وحده من يتملك حقا لا يخامره شك في ذلك، يمارسه دون غيره، والخطاب الشرعي متجدد ومتغير في كل عصر ومصر، وهو خطاب لكل مكلف، وللمكلف الحق أن يقرأ الخطاب. فإذا توفرت فيه القدرة على الفهم والتفسير والتأويل فهو مكلف به، ولا عذر له في تقليد يحاكي به عوام الناس ممن تنقصهم الكفاءة والقدرة، “ولكن بعض أهل العلم يخافون أن يدخل من هذا الباب إذا فتح – باب الاجتهاد – الأدعياء والطفيليون الذين يلبسون لبوس العلماء ويحملون ألقابهم الفخمة وليسوا من العلم في قليل أو كثير…وأخطر منهم أدعياء التطور الذين يريدون أن يدخلوا على الحياة الإسلامية، ماهو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها بدعوى الاجتهاد في الشرع، وهي أبعد ما تكون عن شرع الله نصا وروحا”(8).

ويخضع التجديد في مجال الفكر التربوي الإسلامي لضوابط وشروط موجهة، تعطي لذلك التجديد شرعيته، وتمنعه من أن يكون تجديد انحراف يقود إليه عقل غير متبصر، أو منهج غربي أو شرقي لا يراعي خصوصية البلد، أو هوى نفس لم تبلغ رشدها وكمالها الأخلاقي، وذلك لأن الفكر التربوي الإسلامي – كما قررنا سابقا – يختلف في خصائصه عن الفكر التربوي الوضعي من حيث المصادر، ولذلك فالتجديد “عملية علمية تتطلب العلم بالإسلام علما عميقا، كما تتطلب العلم بالمتغيرات التي تنتظم بها الحياة”(9).

“وإذا كان التجديد عملية علمية فلا بد له من أداة أو مرجعية علمية…، فلا بد أن تشارك فيه هيئة مختلفة…، ومن ثم كان من الممكن – لو احترمنا قوانين النظام الإسلامي – تخصيص هيئة علمية في العالم الإسلامي تتشكل من جميع التخصصات وأنواع العلوم، تكون مهمتها النظر فيما يجب تجديده على رأس كل مائة عام، ووضع نظريات لهذا التجديد، واحترام تطبيقها بكل أمانة ووعي بالمصالح العليا للإسلام والمسلمين”(10).

وقد نبه الدكتور يوسف القرضاوي إلى أهمية الاجتهاد الجماعي في هذا العصر، وضرورة الاعتماد عليه في حركة الإحياء والتجديد، فقال: “ينبغي في القضايا الجديدة أن ننتقل من الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي، الذي يتشاور فيه أهل العلم في القضايا المطروحة، وخصوصا فيما يكون له طابع العموم ويهم جميع الناس…”(11)، ويقينا أمر التربية أمر مشترك بين كل أفراد المجتمع باعتبار أن “الخطاب الإسلامي قد يظهر في صيغة دعوية تربوية، أو في صيغة فقهية تشريعية، أو في صيغة فكرية فلسفية”(12)، حتى تستقيم الحياة وتتوحد الجهود وتنتشر القيم الأخلاقية الرفيعة ويترفع الأبناء عن الدنايا.

ثم “تتوالى التحديات أمام العملية التربوية في سلسلة متكاملة، لتجد المؤسسات التعليمية نفسها في هذا القرن في عالم طغت على أحداثه مستجدات وتحوّلات جذرية، تؤثر في كل عناصر العملية التعليمية ابتداء من الإدارة إلى المناهج فالمعلم فالطالب، فقد تحوّلت معايير التقدم من كمّ الخريجين إلى كيف، ومن الحفظ والتلقين إلى مخرجات تعليمية مسلّحة  بمهارات تطبيقية تتوافق ومتطلبات سوق العمل، وتحوّل الطالب من طالب محلي إلى طالب عالمي بفعل ثورة تكنولوجيا المعلومات وسطوة الإنترنت، كما تحوّلت معايير الجودة من معايير محلية تضعها وزارة التربية والتعليم في كل دولة إلى معايير عالمية (الأيزو) تضعها المنظمة العالمية للمواصفات”(13)، “وهذا يعني زيادة التحديات التي تواجه المنظومة التربوية ككل، والمناهج التعليمية بشكل أكثر خصوصية ولا سيما أن هذه التحولات والتحديات، لا تمر بمراحل معينة من التقدم، بل هي تنمو على شكل طفرات قصيرة العمر”(14).

إن هذا الأمر يفرض علينا تمكين أبناء الأمة الإسلامية من العيش في القرن الحادي والعشرين، وهم مسلحون بلغة العصر الجديد ومفاهيمه وآلياته، والقدرة على التكيف مع الظروف المحيطة، ومجابهة تغيرات  طارئة على برامج التربية والتعليم وفق معايير تربوية منطقية قابلة للتطبيق، ثم لا يجب أن يفهم من ذلك الأخذ بكل ما يفرضه المستجد، إذ لا تخلو بعض المستجدات من أخطار تهدد الخصوصية والثقافية الذاتية للأمة.

“ومن هنا فلا يمكن أن تنقطع أهداف الدراسات الإسلامية عن واقع المتعلمين المحلي والعالمي، بل لا بد من أن تكون أداة وصل وربط، لمساعدة المخرجات التعليمية على التعامل مع متطلبات الواقع ومستلزماته بكل أبعاده؛ وهذا يقتضي أن تخرج الكتب عن تقليديتها بحيث تصبح كتباً جديدة تتسم بالمعرفة اللازمة من خلال التنظيم والتوظيف واختيار الأنسب، وتكسب الطالب مهارات البحث الذاتي، لننهض بمسئولية تمكين أبنائنا من التعامل الكفء مع المتطلبات الحقيقية والمتطورة للمجتمع في إطار مستقبلي، ليتغير هدف التعليم من تعليم للجميع إلى التعليم المتميز والتميز للجميع”(15).

فالقيم الدينية الإسلامية باعتبارها قيما إنسانية تحتاج ولا شك إلى مناهج تربوية مواكبة لمتغيرات الواقع وتحدياته، وذلك من خلال تربية الفرد روحيا وعقليا وعاطفيا وجسميا واجتماعيا، وتوجيهه الوجهة التي تمكنه من تحقيق الغاية النهائية للتعليم الإسلامي وهي تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى، على اعتبار أن الفكر التربوي الإسلامي يمثل نظرة الإسلام إلى الكون والإنسان والحياة، ويعكس محتوى الإسلام.

ومن جملة التحديات التي تشكل تحديا حقيقيا خاصة بالنسبة للمؤسسات التعليمية التقليدية تكنولوجيا المعلومات والاتصال، التي تعد إحدى منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية في هذا العصر، مما حتم علينا أن نعيش في عصر المعلوماتية والانفجار المعرفي، “وإذا انتقلنا من هذا الإطار العام إلى مجال المعرفة العلمية التعليمية، فإننا نجد أن نجاح العملية التعليمية يقتضي من أطراف العملية التعليمية تجديد عتادها المعرفي والتربوي باستمرار؛ وذلك اعتبارا للمتغيرات المستمرة التي يشهدها هذا الحقل عن طريق الدراسات والأبحاث النظرية والميدانية والتي تؤكد أن مجال التقنيات الحديثة للإعلام والتواصل يعتبران أكثر المجالات تحولا وتطورا، فقد أصبحت التقانة اليوم تفرض نفسها؛ باعتبارها وسائل متاحة ومتيسرة للتواصل ونقل المعلومات، ومن ثم أصبح انفتاح التعلم على التقانة لازما من أجل خلق تواصل أفضل مع المتعلمين الذين تقصفهم وسائل الإعلام والاتصال يومياً بآلاف المعلومات والصور تعيد تشكيل عقولهم، وتنمية خبراتهم، وهذا يجعل المعلم محتاجاً باستمرار إلى امتلاك نفس الآليات من أجل توجيه الطلبة وإرشادهم في إطار عملية تعليمية مركزة ومقننة وبوسائل حديثة ومتطورة”(16).

وهناك أيضا من يرى أن استخدام التكنولوجيا فيه إثم كبير ومنافع للناس و إثمه أكثر من نفعه، وفي المقابل ذهب بعضهم إلى القول أنه لا يمكن أن ننكر فضل التكنولوجيا في عصرنا الحديث، حيث إنها سهلت كثيرا حياتنا اليومية وجعلتها ميسرة، فالفرد يستطيع أن ينجز الكثير من الأعمال وأن يصل إلى المعلومة في أوقات قليلة، وبسرعة فائقة.

حيث يرى المتأمل أن التقنية قد أحدثت  ثقوبا وتصدعات لا يستهان بها في مجموعة القيم الاجتماعية و الثوابت والمكتسبات الخصوصية لكل الشعوب، بل وصل الأمر إلى إلغاء وإقصاء بعض تلك الثوابت، واستبدالها بأنماط جديدة، من غير اللجوء إلى قوّة عسكرية. وفي المقابل فإن الأخذ بالتقنيات الحديثة في التعليم يفتح أمام الفرد آفاق المعرفة، فلم تعد المدارس محتكرة للمعرفة، فهناك وسائط أخرى متعددة مثل الإنترنت، وحتى نستفيد من هذه الثروة التكنولوجية وهذا الزخم الرقمي لابد من التقيد ببعض الضوابط ومنها:

  • حجب المواقع التي تبث الأفكار الهدامة والمواد الإباحية.
  • تزويد المستخدمين بعناوين المواقع العلمية والثقافية المفيدة البناءة.
  • لا بد من استعانة الباحث بالتحليل والنقد وعدم تقبل كل ما يعرضه الحاسوب.
  • عدم التخلي نهائيا عن الأدوات التقليدية في التعليم وخصوصا الكتاب.

ومن جملة التحديات التي تواجه قطاع التربية والتعليم أيضا الانبهار والاستلاب الثقافي، إذ يعتبر التعليم البوابة الأخطر والتربة المستهدفة التي تنبت فيها جذور المؤامرة على الأمة، و تعرف زهران سناء حامد الاغتراب الثقافي بأنه “ابتعاد الفرد عن ثقافة مجتمعه ورفضها والنفور منها وانبهاره ومحاكاته لكـل مـا هـو غريب وأجنبي من عناصر الثقافة وخاصة أسلوب حياة الجماعة والنظام الاجتماعي وتفضيله علـى مـا هـو محلي”(17).

وتقع خطورته في أن رسله من بني جلدتنا تربوا على فكر الغرب وثقافته. ومن وسائل الاستغراب دس الأفكار والنظريات والفلسفات التربوية ذات التوجه اللاديني واللاأخلاقي المنافية للعقيدة في المناهج الدراسية، وكلها قائم على إعلاء مفهوم الغرب واستنقاص القيم العربية الإسلامية. وقد يأخذ الاستغراب صورا جميلة مثل المدنية والحضارة أو التغيير الاجتماعي أو التحديث أو التطوير.

“إن الغزو الفكري والغزو الثقافي والغزو الإيديولوجي كلها تعني انتهاك القيم التي تقع ضمن حيز الخصوصية الثقافية لمجتمع ما، ويتمثل – في أبشع صوره – في أن تقوم أمة من الأمم بالسعي لتغيير مناهج التربية والتعليم لدولة من الدول، فتطبقها على أبنائها وأجيالها، فتشوّه بذلك فكرهم، وتمسخ عقولهم، وتخرج بهم إلى الحياة”(18).

فلا شك أن الغزو الثقافي إنما يعمل على تجديد الوظائف والأهداف تلبية لواقع المتغيرات والمستجدات التي تخدم مصالح “الغازي”، ويحاول في ذات الوقت أن يطرح رؤى تدور حول السوق، تدور حول السلعة، تدور حول السوبر ماركت، تدور حول السياحة وهكذا، أي أنها تدور حول القيم التي جوهرها الإنسان الاقتصادي المادي، ولا شك أن تغيير وتجديد المصطلحات والقيم يعد شيئا من ذلك.

وعليه فلا بد من أن تحكم العملية تربويا، ولا بد من التشديد على التربية أي تربية الجيل القادم، لأن الجيل الذي يتربى متماسكا على أسس حضارية متينة وعلى مبادئ الإسلام لا يخيفنا مصيره، لأنه سيحمل عبء المسؤولية من بعدنا بكل صدق وأمانة.

ومن التحديات أيضا التي تعرقل السير التربوي السليم الدور الإعلامي المناقض للدور التربوي المدرسي، فماذا تفعل المدرسة أمام الإعلام الذي يشيع الفاحشة ما ظهر منها وما بطن من نشر للمقالات الغربية الغريبة، من خلال ما يطرحه من مفاهيم حول الحريات الفردية، وتحريض النساء على النشوز، كأن الزوجية معركة بين قطبين، كما تعنى بتقنين الإجهاض، وبالدفاع عن الإنجاب خارج الحياة الزوجية، وإقرار حق ابن الزنا في الإرث، وصولا إلى الدفاع عن الشاذين، إلى غير ذلك مما يخالف ديننا وقيمنا.

 إن إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا مفسدة أخلاقية عظيمة تترتب عنها مآس كبيرة، لذلك  يجب أن نسعى جميعا لدفع هذه المفاسد من خلال المؤسسات التربوية (الأسرة، المدرسة، المسجد…)، وذلك بتشكيل حصانة ومناعة فكرية لدى أبنائنا تمكنهم من التمييز بين الغث والسمين، والنافع من الضار، والوسطي من المنحرف.

فبعد عرض بعض التحديات التي تخامر الجسم التربوي العربي يتبن أن الحاجة لتجديد الفكر التربوي اليوم أصبحت ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، وذلك بإيجاد وسائل وآليات تحقق مقاصد الإسلام متناسبة مع مقتضيات العصر وتطوره، “مع ضرورة مراعاة الثوابت والمتغيرات في الدين، فهناك أمور لها قابلية التطور في الإسلام، وأمور لا تتطور؛ بل تتحلى بالثبات، مثل: العقائد لأنها تقوم على اعتقاد الشيء حقا أو باطلا، وهذا لا تطور فيه، وكالأخلاق الأساسية للمجتمع، فالفضائل الأساسية لا يعيش مجتمع كريم بدونها مهما تطورت الحياة وتقدم العلم، والآداب الاجتماعية المرتبطة بالنظام العام للشريعة كنظام الأسرة ونظام الجنايات ونظام الحرب والسلم، فهذه كلها لها مبادئ عامة ثابتة في الإسلام مهما تغير الزمان والمكان، ومهما تبدلت الأوضاع والعادات”(19).

إن خاصية التجديد في الإسلام تجعل من الفكر التربوي الإسلامي نموذجا تربويا حيويا، فالتجديد يعتبر أمرا ضروريا لا غنى عنه، نظرا لطبيعة الحياة البشرية التي تأتي بالجديد في كل عصر، لضمان حيوية الفكر التربوي الإسلامي، واستمرار صلاحيته على الدوام، وذلك بضوابط وشروط محددة لا تصطدم مع الأصول الشرعية.

(1) ابن منظور الافريقي، لسان العرب، ج:2، ص: 202.

 (2)الفيومي أحمد بن علي المقري، المصباح المنير، المكتبة العلمية، بيروت، ج 1، ط1، بدون تاريخ، ص92.

(3) سعيد بسطامي محمد، مفهوم تجديد الدين، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة، ط1، 2012م، ص10.

(4) يوسف القرضاوي، هموم المسلم المعاصر ، مكتبة التراث الإسلامي،  القاهرة، ط1، 1988م.، ص31.

(5) وحيد الدين خان، تجديد علوم الدين، دار الفكر، القاهرة، ط 3، 1986م، ص9.

(6) رواه أبو داود في السنن رقم (4291) وصححه السخاوي في ” المقاصد الحسنة ” (149)، والألباني في ” السلسلة الصحيحة ” رقم (599).

(7) فتحي حسن ملكاوي، التراث التربوي الإسلامي: حالة البحث فيه، ولمحات من تطوره، وقطوف من نصوصه ومدارسه، والكتاب هو الأول من ثلاثة كتب لدراسة التراث، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى 1439هـ / 2018م، ص37 .

 (8)يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، ط2، 1989م، ص173.

 (9)أحمد العماري، نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1997م، ص188.

 (10)نفس المرجع، نفس الصفحة.

(11) يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم للنشر والتوزيع، الكويت، ط1، 1416ه/ 1996م. ط2، ص183.

(12) يوسف القرضاوي، خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، القاهرة، دار الشروق، ط 1، 2004م، ص17.

(13) مصطفى أحمد سيد، تنافسية التعليم الجامعي في القرن الحادي والعشرين، مجلة التربية القطرية، الدوحة، العدد 144، س 32، مارس 2003 ، ص 124-125.

(14) حجازي مصطفى، العولمة والتنشئة المستقبلية، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة البحرينن العدد 2، صيف 1991 م، ص 22.

(15) الخلف وفرحات، مناهج التعليم الديني، دار الفكر، بيروت، ج 2، 2005م، ص508-509.

(16) الصمدي خالد وآخرون، تكنولوجيا الإعلام والتواصل وتوظيفها في تعليم التربية الإسلامية (دليل المعلم)، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط، 1424ه/ 2003م، ص147.

(17) زهران سناء حامد، إرشادات الصحة النفسية، عالم الكتب، القاهرة، 2008م، ص111.

(18) محمد عبد العليم مرسي، الثقافة والغزو الثقافي في دول الخليج العربية – نظرة إسلامية -، مكتبة العبيكان، الرياض، السعودية، ط1، 1415ه/ 1995م، ص 136.

(19) مصطفى السباعي، هذا هو الإسلام، المكتب الإسلامي، بيروت، ج2، ط1، 1400هـ/1979م، ص 12.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. هيلمي محمد يقول

    احسنت صديقي ❤

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.