الحاجة إلى التجديد في طريقة تدريس العلوم الاسلامية (1) منهج التعليم الشرعي

توطئة :

           إن تدريس العلوم الإسلامية في ظل التطور العلمي الذي يشهده العالم اليوم في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في طرق وأساليب تدريس هذه العلوم ،وذلك بالاستخدام الأمثل للتقنيات الحديثة في التربية والتكوين و استغلالها في تطوير مناهج البحث و التدريس وفق الاتجاهات التربوية الحديثة التي تجعل من أولوياتها رفع الكفاءة العلمية للطلاب وضمان الجودة الشاملة بما يواكب متطلبات العصر، مع الحفاظ في نفس الآن على المقاصد الشرعية من هذه العلوم.

           وفي هذا السياق، تتمحور إشكالية هذا البحث المتواضع في التساؤل الجوهري التالي:

كيف يمكن تطوير مناهج تدريس العلوم الإسلامية لتواكب مستجدات العصر وفي نفس الآن تحافظ على المقاصد الشرعية منها؟، وماهي بعض النماذج التي يمكن تبنيها من أجل الرقي بالجامعات الإسلامية والمؤسسات التعليمية تماشيا مع المتغيرات العالمية الحالية، والتجديد الذي يشهده الواقع في شتى المجالات ؟!

 

 

             التجديد” من المصطلحات التي حظيت بالكثير من الاهتمام وتسليط الضوء لأكثر من عدة عقود من الزمن ظهر خلالها صراع الأجيال نحو إرادة التغيير أو إلف القديم كما استُغلت مناهج التجديد في القرن الماضي للخوض بها في معارك الإصلاح السياسي كأداة لتطوير فكر المجتمع ومؤسّساته الدينيّة المسيطرة على الرأي العام في كثير من البلاد الإسلامية من أجل تسييسها وتهميشها ضمن مسارات الدولة الحديثة، كما حصل في تركيا بعد أتاتورك وانقلابه على الخلافة عام 1924م، وما حدث في الأزهر بعد ثورة يوليو 1953م، وما فعله ساطع الحصري في سوريا والعراق إبان توليه وزارة المعارف في العشرينيّات الميلادية، وما يحصل هذه الأيام من إغلاقٍ للمدارس والمعاهد الدينية في كثير من دول المنطقة ولكنه في هذه المرة يجري من غير انقلاب أو ثورة!.. هذا التاريخ الذي لا يزال يحكي صراع التجديد وتحدياته وتجاربه وتخيلاته بين أدعيائه وأعدائه هو ما نحتاج أن نقف معه، ونعيد النظر فيه بشكل جادّ ومستمر حول مفاهيم وآليات التجديد، وبخاصة في العلوم الشرعية ،هذه العلوم التي كانت فخر الأمة ومصدر عزتها وحضارتها لا يمكن أن تكون هي ذاتها سبب تخلفها وضعفها كما يتذرع منتقدوها، والواقع المعاصر يؤكد أن علوم الشريعة قد أصبحت ملجأً للضعفاء وموئلاً للكسالى ووصمة تخلف وسمة انتقاص لطلاب الشريعة وفقهائها في بعض المجتمعات الإسلامية!![1]

            إن هذه النظرة الدونيّة لتلك العلوم ليست دائماً تآمراً من الأعداء ومكائد ضد الإسلام -كما يتصور البعض- بل  إن تفريطنا في المحافظة على علومنا، وتنقية تراثنا، وإصلاح مناهجنا، ثم إهمال تطويرها لمواكبة المستجدات المعاصرة، وإيجاد الحلول لمشكلاتنا الفكرية والحياتية المختلفة سوف يُغيّب هذه العلوم عن الحياة المعاصرة، وينمي الرغبة للحلول المستورد  .             إننا في حاجة ماسّة لتفعيل دور تلك العلوم لتفي باحتياجاتنا وتواكب متغيرات مجتمعنا المعقّدة، ونقوم فعلاً لا لفظاً بالدور التجديدي لها من غير أن نلغي أو نبدّل .
         فالمعارف البشرية إذا توقّفت عن الإبداع والتجديد تأسنت في عقول أصحابها وشاخت أفكار روادها، وأرغمتهم نحو التبعيّة والانسياق في ركب الأمم المتقدمة، وتصبح علومهم مهما كانت نفاسَتها كالنقود التي ولّى زمانها وذهبت قيمتها.

            ومن المؤسف أن دعوات التجديد ارتبطت في ذهن البعض بأنموذج خاطئ أراد محو الماضي، وإبدال الوحي المعصوم بآراء بشرية تحكمها مصالح آنية، وهم كما قال فيهم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: “إنَّهم يريدون أن يجدِّدوا الدين واللغة ‏والشمس والقمر!!”[2] فهذا التطرف في دعوى التجديد لا ينبغي أن يقابله تطرّف في الانغلاق والتقليد، وأحسب أن أهل العلم والبصيرة من حملة العلوم الشرعية على عاتقهم مهمة كبرى تلزمهم المبادرة في وضع مناهج ورؤى جديدة في تصنيف وتدريس وتنزيل العلوم الشرعية على معاش الناس واحتياج مجتمعاتهم الحاليّة والمستقبليّة دون الغفلة عن تكوين الطالب والمعلم التكوين الذي يؤهله للتعايش الإيجابي مع واقعه وتعميق وعيه بمجريات الأحداث التي حوله ، فحالات النهوض والتجديد في تاريخ علومنا الشرعية تعدّ منارات عطاء وهداية للأجيال اللاحقة، أضاءها الشافعي في رسالته والغزالي في مصنفاته الفقهية وابن تيمية في فتاواه واختياراته والشاطبي في موافقاته، وغيرهم من رواد التجديد الديني في مسيرتهم الصادقة والمتتابعة كما أخبر عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا” [3]

1ــ منهج التعليم الشرعي:

           لا شك أن تطوير المناهج عامل أساسي في مقومات العملية التعليمية ، فهو ليس عملا اختياريا أو احتماليا ، ولكنه عمل حتمي، إذ لا يمكن للمعاهد الشرعية أن تحقق أهدافها إلا بإنجازه على أفضل وجه ممكن . ولا شك أن الحاجة ملحة لإعادة النظر في مناهج المعاهد والكليات الشرعية  وتطويرها خاصة في زماننا الراهن الذي باتت المشكلات تعصف بعالمنا الإسلامي ، وفي زمن صارت العولمة شعاره ، والعلمانية دثاره . ولا أريد الخوض في دواعي تطوير الكليات الشرعية ، لأن الواقع يغني عن الخوض في هذا المضمار ، ويكفي للتدليل على ذلك عجز المناهج الحالية ، وعدم قدرتها على الإسهام الفعال في توجيه التغيير الاجتماعي ، أو المساهمة في حل مشكلات المجتمع.[4]

             فلابد لنا من منهجين يمضيان معًا،لا ينفك أحدهما عن الآخر، منهج في تلقي العلوم الشرعية ومنهج في التربية، لأن أصول المنهج ثلاثة : التوحيد والاتباع والتزكية. يقول سبحانه:” ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم”[5].

            وقوله تعالى:” لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين “[6]
           وقال جل وعلا : ” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين” [7]
            فرسالة الأنبياء وورثتهم من بعدهم تتناول تلك الجوانب الثلاثة، فلابد من علم وعمل ودعوة ،ولابد من تزكية للنفوس وشحذ للعقول ، والمنهج الذي لا يراعي هذه الجوانب الثلاثة منهج يجانب الصواب [8]

لذا أقترح لتحقيق هذه الأهداف ما يلي :
أ –  ملاءمة هذه المناهج لتطور مراحل النمو الفكري والعقلي لطلاب العلوم الشرعية .
ب -مراعاة التكامل في المادة العلمية بين مقررات التعليم العام ومقررات الكليات الشرعية سعيا لتحقيق الوحدة الفكرية بين أبناء المجتمع .
ج ــــ مواكبة هذه المنـاهـج لروح العصر ومتطلباته والعمـل على استيعـاب المتغيرات ومعالجـة المشكلات وملاحقة علوم العصر .

د ــ إضافة دراسات علمية مساندة تطبيقية اختيارية إلى جانب دراسة الطالب في الكلية لتفتح أمامه المجال لدراسة أكاديمية في هذه العلوم ، كي تتاح للخريج خيارات متنوعة، فيزول بذلك الانفصام المفتعل بين رغبة الطالب في تعلم دينه والتخصص في العلوم الشرعية وبين تأمين مستقبله الاجتماعي، وتحقيق أمنه الوظيفي ،  إذ إن إدخال الدراسات المساندة من شأنه أن يزيل الصراع الذي يعيشه الطالب بين الحفاظ على هويته وتأمين مستقبله ،”فالصنائع لا بد لها من العلم”[9]. ولنا في سلفنا أسوة حسنة، فالكثير منهم إلى جانب تخصصه الشرعي ، كان متخصصا في علوم أخرى كالطب والهندسة وغيرهما ، من هؤلاء الغزالي، ابن رشد ، الرازي ، ابن النفيس ، القرافي… ، وغيرهم .
هـ – تضمين هذه المناهج الدراسية ما يطرح من أفكار ونظريات في المجالات الحياتية ومواكبة الخطط التنموية المطلوبة للمجتمع .
و – العناية بطرق التفكير ، وحل المشكلات ، والتنسيق والتكامل الرأسي والأفقي بين الخبرات.
زــ التركيز على المهارات العملية ، وتوسيع دور المكتبات ، والمعامل ، والمختبرات ، والورشات والرحلات في تنفيذ أهداف المناهج ، كل ذلك دون الإخلال بالمتطلبات الأساسية لإعداد طالب العلم الشرعي من علوم شرعية ، وعلوم مساندة .
ن ــــــ  اتباع الطرق العلمية في تقويم المناهج التعليمية ، والاستفادة من نتائجه في تطوير تلك المناهج ،لأن عملية تطوير المناهج لا ينبغي أن تتم دون ضبط علمي، ومنهجية سليمة حيث إن غياب هذين المحورين من شأنه أن يخضع عملية التطوير للأهواء الشخصية .[10]

1ـ للمزيد من التفصيل ينظر أثر المنهج الأصولي في ترشيد العمل الإسلامي للدكتور مسفر بن علي القحطاني ص119 ومابعدها.

 تحت راية القرآن 1/2[2]

 أخرجه أبو داود في سننه وصححه الحاكم في مستدركه[3]

  ينظر استراتيجيات تطوير المناهج وأساليب التدريس الحديثة .  الباب الأول ص 11 ومابعدها [4]

البقرة/129 5

 آل عمران/164 [6]

الجمعة/2 [7]

 www .islam .door من مقال للشيخ حسين يعقوب بعنوان نحو منهج عملي في طلب العلوم الشرعية على الرابط [8]

 مقدمة ابن خلدون 2/68[9]

 WWW .dralsherif .netعلى الرابط  10 تطوير المناهج التعليمية في كليات الدراسات الشرعية مقال للدكتور محمد بن عبد الغفار   

اظهر المزيد

إسماعيل حضري

باحث في أصول الققه/ أرفود، المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: