التفكر وفاعليته الإيمانية

عبادة مهمة يغفل عنها الكثير من الناس، وهي عبادة التفكر. يغفلون عنها لأن واقع الفتنة يسدّ علينا كل الجهات التي يمكن أن تصيبنا منها رياح اليقظة من أجل التفكر، ويغلق علينا جميع المنافذ التي يمكن أن نبصر بها ما حولنا من آيات الله وآلائه فينبعث فينا روح التفكر. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان ليلة من الليالي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي، قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا. لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. ثم قرأ:[ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعودًا وَعَلَى جُنوبِهِمْ وَيَتَفكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]آل عمران190-191 .
قال أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة.
ولما سئلت أم الدرداء عن أفضل عبادة أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ(إذا زلزلت) و(القارعة) لا أزيد عليهما وأتردد فيهما وأتفكر أحبّ إليّ من أن أهذّ القرآن ليلتي هذًا ـ أو قال: أنثره نثرًا.
وعن طاوس قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: يا روح الله، هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم من كان منطقه ذكرًا وصمته فكرًا ونظره عبرة فإنه مثلي.
وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول: يا لقمان إنك تديم الجلوس وحدك! فلو جلست مع الناس كان آنس لك، فيقول لقمان: إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة.
وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم. وما علم امرؤ قط إلا عمل.
وقال عمر بن عبد العزيز: الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة. قال عبد الله بن المبارك يوماً لسهل بن علي -ورآه ساكتا متفكراً-: أين بلغت؟ قال: الصراط.
وقال بِشْر: لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل. وعن ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب. وقيل: تفكر ساعة يعدل عبادة سنة.
فما هو التفكر؟ وما المواضيع التي ينبغي التفكر فيها؟
هناك التفكر وهناك التفكير. فالتفكير يكون بالعقل، ويوصل صاحبه إلى نتائج عقلية فكرية. أما التفكر فيكون بالقلب، ويوصل صاحبه إلى نتائج قلبية إيمانية. التفكير يعرّفك على الكون. والتفكر يعرّفك على المكوِّن الذي خلق هذا الكون وما فيه.
أما من بين المواضيع التي بسطها لنا الله تعالى في كتابه العزيز لنتفكر فيها حتى نعتبر فهي:
1- التفكر في النفس: يقول الله تعالى:[ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض إلا بالحق] الروم:8، وذلك لمعرفتها على حقيقتها وطبيعتها. فقد قيل: من عرف نفسه عرف ربه.
2- التفكر في السموات والأرض: يقول الله تعالى:[ ويتفكرون في خلق السموات والأرض]. وذلك بالنظر في المخلوقات كيف خلقها الله تعالى وأبدعها. جاء رجل للإمام الشافعي وسأله: يا إمام ما الدليل على وحدانية الله عز وجل؟ قال: الدليل على وحدانية الله تعالى ورقة التوت. فسأله الرجل وكيف ذلك؟ أجابه: الدودة تأكل الورقة فتُخرج حريرا طريا، والنحل يأكل الورقة فتخرجها عسلا شهيا، والشاة تأكل الورقة فتخرجها لبن نديا، والغزال يأكل الورقة فيخرجها مسكا نقيا. المادة واحدة والصنعة مختلفة فمن الصانع.
3- التفكر في الدنيا والآخرة: يقول الله تعالى:[ وكذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون. في الدنيا والآخرة]البقرة:219. وذلك بالتفكر في الدنيا وزوالها وفنائها وتقلبها بأصحابها وفي فتنتها وشهواتها. والتفكر في الآخرة بذكر الموت والقبر والبعث والنشور والميزان والصراط والجنة أو النار.

وحتى تنجح عملية التفكر وتكون لها الفاعلية الإيمانية بمعنى أن يتقوّى يزداد منها المتفَكّر إيمانا، وتكون لها نتائج اعتبار واستبصار، لا بد أن تتأسس هذه العملية على أساس ذكر الله تعالى. يقول الله تعالى:[ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض]آل عمران:191. فالإكثار من ذكر الله تعالى قبل التفكر وأثناءه يجعل المتفكر في حالة من الخشوع والخضوع والتعظيم الكبير لله تعالى. لأن مباشرة بعد أن ذكر الله تعالى الذكر والتفكر ذكر النتيجة الإيمانية والعبرة الكونية:[ ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك، فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وما للظالمين من أنصار. ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا..]آل عمران:191-193. فكلما أكثر المتفكر من ذكر الله تعالى كلما أصقلت بصيرته فيرى من الحقائق ما لا يرى غيره، ويدرك من العبر ما لا يدركه غيره.
والذكر عبادة يحبها الله تعالى كثيرا، ويثيب عليها ثوابا كبيرا، عبادة في مقدور واستطاعة أي عبد أو أمة لله تعالى أن يؤديها في أي وقت وفي أي مكان. عبادة مكانتها عند الله بدليل الأحاديث أفضل من إنفاق الذهب والفضة، ومن مواجهة العدو بالقتال. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:” ألا أنبئكم بخير أعمالكم (خير اسم تفضيل)، وأزكاها عند مليككم (أرقاها عند الله عز وجل)، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق (الفضة)، وخير لكم من أن تلقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى” .

والعبادات كلها ما شرعت إلا لذكر الله تعالى. يقول الله تعالى:[ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري]طه:14. ويقول سبحانه:[ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر]العنكبوت:45. ومن الذكر نجد الاستغفار (رب اغفرلي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله)، التسبيح (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، تلاوة القرآن وهو ذكر كله.
الذكر حقّ الذكر هو الذكر المقيّد بالطهارة والجلوس له واستقبال القبلة والصيغ النبوية. ويسميه أهل التربية بالورد. ومن لا ورد له لا وارد له. يعني من لا ذكر له بهذا الشكل لا مصدر له للإيمان ولا منبع له يغترف منه. وهناك الذكر المطلق المرتبط بالعبادات والأحوال. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل حال.
وقيل: ذكر مع غفلة خير من غفلة عن الذكر، وذكر مع حضور خير من ذكر مع غفلة، وذكر مع الغيبة عما سوى المذكور خير من ذكر مع حضور.
ومن أعظم فوائد الذكر إلى جانب تطهير القلب وتوجيه التفكر نحو الفاعلية الإيمانية، أنه يرفع صاحبه إلى مقام التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله تعالى:[لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا]الأحزاب:21.
في خلاصة القول، إن الحديث عن التفكر وما يتأسس عليه من ذكر لله تعالى حتى تكون له الفاعلية الإيمانية هو الذي يعطي للعبد القيمة الحقيقية عند الله تعالى، وليس المقياس المادي الذي يعتمد على ما يملكه من مال أو شهادة أو نسب أو حسب. وهو كذلك الذي يردّ الإنسان إلى حالته الفطرية الأولى السليمة والنقية التي خلقنا الله تعالى عليها، وأرادنا سبحانه أن نكون عليها، ويريدنا أن نلقاه بها. [يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم]الشعراء:88-89.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: