التعصيب في الارث بين دعوى الالغاء وواجب الابقاء

 

شهد بلدنا الحبيب نقاشا حادا بخصوص نظام الإرث عموما ومسألة التعصيب خصوصا، وقد اتخذ النقاش أشكالا ومسارات مختلفة، ونتج عنه مواقف متباينة.

وإجمالا يمكن التمييز بين دعاوى إديولوجية مغرضة تتقمص زورا ثوب “المنقذ المخلص” وتختبئ خلف مقولات “المساواة” و”الإنصاف” و”الحرية”…

وبين دعاوى غاضها “وضع بئيس” و”فقه حبيس”…لكنها أخطأت الطريق وخانها التوفيق.

سياق الدعوى ومبرراتها:

لم تكن دعوى “ظلم” نظام الإرث في الإسلام في نسختها المغربية بدعا من الدعاوى التي شهدتها دول مجاورة مثل مصر وتونس…، فما فتئ دعاة “التحرير” يوجهون سهامهم السامة إلى شريعتنا السمحة، باذلين جهدهم غير مقصرين، مسخرين كل ممكن ومتاح…

وقد بدأ النقاش حول مسألة الإرث بشن حملة تحريفية تضليلية ضد قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] فلما ووجهت بالدلالات القاطعة والردود الدامغة، انتقل الطعن إلى السنة النبوية وإلى التعصيب في الإرث، ظنا أن هذا الحائط أقصر ومسلكه أيسر.

  • العريضة المطالبة بإلغاء نظام التعصيب:

وفي هذا السياق وقعت مجموعة من الفعاليات الحقوقية والجمعوية والإعلامية لائحة تدعو فيها إلى “إلغاء نظام الإرث عن طريق التعصيب من قانون المواريث المغربي”، ومن ضمن الأسماء التي ضمتها اللائحة شخصيات إسلامية وليبرالية ويسارية. ومن أبرز تلك الأسماء آيت إيدر محمد بنسعيد، والأشعري محمد، ومفيد خديجة، مديرة مركز دراسات الأسرة والبحوث في القيم والقوانين، ورفيقي محمد عبد الوهاب، والرياضي خديجة، وجبرون امحمد، والطوزي محمد، والمرابط أسماء.

  • مبررات الدعوة إلى إلغاء نظام التعصيب:

قدم دعاة “الإلغاء” مبررات زعموا لها “الحجية” و”الموضوعية” و”الصواب” لكي يخلصوا إلى مرادهم، ويحققوا مقصودهم.

فالأستاذ (أبو حفص) يرى أن هذا النظام الظالم(يقصد بعض صور التعصيب) ليس له من سند في القرآن النص المؤسس والأول للإسلام. وأن الشريعة ليست نصوصا تفصيلية ولا جزئية، بل الشريعة هي العدل، وبالتالي كل من يقف أمام تحقيق العدل بين الناس، ويمنع تطور القوانين بما يتناسب مع دوام هذه القيمة واستمرارها، فهو يعادي الشريعة ويعرضها للتهمة.

وأوضح رفيقي، أن التعصيب المقصود بالنداء والعريضة، لا يشمل كل أنواع التعصيب، وإنما المقصود حالات التعصيب التي يقع فيها على المرأة ظلم بين لا يمكن قبوله، ولا التبرير له باجتهادات قديمة تغيرت كل السياقات المحيطة بها تغيرا جذريا وكبيرا.

ومن صور ذلك:

‑ وفاة الميت تاركا خلفه بنتا أو عددا من البنات دون وجود ذكر معهن، فيأتي أي قريب من جهة الأب دون الأم ولو كان بعيدا كعم أو ابن عم أو ابن ابن عم ولو نزل، فيقاسم البنت أو البنات تركة والدهن، مع أنه لم تكن له أي رابطة بهن سوى تلك القرابة النسبية، لم ينفق عليهن يوما ولا تحمل من أجلهن درهما، ولا شارك في تكوين تلك الثروة ولا حضر جمعها، ليكون له هذا كل هذا النصيب من التركة.

‑ إرث أخت الميت نصف التركة حال موته عن بنت واحدة، وثلثها حالة موته عن بنتين فأكثر، مع أن تلك الأخت قد أسست أسرتها المستقلة، وانفصلت معيشيا وحياتيا عن ذلك الميت، ولم تكن لها أي مساهمة في تكوين أسرته…

واحتج بقول الله تعالى في حق الأخ:) وهو يرثها إن لم يكن لها ولد(، أي أن الأخ يرث تركة أخته بشرط عدم وجود الولد، فإن وجد الولد فلا شيء له، والولد يشمل الذكر والأنثى خلافا للفقه الذكوري الذي حصره في الذكور دون الإناث.

أما امحمد جبرون فيرى أن الاجتهاد في الشريعة وبخاصة في باب المعاملات مما درج عليه المسلمون منذ القدم، وهو علامة صحة وعافية، وأمثلة الاجتهاد مع وجود النص كثيرة ومتعددة من زمان الخليفة عمر رضي الله عنه إلى يومنا هذا، وأن الاجتهاد في قضايا الإصلاح والتحديث منذ القرن 19م، لم يعد مسألة خاصة بعلماء الشريعة بالمعنى الضيق بل يحتاج إلى فقهاء السوسيولوجيا والتاريخ والاقتصاد والقانون.. بالإضافة إلى علماء الفقه والأصول.

ويرى ابن الأزرق أن منظومة الإرث الموروثة هي خليط من أحكام قرآنية وتعليمات نبوية وعادات جاهلية تحوّلت شريعة نهائية. وأن واقعنا غير واقع جيل تأسيس منظومة الإرث، حيث كان الأصل عندهم العرف العشائري جنبا إلى القرآن والسنة بل مقدما عليهما في كثير من الحالات، بدليل أنهم حرموا الجدّ لأم وأبناء البنت والعمة وبنت الأخ والخال وعمومة الأم بلا حجة من الكتاب والسنة. ويرى بأن قاعدة “كل من أدلى إلى الميت بأنثى لا يرث” بدعة وقاعدة جاهلية، بدليل توريث الإخوة لأم والجدة لأم.

  • العريضة المضادة:

وقعها باحثون وحقوقيون وسياسيون وأساتذة جامعيون وإعلاميون وناشطون مدنيون، واعتبروا الدعوة إلى إلغاء حكم التعصيب خطوة يرمي أصحابها إلى الإلغاء التام لنظام الإرث، وطالبوا من خلالها مؤسسات الدولة العلمية بالتدخل لرد ما سمّوه بـ”الاعتداء الصريح” على الدين والهوية.

وجاء على رأس الموقعين حماد القباج وبلال التليدي، وإدريس الخرشاف، ومولاي عمر بنحماد، ومحمد بولوز، وأحمد الشقيري الديني، ولطفي الحضري أستاذ جامعي ورئيس مركز علم النفس الفطري، و محمد خليدي الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة.

  • مواقف العلماء من عريضة “الإلغاء”:
  • موقف د.أحمد الريسوني: “ المساواة في الإرث: العرائض لا تلغي الفرائض”

رفض التوقيع على العريضة المضادة على الرغم من اتفاقه المبدئي على مضمونها، وذلك لأسباب:

‑ الإرث فريضة شرعية، والفرائض لا تلغى أو تعدل بالعرائض.

‑ المسائل العلمية لا ينبغي إخضاعها للغوغائية والشعبوية والحزبية…

‑ عدد الموقعين على العريضة الأصلية (100) لا قيمة له بالمقارنة مع عموم الشعب المغربي(35مليون).

‑ ضرورة اعتماد المنهج العلمي في دحض دعاوى المطالبين بإلغاء التعصيب.

  • موقف د. مصطفى بن حمزة:

طالب د. مصطفى بن حمزة، بضرورة إبعاد إرث المرأة عن التوظيفات الإيديولوجية والسياسية.

وبين أن “من يتم توريثهم في أكثر النظم هم الزوجة والأبناء غالبا” وأن “قاعدة إرث النساء في نظام الإرث في الشريعة واسعة جدا، والوارثات من النساء في الإسلام عشر، ولسن امرأة أو امرأتين”. وأن من تتبع أبواب الفقه من حضانة ونفقة… يجد “العدل” مقصدا واقعا.

  • موقف د. محمد الروكي: “المطالبة بالتسوية بين الرجل والمرأة في الإرث تمرد على الشريعة وتطاول على الله”

قال د. الروكي: “إن أصول نظام الإرث هي من قطعيات الشريعة، وهي داخلة فيما يسميه الفقهاء بالمقدرات الشرعية التي لا مجال فيها للرأي والاجتهاد؛ لأن النصوص الشرعية بينتها وفصلتها وقررت أحكامها على وجه لا يختلف فيه عالمان، ولا يتنازع فيه عاقلان”.

ودافع الروكي على قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين”، واعتبر المفاضلة بين الذكر والأنثى من أمهات أصول الدين التي يقوم عليها نظام الإرث، وأوضح أن هذه المفاضلة مقصودة من الشرع ومطلوبة الفعل من جهة، ومن جهة ثانية فهي عين العدل، لأنها مبينة على أسباب وعلل توجبها عقلا وطبعا، فضلا عن أنها توجبها شرعا، ومن جهة ثالثة فهذه المفاضلة لا تنافي مبدأ المساواة وتقررها على مستوى أوسع وأعمق.

  • موقف د. عبد الصمد الرضى:

يرى بأن التعصيب لا يختص بالذكور فقط كما تدعي العريضة، بل هو أنواع ثلاثة: تعصيب بالنفس(خاص بالذكور)، وتعصيب مع الغير(ذكور مع إناث)، وتعصيب بالغير(إناث مع إناث).

وأن في الشريعة مخارج شرعية وقانونية لصون حق البنات في ثروة أبيهم (هبة، عمرى، عقبى… ).

وأن التعصيب لم يفرضه الواقع الاجتماعي التاريخي، بل هو حكم منصوص في الكتاب والسنة.

وختم بالدعوة إلى حل مشكلاتنا الاجتماعية والقانونية والسياسية والثقافية من صميم انتمائنا الحضاري والتاريخي العميق في الزمن الماضي، والممتد في آفاق المستقبل المشرق للإنسانية ببشارة الإسلام.

  • موقف د. محماد رفيع: “ظاهرة المطالبة بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث.. بين دعوى الاجتهاد وحقيقة الاعتراض”

يرى بأن القول بالمساواة مظهر من مظاهر التبعية والاستلاب للآخر، وأن المساواة بمعناها الميكانيكي لا توجد إلا في الأذهان، ثم استغرب لحصر المطالبة بالمساواة في شريعة الإسلام دون غيرها من الشرائع، وأكد أن مسألة الإرث من القطعيات التي لا تقبل التأويل، ثم بين الحالات المتعددة التي ترث فيها المرأة، وختم ببيان عدالة نظام الإرث وأسسه الدقيقة التي قام عليها.

ملاحظات:

‑ دعاة “الإلغاء” ليسوا على قلب رجل واحد، فمنهم الحاقد الناقم، ومنهم الغيور المغفل.

‑ خلط فظيع وجهل قبيح لدى البعض بحقيقة الإرث وأسسه، ومقاصده، وأحكامه.

‑ محاولة البعض استمالة المشاعر بذكر أمثلة وصور خادعة لا ترقى لإلغاء القواعد المطردة.

‑ المسائل العلمية لا ينبغي تأجيل النقاش فيها، بل يتعين تحرير القول فيها من ذوي الأهلية والاختصاص.

اظهر المزيد

د. محمد الجعواني

حاصل على الدكتوراه في فقه الأموال، خريج دار الحديث الحسنية، وباحث في المالية الاسلامية، وأستاذ التربية الاسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: