fbpx

التصوف: عموم الإصطلاح و خصوصية الممارسة (1)

 

تقديم
إن موضوع التصوف بشكل عام قد أسال الكثير من المداد، و أفردت له العديد من الدراسات، سواء من حيث التعريف به و برجالاته، أو من خلال الدراسات التاريخية التي ألقت الكثير من الضوء على الدور الذي قام به في مختلف تقاطبات علاقاته مع السلطة و المجتمع. لكن رغم ذلك علينا أن نعترف أن موضوع التصوف لا يمكن الإلمام به بشكل كلي، أو الإحاطة بمفاهيمه المتعددة، و اصطلاحاته المختلفة باختلاف توجهات أقطابه، -على الأقل في هذه المساحة الضيقة-، بما أثاره و لا يزال من إشكالات متناثرة و متنافرة لكل من اقترب من ساحته محاولا استشفاف متاهاته، أو مراوغة حقيقته، أو تثبيت وهمه، رغم كل المحاولات الجادة التي بذلت لسبر أغواره، ربما لخصائصه المتفردة النابعة من تسربله بالغيب، و تدثره بالميتافيزيقيا..
نعم ! فالتصوف هو الحقيقة والوهم، هو الصدق والادعاء، أو بشكل مجمل: هو النقيض ونقيضه، حسب موقع الدارس ووجهته، وتوجهه.
فإذا كان للمتصوفة دائما تلك النظرة الخاصة للحياة والوجود، من خلال رؤية فلسفية متفردة توحي بالإنعزال، فإنهم من جهة أخرى امتلكوا أدوات التفعيل الاجتماعي، من خلال وظيفة فعلية ذات بعد مجتمعي أفقي، في علاقة عمودية مع السلطة، متأثرة ومؤثرة.
و حسبنا من الموضوع أن نعرّف في هذا العرض، بالتصوف كفاعل أثر في مجريات الأحداث في علاقاتها بالمجتمع و السلطة و المجال، في مختلف البلاد الإسلامية، و خاصة بلاد المغرب الأقصى و امتداداته.. من خلال الإجابة على مجموعة من الأسئلة ذات الصلة:
المفهوم العام للتصوف؟ مفهومه الاصطلاحي لدى أهله من المتصوفة على اختلاف مشاربهم؟ سياقات ظهور التصوف في البلاد الإسلامية وفي المغرب؟ أنواع التصوف الإسلامي وعلاقته بالفكر الفلسفي؟ ثم الوظيفة الاجتماعية التي كان يمارسها المتصوفة بشكل عام، و دور آليات التصوف –إن صح التعبير_ في حشد الأتباع –المريدين- كالكرامات الخارقة للعادة، و الممارسات الجالبة للتعاطف والتأييد..الخ

المحور الأول: مفهوم التصوف
1. في اللغة
عرف مفهوم التصوف اختلافا كبيرا بين كل من حاول التأصيل لجذره اللغوي، فمن قائل بأن الكلمة يرجع أصلها إلى أهل الصفة، من فقراء المهاجرين في عهد الرسول عليه الصلاة و السلام، الذين كانوا يسكنون صفة المسجد، و ليس لهم من عمل إلا التعبد، و انتظار وقت الجهاد، إلى آخرين ينسبون الكلمة إلى الصوف، على اعتبار أن المتصوفة كانوا زهادا في الغالب، و الصوف هو رمز التقشف و الابتعاد عن الدنيا، فسموا باسمه، و هناك فريق آخر يرجع الكلمة إلى أصل يوناني، و تحديدا كلمة صوفيا SOPHIA و التي يدل معناها على الحكمة و المعرفة، و منها اشتقت كلمة PHILOSOPHIE “الفلسفة”، إلى غير ذلك من الاشتقاقات اللغوية الكثيرة التي عرفها المفهوم. لكن في كثير من الأحيان يختزل الاختلاف حول أصل المصطلح في تعريفين اثنين: الصوف أو الصفاء.
يقول “خالد زهري” في استنتاجه حول تعريف التصوف في مقاله “التصوف قراءة في الاصطلاح والتنظير” : ” ومهما يكن من أمر، فقد كان التكلف واضحا في اشتقاقهم ولم يساعدهم القياس اللغوي في ضبط أصل عربي للمصطلح، فلم يبق إلا أنه لقب وضع لطائفة المتصوفة علَما لهم يتميزون به، ثم تصرف في ذلك اللقب بالاشتقاق منه”.
يقول ابن خلدون في المقدمة:” قال القشيري رحمه الله: ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفاء أو من الصُّفّة فبعيد من جهة القياس اللغوي، قال: وكذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه… قلت: والأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف”.
ويتجاوز الاختلاف حول مفهوم التصوف الاشتقاقات اللغوية، ليصل إلى المضمون واصطلاحات التنزيل، بحكم اختلاف مدارسه ومذاهبه وسياقاته التاريخية.

2. في الاصطلاح
ظهر التصوف كمنهج وطريق تعبدية عند المسلمين، منذ القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، من طرف من سموا بالمتصوفة، وهم أناس مختلفون في سياقات ظهورهم، و دواعي انتهاجهم لهذه الطريق. وقد لا نأتي ببدع من القول إن جزمنا أن التصوف لا يمكن إفراده بتعريف واحد، حتى مع تأكيدنا على توحد الهدف من سلوكه. باعتبار أن التصوف مدارس متعددة الطرق ومختلفة المنهج، ولها هدف واحد اصطلاحي هو الوصول إلى الحقيقة، إما متجلية في معرفة الله عز وجل، عند المتصوفة من أهل الشريعة، وما يرافق هذا من مجاهدة للنفس، و تقوية للروح، من خلال الصبر على العبادة و التعبد، سيرا و سلوكا، و حبا للخلائق، و عشقا للذات الإلهية. أو حقيقة الوجود عند أهل التصوف الفلاسفة كأمثال “ابن رشد” و “الفارابي” و “ابن طفيل” و غيرهم.
و انطلاقا من هذا الغموض الذي يمكن أن يشكله مفهوم التصوف عموما، ارتأينا أن نعتمد في هذا المحور على أمرين أساسيين يمكن اعتمادهما في إدراك جيد لمفهوم التصوف، و إستكناه واف لحقيقته:
الأول هو الأقوال و التعاريف التي قدمها بعض أقطاب التصوف أنفسهم، أو ما جاء في تصانيف مختلفة الاختصاص و التخصص، ممن خاض في الموضوع من جهابذة الفقهاء و المؤرخين أو العلماء.
و الثاني هو بعض المصطلحات و المفاهيم التي لها علاقة بالظاهرة، و التي صبغت التجربة الصوفية، بحيث لا يمكن ذكرها إلا مقرونة أو لصيقة بها.
*أقوال و تعاريف
ابن القيم الجوزية في كتاب “طريق الهجرتين و باب السعادتين” :
“…جملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغُمِرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته. فسرت المحبة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب. قد أنساهم حبه ذكر غيره. وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. قد فَنُوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتّذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره”.
“ابن خلدون” في مقدمته:
“..هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، و أصله أن طريقة هؤلاء القوم، لم تزل عند سلف الأمة و كبارها من الصحابة و التابعين، و من بعدهم، طريقة الحق و الهداية و أصلها العكوف على العبادة و الانقطاع إلى الله تعالى، و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه، و الانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة..”
“أحمد زروق” في كتاب قواعد التصوف:
“..التصوف علم قصد لإصلاح القلوب و إفرادها لله تعالى عما سواه، و الفقه لإصلاح العمل و حفظ النظام و ظهور الحكمة بالأحكام و الأصول، و علم التوحيد لتحقيق المقدمات بالبراهين و تحلية الإيمان بالإيقان كالطب لحفظ الأبدان، و كالنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك..”
*مفاهيم و مصطلحات
يذكر القشيري في رسالته: “باب في تفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة”: مفاهيم عديدة و غير متداولة خارج المؤسسة الصوفية إلا بشكل نادر، منها الحال و المقام، و القبض و البسط، و الهيبة و الأنس، و التواجد و الوجد و الوجود، و الجمع و الفرق، و الفناء و البقاء، و الغيبة و الحضور، و الصحو و السكر، و الذوق و الشرب، و المحو و الإثبات، و القائمة طويلة. و كما يعرف أصحاب هذا الميدان بأنه يصعب الإحاطة بالمعاني الكاملة لهذه الثنائيات المبهمة، بل قد تستحيل إلا على من يلج هذا الميدان و يغرف و يذوق.
يقول الإمام أبي حامد الغزالي في هذا السياق :
” ظهر لي أن أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات .. فعلمت يقيناً أنـهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبقَ إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك”.
من خلال ما سبق يتبين أن للصوفية قاموسهم الخاص، الذي يستنبطون منه مفاهيم لها علاقة بالممارسة الصوفية، و التي من خلاله يمكن لكل دارس لهذا المجال أن يلم بقدر غير ضئيل من المعلومات حوله، فكل مصطلح له حمولته الخاصة، المليئة بالمعاني ذات الدلالة الكامنة وراء ثناياه.
المحور الثاني : نشأة التصوف
كما هو الحال الحاصل في مفهوم التصوف، نجد هناك اختلافا واضحا حول أصله و نشأته، بين مختلف من تناولوا الموضوع، قديما و حديثا، فعند ابن خلدون، و ابن الجوزي، و ابن تيمية، أن التصوف لم يكن معروفا في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، و إنما جاء ذكره بعد ذلك.
يقول ابن تيمية : ” إن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، و إنما اشتهر التكلم به بعد ذلك”
و يقول السهروردي: ” و هذا الاسم لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه و سلم، و قيل : كان في زمن التابعين….و لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة العربية”
و بالمقابل نجد مثلا “ابن عجيبة الحسني” في كتابه الفتوحات الإلهية يقول:
“و قد ذكر في الكتاب الذي جمع فيه أخبار مكة عن محمد بن إسحاق بن يسار، يذكر فيه حديثا : أنه قبل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات، حتى كان لا يطوف بالبيت أحد، و كان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت و ينصرف، فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل الإسلام كان يعرف هذا الإسم، و كان ينسب إليه أهل الفضل و الصلاح، و الله أعلم”
نستنتج من خلال الأقوال السالفة أن هناك تضاربا حول نشأة التصوف، و إذا أضفنا إلى هذا الاختلاف التفسيرات التي ترجع أصله إلى حضارات أخرى، و ديانات خارج الإسلام، فالأمر يزداد غموضا. غير أن أغلب من تناولوا ظاهرة التصوف الإسلامي، قد أرجعوا نشأته إلى القرن الثالث الهجري.
المحور الثالث : أنواع التصوف
عند الخوض في البحث عن التصوف يتضح لنا وجود نوعين، كل واحد منهما يتسم بصفات إما ذات طابع شرعي تحتكم للكتاب و السنة، أو ذات طابع مبتدع تداخلت مع مؤثرات المجتمع لتخلق تصوفا لا يمت إلى الشرع الإسلامي بصلة.
1. التصوف الشرعي (السني):
التصوف السني هو ما كان قرين الزهد و التقليل من متاع الدنيا وملذاتها، وهو امتداد لما كان عليه رسول الله عليه الصلاة و السلام، وصحابته رضي الله عنهم، و إذا كان هذا الزهد لم يعرف باسم التصوف إلا في أواخر القرن الثاني الهجري فإن أصله ومعناه وحقيقته كان معروفا في زمن النبوة.
فالتصوف السني الإسلامي يستمد أصوله من الكتاب و السنة وسيرة الصحابة، فلو رجعنا إلى الكتب الأصلية في التصوف مثلا، لوجدناها لا تترك مفهوم أو اصطلاح أو معنى مهما كان إلا استدلت على مشروعيته بآية أو حديث. كما أنه مضبوط بالفرائض و الشعائر. مع الإكثار من ذكر الله و هو السمة البارزة في السلوك الصوفي، وهو النافدة الروحية التي يطل منها على الكون الفسيح بالاستغراق مع التأمل و التدبر.
و نجد ابن خلدون يتحدث في مقدمته عن التصوف الإسلامي الشرعي حين يقول واصفا إياه بالعلم – وهذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، و أصله أن طريقة هؤلاء القوم لم ينزل عند سلف الأمة و كبارها في الصحابة و التابعين ومن بعدهم طريقة الحق و الهداية، و أصلها العكوف على العبادة، و الانقطاع إلى الله تعالى، و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال و جاه، و الإنفراد عن الخلق و الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة و السلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية…)
2. التصوف الغير الشرعي (المبتدع):
التصوف المبتدع أو الغير شرعي خليط من التصوف الإسلامي و التصوف الجاهلي، وقد يكون رجاله أهل علم و أصحاب نوايا حسنة، و أثرت فيهم العادات السائدة في عصرهم. و النماذج كثيرة لهذا النوع نأخذ منها مثلا في بلاد المغرب كما يصف لنا “محمد داود” صاحب تاريخ تطوان عوائد الطائفة “الحمدوشية” و “العيساوية”، التي أصبحت أعرافها تمارس في المواسم و الأعياد الدينية، فأصحاب هذه الطريقة يخرجون مصحوبين بأدواتهم من طبول و غيرها، ويطوفون بالمدينة يبقروا بطون المعز و يمزقون أحشائها … فتلوث أيديهم و ثيابهم بالدماء و يأكلون تلك اللحوم الملوثة بها و بغيرها من الفضلات.
كما نجد نفس مظاهر العنف و الابتداع تتكرر مع الطريقة “الحمدوشية”، حيث يتفنن الأتباع في شذخ رؤوسهم بالشواقير و الكور الحديدية أو الخشبية المسمرة بالمسامير، فتسيل دماء رؤوسهم على وجوههم و ثيابهم و يقطعون النهار بأكمله يطوفون بالمدينة و يعتقدون أنهم يعبدون الله.
والغريب في كل ذلك ليس فقط هذه الممارسات الشنيعة والانحرافات ، و لكن هو أن بعض العلماء و الفقهاء و الأعيان ينظرون بل و يتفرجون- كما يصف محمد داود- على هذه المظاهر التي تمارس باسم الدين من طرف “العيساويين” و “الحمدوشيين”، كأنهم لا يرون فيها شيئا مخالفا للدين و للمروءة و لا للإنسانية.
أما المستشرق “روني برونيل”، فيعطينا صورة أخرى عن أحوال طائفة “هداوة” التي ظهرت في شمال المغرب متزامنة مع “الدرقاوية” و قد ارتبط ذكر هذه الطائفة الشعبية بأخطر آفة اجتماعية، وهي تعاطي الحشيش أو المخدرات، و اعتبارها مقوما من مقومات طقوسها، فكان (الحال الهداوي) يبدأ بالذكر و الجذبة ويكتمل بتدخين الكيف و أكل الحشيش.
كما أن هنالك العديد من الأمثلة في المغرب خاصة، التي تبرز لنا هذا النوع من التصوف المبتدع، تختلف ممارساتها الطقوسية باختلاف الطرق الصوفية التي تنتمي إليها، لكن اقتصرت على هذه الأمثلة لأن الموضوع بمجمله أكبر من أن يكتب فيه مقال أو ينجز فيه عرض بهذا الحجم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: