التأمين التكافلي

لا ينعم الغارس بثمار غرسه إن لم يتعهد الغرس ويواكب مراحل نموه سقيا وتشذيبا ودفعا للمخاطرالمحذقة.

إن مؤسسات الاقتصاد الإسلامي ببلدنا المغرب ـ وعلى رأسها الأبناك التشاركية ـ فسيلة لم تمتد جذورها في النفوس ولم تستأنس بها تربة المجتمع بعد، والتحدي الكبير ليس في وضع هذه الفسيلة وغرسها، وإنما في تعهدها بعد الغرس، وتوفير ظروف نمائها حتى تكون شجرة يانعة طيبة “أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها.”

وإن التأمين بصيغته الشرعية سياج يحفظ عقود هذه البنوك أن تنفرط فيضيع حق العميل وتتعثر عمليات البنك .

فما المقصود بالتأمين التكافلي؟ وماهي مبادئه وما وجه تمايزه عن التأمين التجاري ؟

مفهوم التأمين التكافلي:

يجد التأمين التكافلي مرجعه الشرعي في دعوة الإسلام إلى التضامن بين الناس خاصة في النوائب والجوائح، ولا مانع في الشرع أن نرقى بهذا المفهوم ليكون محل اتفاق فئة من الناس تجمعهم مصلحة أو توحدهم حرفة أو تجارة على تخصيص مقدار محدد من أموالهم يرصدونه لدفع الضرر الذي يلحق بأحدهم فيعطله عن الإنتاج وينقله من الكفاف أو الغنى إلى الخصاصة أو الفقر. فيكون مقصد الجميع ليس الربح وإنما تفتيت المخاطر والتضامن في تحملها.

ومن التعاريف التي يختارها بعض الفقهاء للتأمين التكافلي 1: ” تعاون مجموعة من الأشخاص على تحمل مخاطر محتملة من خلال إنشاء صندوق ( حساب )غير هادف للربح تكون له ذمة مالية مستقلة، تصب فيها الاشتراكات والإيرادات، وتصرف منه الاستحقاقات والمصروفات، ويبقى الفائض قابلا للتوزيع، أو الإبقاء، أو لكليهما، وفقا لنظام الصندوق (الحساب ).

هذا التعريف من التعاريف المبسطة والجامعة ولكنه لم يتطرق لمسألة في غاية الأهمية وهي المتعلقة بالشركة المديرة والمسيرة لحساب التأمين وعلاقتها بالمؤمنين.

ونشير هنا إلى أن التأمين الإسلامي تتشكل هيكلته الإدارية والفنية على أساس الوكالة بأجر أو الوكالة بدون أجر. حيث تتحمل الشركة أو المقاولة مسؤولية إدارة حساب التأمين بعقد وكالة بأجر أو بدونه.

وقد صادق البرلمان المغربي في فبراير 2019 على القانون رقم 13ـ 59 المغير والمتمم لمدونة التأمينات لإدماج قانون التأمين التكافلي ضمن قانون التأمين، وذلك مسايرة لعمل البنوك التشاركية التي سبقت انطلاقتها المصادقة على القانون المذكور.

وأورد المشرع المغربي التعريف بالتأمين التكافلي في البند 15 في المادة الأولى من مدونة التأمينات بأنه “عملية تأمين تتم وفق الآراء بالمطابقة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى

المنصوص عليه في الظهير الشريف رقم 1.03.300 الصادر في 2 ربيع الأول1425

(22 أبريل 2004)، بهدف تغطية الأخطار المنصوص عليها في عقد التأمين التكافلي بواسطة حساب التأمين التكافلي يسير، مقابل أجرة التسيير، من طرف مقاولة للتأمين وإعادة التأمين معتمدة لمزاولة عمليات التأمين التكافلي. ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يترتب قبض أو أداء أي فائدة على عمليات التأمين التكافلي من لدن مقاولة للتأمين وإعادة التأمين.

ومن الملاحظ أن المشرع المغربي أسند مهمة تسيير حساب التأمين وإعادة التأمين إلى مقاولات يرخص لها في ذلك، كما يحسب لهذا القانون إقراره مهمة الرقابة الشرعية على أعمال التأمين للمجلس العلمي الأعلى، ونأمل أن تكون هذه الرقابة حقيقية ومواكبة لعمل مقاولات التأمين في مجال تسيير حساب التأمين والاستثمار فيه.

ومن العبارات التي تحتاج إلى توضيح في تعريف المشرع المغربي عبارة إعادة التأمين التكافلي. فما المقصود بهذه العبارة؟

 يقصد بعملية إعادة التأمين التكافلي لجوء المقاولة المكلفة بالتأمين وتسييره إلى شركة أخرى توكل إليها إعادة التأمين التكافلي. دون أن يترتب عن التأمين أو إعادته تحصيل أو أداء فائدة. فقد نص البند 28 من المادة الأولى على أنه يمكن لمقاولة التأمين التكافلي أن تعيد التأمين لدى شركات إعادة التأمين التكافلي، وإن لم توجد هذه الشركات آنذاك يمكنها إعادة التأمين لدى شركات إعادة التأمين التجاري وفق ضوابط تحترم مقتضيات الشريعة الإسلامية.

بعد التعريف بالتأمين التكافلي في الفقه ولذى المشرع المغربي نتساءل عن المبادئ المميزة للتأمين التكافلي والتي ينفرد بها عن التأمين التجاري؟

بين التأمين التكافلي والتأمين التجاري :

نتناول مبادئ وخصائص التأمين التكافلي والتي تميزه عن التأمين التجاري. من خلال مقابلة يمكن من خلالها استطلاع أهم عناصر التكافل والتضامن التي يقصدها التأمين التكافلي. واستنتاج ما يقوم عليه التأمين التجاري من استغلال قائم على الغرر والجهالة.

وتسهيلا على المتناول لمادة هذا المقال اجعل هذه المقابلة في جدول:

  التأمين التكافلي     التأمين التجاري
 ـ التأمين التكافلي الإسلامي يقوم على التعاون.  
ـ لا يلجه الربا بنوعيه ولا تستغل الأقساط المجموعة في معاملات أو استثمارات ربوية.  
ـ لا يؤثر الغرر والجهالة في التأمين التكافلي لأن الغرر لا يؤثر في عقود التبرعات.
ـ يرجع الفائض من أقساط التأمين وعوائد الاستثمار للمستأمنين في التأمين التكافلي.
ـ المؤمن هو المستأمن في التأمين التكافلي ويوكل إلى المقاولة أو الشركة إدارة التأمين مقابل حصة معلومة.
ـ الشركة في التامين التكافلي وكيلة عن المستأمنين. ـ العقود المنظمة للتأمين الإسلامي ثلاثة:  1 ـ عقد الوكالة بين الشركة وحساب التأمين (هيئة المشتركين ).
2 ـ عقد المضاربة لاستثمار أموال المشتركين.
3 ـ عقد الهبة بعوض الذي ينظم العلاقة بين المشتركين المستأمنين.
 ـ المقصد من التامين في جانب الشركة تحقيق الربح.  
ـ تستغل الأقساط في أي مجال يعود بالربح على الشركة المسؤولة عن التأمين.
ـ التأمين التجاري قائم على الغرر والمقامرة المحرمان شرعا.
ـ في التأمين التجاري لا يعود أي جزء من القسط المدفوع للمستأمن ولا أي حصة من الأرباح وكل ذلك يدخل في ملكية الشركة.
ـ الشركة في التأمين التجاري هي المؤمن وتختلف عن المستأمنين من الذمة المالية وغيرها.
ـ الشركة طرف أصيل في التعاقد. تعقد العقد لنفسها وباسمها ولصالحها.  
ـ في التأمين التجاري العقد المنظم واحد بين الشركة المؤمنة، والمؤمن لهم يقوم هذا العقد على المعاوضة بين أقساط التأمين ومبالغ التأمين.

نخلص بعد هذا العرض لمفهوم وخصائص التأمين التكافلي إلى حقيقة أساسية لا يمكن تجاهلها تتعلق بأهمية التأمين التضامني، وضرورته لعمل مؤسسات الاقتصاد الإسلامي، وأهمها الأبناك التشاركية التي لا تسمح مرجعيتها الإسلامية باللجوء إلى التأمين التجاري، ويكون نشاطها بدون تأمين مجازفة غير محمودة العواقب. لذلك يستحسن تسريع الإجراءات لتفعيل القانون 13ـ 59 في الواقع حتى يطمئن زبناء البنوك التشاركية لمنتجاتها البذيلة، ويستأمنون في تنفيذ عقودهم عما يطويه الزمن من مخاطر.

1ـ علي محيي الدين القره داغي. التأمين التكافلي الإسلامي دراسة فقهية تأصيلية مقارنة ج 1 ص 213

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: