منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاستغفار وأهميته في حياة الإنسان، ودوره في استقبال مواسم الطاعات.

0
اشترك في النشرة البريدية

المحاور الأساسية

مقدمة

أ – المقصود بالاستغفار لغة واصطلاحا

ب – مشروعية الاستغفار

المزيد من المشاركات
1 من 82

ج – حكمة الاستغفار

الخاتمة

*****

مقدمة

سئل العلامة الشنقيطي: بماذا تنصحني لاستقبال مواسم الطاعات؟ فقال: خير ما يستقبل به مواسم الطاعات ” كثرة الاستغفار”، لأن ذنوب العبد تحرمه التوفيق، وما ألزم عبد قلبه الاستغفار، إلا زكى، وإن كان ضعيفا قوي، وإن كان مريضا شفي، وإن كان مبتلى عوفي، وإن كان محتارا هدي، وإن كان مضطربا سكن، وإن الاستغفار هو الأمان  الباقي لنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول ابن كثير رحمه الله: “ومن اتصف بهذه الصفة- أي صفة الاستغفار – يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ عليه شأنه وقوته، تأملوا قوة العبارة عندما قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو نزلت صاعقة من السماء ما أصابت ” مستغفر”.” وما دام في الاستغفار كل هذه الفوائد الجليلة، فماذا يعني؟ وما مشروعيته وحكمته.

أ – المقصود بالاستغفار لغة واصطلاحا

1 –  الاستغفار في اللغة:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

الاستغفار مصدر قولهم: استَغفَر يستغفر، وهو مأخوذ من المادة الثلاثية (غَ فَ رَ) والتي تدل على الستر في الغالب الأعم، فالغَفْر الستر، والغفر والغفران بمعنى واحد، يقال: غفر الله ذنبه غفراً ومغفرة وغفراناً [1]، والاستغفار طلب الستر، لأن أي فعل ثلاثي تدخل عليه الهمزة والسين والتاء يتحول إلى طلب،  فالغفر في اللغة هو الستر، فإذا أدخلنا عليها أحرف الطلب أصبح المعنى: طلب الستر، فالاستغفار -إذاً- هو طلب ستر المعصية. وطلب المغفرة بالمقال والفعال[2]، ويقال: استغفرت اللَّه أي سألته المغفرة، وأصل الغَفر التغطية والستر[3]، وكلّ شي‏ء سترته فقد غفرته، ومن هنا قالت العرب: « اُصبُغ ثَوْبَك بالسواد فهو أغفَرُ لوسَخِه، أي أحمل له وأغطى له»[4]،

وزاد الراغب الأصبهاني على معنى الستر الصيانة فقال: «الغَفْرُ: إلباس ما يصونه عن الدنس… والغفران والمغفرة من اللَّه: هو أن يصون العبد من أن يمسّه العذاب …والاستغفار: طلب ذلك بالمقال والفعال».[5]

2 – الاستغفار اصطلاحا:

الاستغفار من طلب الغفران، والغفران تغطية الذنب بالعفو عنه، وهو أيضاً طلب ذلك بالمقال والفعال.[6]

ومن العلماء من قال: ولا يختلف معنى الاستغفار الاصطلاحي عن معناه اللغوي؛ لأنّه عبارة عن طلب المغفرة من اللَّه تعالى، إمّا بسؤال العفو وعدم العقاب ممّا وقع من المعاصي[7]، وإمّا بطلب الغفر والستر عن الأغيار.[8]

و أورد العلماء تعريفاتٍ مُتقاربةً للاستغفار؛ فعرّفه الجرجانيّ بأنَّه: (طلب العبد المغفرة من الله تعالى بعد رؤية قبح المعصية، والإعراض عنها)[9]، وعُرِّف بأنَّه طلب العفو من الله تعالى عمَّا اقترف العبد من ذنوبٍ وآثام.[10].

والحقيقة أن هناك معنى أوسع من ذلك كما يقول الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم عند شرح حديث أنس رضي الله عنه، وهو الحديث الثاني والأربعون، ومن جملة ما قال: (والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها)، فأضاف إلى الستر وقاية الذنوب.

ولعل هذا الكلام منه رحمه الله مأخوذ عن ابن القيم  فإنه رحمه الله، قال في مدارج السالكين بعد أن ذكر الاستغفار المقرون بالتوبة والمفرد: فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر، فبعض العلماء ظن أن المغفرة هي الستر، فإذا ستر الله على العبد في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما معاً فقد غفر له.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر)، وهذا من فقهه رحمه الله، فالله ستّير يحب الستر، وكما يستر على قوم لا يتوبون ولا يستغفرون، وإنما يمهلهم ويملي لهم، إما لأجل أن يتوبوا وأن يستغفروا ويراجعوا أنفسهم، وإما استدراجا، فالفرصة لهم سانحة، والله هو العليم بما عملوا وبما سيعملون وبما سينتهي إليه أمرهم ومآلهم، فالمقصود أن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، فليس الستر خاصاً، ولكن الستر لازم مسمَّاها أو جزؤه، فدلالتها عليه إما بالتضمُّن وإما باللزوم، يعني أن الستر جزء من المغفرة، ولا شك في أنه إذا غفر له فقد ستره في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما.

وحقيقة المغفرة وقاية شرِّ الذنب، ومنه المِغفرة لما يقي الرأس من الأذى، والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعِمامة لا تسمى مِغفرًا، ولا القبعة ونحوه، مع ستره، فلا بد في لفظ المغفرة من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قولــه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).[11]، فالاستغفار هو طلب الصيانة من شر الذنب والوقاية منه مع ستره.

ب – مشروعية الاستغفار:

الإنسان في حاجة شديدة إلى الاستغفار، يقول الله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [12].

ويقول جل وعلا: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)[13]، ومن رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بنا أنه أمرنا بملازمة الاستغفار لما له من آثارٍ إيجابيةٍ كبيرةٍ في حياة الفرد والجماعة.

وقد ورد في فضل الاستغفار، الكثير من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، التي حثت عليه وبينت فضله العظيم، فالمستغفر يُنقّي نفسه من الذنوب، ولا يسمح لصغائرها أن تبقى في صحيفته أبداً، فجميعنا نُخطئ ونذنب، وخير المؤمنين هم التوابون الذين يستغفرون ربهم في كل حين، ويتراجعون عن الخطأ، لذلك يجب على كل مؤمنٍ أن لا يُفوّت فرصةً في الاستغفار من الذنوب وخصوصاً في أوقات استجابة الدعاء، وعند مناجاة العبد لربه،  وإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد ولد آدم ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يكثر من الاستغفار.

عن أبي هريرةَ – رضي الله عنه – قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ( والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً )[14]، فتأسيا به عليه الصلاة والسلام، علينا أن نكثر من الاستغفار وعلى كل الأحوال.

ج – حكمة الاستغفار:

يمكن تصوير سرّ الاستغفار وحكمته في الأمور التالية:

1 – محو آثار الذنوب وجليّ مرآة القلوب وصقلها من ظلمات المعاصي وكدوراتها: فإنّ مجرّد ترك المعاصي والذنوب وعدم العود إليها غير كافٍ، بل لابدّ من محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، وإرغام أنف الشيطان وإذلاله.

2 –  تجديد رجاء المغفرة في القلوب، ودفع اليأس والقنوط عن النفوس: قال تعالى: « قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».[15].

3 – كبح الغرور: وإلجام النفوس عن اتّباع الهوى الصادّ عن الحقّ، وقلع أسباب الإصرار عن القلب بالمبادرة إلى الاستغفار.

الخاتمة

إن إشاعة الاستغفار بين الناس وضرورته، والتوبة إلى الله والإنابة إليه عند انتشار  الفتن ونزول المحن، من أسباب  دفع العذاب عن العامة، وإن الإكثار من الاستغفار مطهر للقلوب، ورافع للأثقال، ومصلح للحال، فلنسرع إلى التوبة إلى الله تعالى، ودعوة غيرنا إلى التوبة إلى الله والإنابة إليه، والإكثار من الاستغفار في كل وقت وحين، فالمكثر لا يندم دنيا وأخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1][مقاييس اللغة (385/4)]. [2] [المفردات، ج1، ص609.]. [3] [ المصباح المنير، ج1، ص449،  لسان العرب، ج10، ص91- 92.]. [4] [لسان العرب،لابن منظور (1414هـ)،(الطبعة الثالثة)، بيروت: دار صادر، ج10، ص91.]. [5] [المفردات، الراغب الأصبهاني ج1، ص609.]. [6][مفردات القرآن (ص374)]. [7][مجمع الفائدة، ج5، ص318.]. [8][مرآة العقول، ج11، ص306.] [9][الجرجاني (1983)، التعريفات (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 18]. [10][ محمد رواس قلعجي، حامد قنيبي (1988)، معجم لغة الفقهاء (الطبعة الثانية)، عَمَّان: دار النفائس، صفحة 275. بتصرّف].. [11][سورة الأنفال، الآية 33.]. [12][سورة البقرة، الآية 199.]. [13][سورة آل عمران، الآية 135]. [14][أخرجه : البخاري 8/83 ( 6307 )]. [15][ سورة الزمر، الآية 53] .
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.