الأضحية؛ عبــادة، وتعظيم لشعائر الله.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛
إن المقصود من العبادات هو؛ تحقيق معاني العبودية، وأن يخضع العبد لربه عز وجل لتحصل الثمرة وهي تقوى الله عز وجل، وإصلاح ما يكون به صلاح للفرد والمجتمع، ألا وهو القلب، كما يُقصد من الأعمال التعبدية تعظيم شعائر الله تعالى، وقد ورد ذلك عند ذكر جل العبادات؛ ففي فريضة الصيام مثلا، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
وقال عز وجل في الزكاة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ. وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
وأما عن مناسك الحج وأضحية العيد فقال عز من قائل: (ذَلكَ وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب) . قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: “فشعائر الله أعلام دينه لاسيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البُدْن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها؛ قال ابن عباس ومجاهد وجماعة: وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البُدْن ربما يُحمل على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشَّرع، وهو من تقوى القلوب”.
ويستحسن ألا يذكر المؤمن سعر الأضحية عند الزملاء أو العائلة أو عبر وسائط التواصل، على أساس التفاخر أو التضجر من الثمن لأن هذه الشعيرة تقدم تقرباً لله عز وجل، باعتبارها شعيرة من شعائر الإسلام، وهي سنة مؤكدة على الراجح من أقوال الفقهاء، وعلى المضحي أن يقدمها لله تعالى بنفس طيبة.
وينبغي أن يستحضر أن الأضحية قد شُرعت لحِكم بالغة، وفي مقدمتها التقرب إلى المولى عز وجل، وامتثالا لأمره حين قال: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر” . وشكر الله تعالى على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام، وفيها إحياء لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، ومن المعاني الجميلة أن فيها التوسعة على العيال يوم العيد، وإشاعة الفرحة بين الفقراء والمساكين لما يتصدق عليهم منها. فكل \لك عبادة نتقرب بها إلى الله تعالى.
إن النسك والقربات قد تحولت عند كثير من الناس إلى عادة يتنافسون عليها ويتباهون ويتفاخرون، ويتبارون في الأعمال الظاهرة. ولا شك أن الأعمال الظاهرة مطلوبة، لكن ينبغي أن يُعرف أن المقصود في الأعمال الظاهرة هو التأثير على القلب، وأعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى في هذه العشر الأول من شهر ذي الحجة أن يجدها الإنسان فرصةً لتصفية القلب، فحسنات القلوب أهم من حسنات الجوارح، وهي الأصل لحسنات الجوارح _كما يقول أرباب القلوب_. ولتحقيق هذه العبودية، خصوصا في هذه الأيام المباركة، ومع ذبح الأضاحي، ينبغي أن نستحضر ونتأمل قوله تعالى: (لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) . جاء في مختصر تفسير ابن كثير، عن هذه الآية: (قول الله تعالى؛ إنما شرع لكم نحر هذه الضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فهو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: “لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا”، عن ابن جريج قال: “كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق أن ننضح فأنزل الله؛ ”لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”، أخرجه ابن أبي حاتم، أي؛ يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وجاء في الحديث: “إن الصدقة لتقع في يد الرحمـن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع إلى الأرض”) .
وقال الإمام القرطبي أيضا في تفسير هذه الآية: (قال ابن عَبَّاس: “كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُضَرِّجُونَ الْبَيْت بِدِمَاءِ الْبُدْن، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلكَ” فَنَزَلَتْ الْآيَة. وَالنَّيْل لَا يَتَعَلَّق بِالْبَارِئِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا عَنْ الْقَبُول، والْمَعْنَى: لَنْ يَصِل إِلَيْه. وَقَالَ ابن عَبَّاس: لَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ. وقال ابن عِيسَى: لَنْ يَقْبَل لُحُومَهَا وَلَا دِمَاءَهَا، وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ؛ أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيث؛ “إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ”).
إننا إذا تأملنا هذه المعاني ونحن نؤدي العبادات، وخاصة عند ذبحنا للأضحية، فسنجد أن الأمر لم يعد عادة موروثة، ولكنه عبادة محضة، من خلالها يصلح القلب وينتعش بنور الله تعالى، فنستحضر معاني التقوى، ونكثر من ذكر الله تعالى ومن العمل الصالح؛ من صلة الأرحام، وإطعام الطعام، وإصلاح ذات البَـيْن، وتعاون على البر والتقوى.
نـسأل الله العلي القدير أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجعل نسكنا كلها عبادة خالصة لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: