اقتصاد الضباع

قال تعالى: ” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. ” سورة الإسراء الآية 70

إن التكريم الرباني للإنسان، قد يحفظ مقامه الإنسان نفسه، وقد ينسلخ منه فيتقهقر إلى دركات الحيوان الأعجم الأصم. الذي لا يدرك للتكليف معنى ولا غاية. فيصدق فيه قول الله تعالى: ” إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا. ” سورة الفرقان الآية 44

يخجل المرء إن استحضر التكريم الرباني لبني البشر أن يصف بعض مظاهر سلوك الإنسان بوصف أقرب لسلوك الحيوان. ولكنها الحقيقة المرة التي لا نجد سبيلا إلا في توصيفها بمواصفتها. فالتكريم للإنسان لا ينسحب هنا عن سلوك الإنسان.

وقد يصل الإنسان إلى مادون الحيوانات في الدركات فيكون حينها الاعتذار للحيوان واجب أخلاقي لأنه ألبس التهمة بتشبيه هو منه بريئ.

وليس القصد من هذا المقال التنقيص أو التجريح، وإنما النية والقصد التوصيف السليم لسلوك اقتصادي لا يليق بإنسانية الإنسان، ولا يساير، ولا يتوافق والتكريم الرباني للإنسان سواء كان هذا السلوك سلوكا فرديا يذل فيه الإنسان نفسه، أو سلوك مؤسسة تستعبد الإنسان وتؤسس للطغيان.

شب عمر عن الطوق. وتقوس ظهر والده إيذانا بأنه سيعود إلى الأرض التي خلق منها لكن الابن لم يتحرك فيه نفس الإشفاق على الوالد، ولا دفعته عزيمة إلى العمل، ولم يكن لبيبا بالإشارة يفهم. وفي صبيحة يوم من الأيام انفجر الأب غاضبا مستنهضا همة ابنه محرضا إياه على الخروج للعمل وطلب الرزق.

 قام الابن مغاضبا، ثم لف ثيابه على قامته الممتدة إلى السماء، وخرج تائها عله يجد سبيلا لكسب الرزق. وفي طريقه تولى إلى ظل الغابة يستريح فكان أن ساق الله له مشهدا فهم منه ما فهم.

 تأمل الولد فعلة الضبع. الذي ما تحرك لطريدة، ولكنه تربص ببقايا ما تركه السبع، وعافه من الفريسة. فقفل الولد راجعا إلى منزل أبيه. قال: يا أبت لم السعي والتعب ؟ فالذي رزق الضبع يرزقني. وعلى توه فهم الأب ما تعذر به الابن فقال: يا بني كن سبعا ولا تكن ضبعا…

القصة على بساطتها تحمل من الدلالات الاقتصادية ما يصلح لأخذ العبرة منه.

فمن الناس من رضي بحياة الضباع، حين آثرالكسب بلا تعب ولا جهد. بلغ من السن ما بلغ وقبل أن يعيش عالة على الأب والأم والأخ الأكبر والأخت العاملة. لم ينفك بعد عن مرحلة الرضاع رغم نتوء أسنانه. ينتظر من الغير أن يمن عليه ويجود.

 يولج نهاره في ليله وليله في نهاره نوما. لا يوقظه إلا ألم المعدة أومدافعة الأخبثين.

لا قوة له ـ بل لا همة له ـ على معاركة الزمان، ومغالبة الصعاب، جف جبينه من قطرة تتصبب حياء، وغاب ذات الحياء عندما مد يده ورضيها أن تكون السفلى، ولم يتصفد ذات الجبين عرقا لكسب لقمة عيش شريفة تغنيه عن ذل المسألة.

ومن الناس من يجسد سلوك الضباع بمكره وتربصه للآخرين ليسطو على أرزاقهم وحصيلة تعبهم. فيستأثر بذلك ويحرمهم. أو ينسب إنجازاتهم لنفسه ظلما وعدوانا. ويحدث من تضبع وتطبع بذات السلوك فيرون سوء عمله شطارة وإنجازا يستحق التنويه.

ويصبح سلوك الضباع سلوكا جماعيا خبيثا حين يـتآمر النفر على الواحد. كما تتربص جماعة الضباع على الأسد، وتستهيم عليه لتأخذ فريسته وتنتزعها منه عنوة، وقد قضى ساعات في التركيز والجهد والركض. فتسلبها منه في دقائق.

ويصبح سلوك الضباع مقننا منظما حين تشيخ عليه الدولة وتشيب فيكون لها في هذا السلوك صولات وجولات. فتصير بذلك سيدة الضباع. خلقت لتفترس ما تعب في تسمينه مواطنوها من أرزاق وثروات في البر والبحر.

دفع الأجداد أرواحهم لطرد المستعمر الذي نهب خيرات البلاد، وتشوف الكبير والصغير إلى حياة يتقاسم فيها أبناء الوطن خيراته التي تفضل بها الكريم المنان.

فبرزت بعد الاستعمار عصابة مقننة. ضبعا ذو أنياب وعضلات فك قوية تستقوي على الضعيف والمسكين وذو العيال. تطحن من وقع وما وقع في كماشتها من أرزاقهم طحنا وتدفن ما تبقى من فريستها وما فضل عنها بعيدا حتى لا يتبع لها أثر ولا تشم لها رائحة.

 ويهيم المستضعفون على وجوههم يمشون في مناكبها ويطلبون رزق الله تعالى وقد سلبوا كل مقومات العيش الكريم والرفاه، وقد يكدح الواحد منهم طوال العمر ليحصل على سكن فتأخذه المنية ولم يحقق حلمه بعد، ويطول تعب الآخر ليسدد أقساط أمتار يسكنها يصدق عليها تسمية ” قبر الحياة “. فلا ينعم فيها بمعنى السكن الذي يحمل معاني السكينة والطمأنينة، ويكاد الجسد تتمزق أطرافه جهدا ليلبي المواطن مصاريف البيت وكسوة الأبناء ودواء من بلغ الكبر عنده وأوصى الله ببرهما. فيسد بعضا منها ويقف عاجزا عن الكثير. كان الله في عون العباد.

 ما عساهم المستضعفون أن يصلوا بكدحهم طوال العمر ومكر سيدة الضباع يترصدهم تطمع في النقير والقطمير وتقتطع من أجورهم وعرق جبينهم ما تغذق به على من يقف في فكها يقويه على سحق من تسول له نفسه الاحتجاج على الوضع، أو كشف ما وري عن الأنظار من ثروات مهربة .

ويظهر غباء الضبع حين يرضى بمرتبة الدونية وله من المقومات القوة ما له.

ترضى دولنا بمرتبة الضبع، وتنتظر ما فضل عن أسيادها، فلا هي تجتهد وتستثمر، ولا هي تنتج وتصنع، ولا هي تشجع المواهب والمبادرات… وإنما اعتادت أن تعيش على ما فضل عن الغير وزهد فيه. وسقط من موائده.

وتنشرح الدول العظمى لهذا الوضع انشراح الأسد الذي يتناول فريسته وينتشي فلا يجد من ينافسه عليها، ولا يكترث للضباع بعد شبعه تستهيم على ما فضل فتتقاسمه أو تتقاتل عنه.

وهكذا تكون ما يسمى بدول العالم الثالث في أغلب الأحيان مزابل تقتات فيها على ما عافته الدول المتقدمة وتجاوزته من أجهزة ومصنعات. تتخلص منها ويفرح بها الضبع أيما فرح.

والسؤال إلى متى ستعيش دولنا على سلوك الضباع لا تحدث نفسها بنهضة ولا تقدم، لا شأن لها بمن ازدهر. أو اعتلى سطح القمر. وإنما أعظم شأنها في الكيد والتآمر على ثروات العباد وخيرات البلاد وجهود المستضعفين.

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: