استشراق أرنست رينان بين الفكرانية والخوف من مستقبل الإسلام

مقدمة

أرنست رينان (1823-1892م) فيلسوف ومؤرخ فرنسي، اهتم كثيرا بتاريخ الأديان واللغات والأجناس، واشتهر بدفاعه عن العلم والعقل والعقلانية، كما عُرف عند الباحثين بتحيزه للحضارة القومية الأوربية، وتقليله من شأن حضارة الإسلام والمسلمين والعرب، بدا هذا التحيز واضحا في أغلب مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته، ولعل أشهرها المحاضرة التي ألقاها في السوربون بتاريخ 29 مارس سنة 1883م عنوانها: “الإسلامية والعلم”[1]، ونشرت في “Journal  des Dèbats”  بتاريخ 30 مارس 1883م، وتلخص هذه المحاضرة موقف رينان من الإسلام والحضارة الإسلامية، وقد رد عليها جمال الدين الأفغاني -الذي كان آنذاك في باريس- بمقال نشر في 18 مايو سنة 1883 في نفس الجريدة، ثم رد رينان في اليوم التالي على رد الأفغاني بتاريخ 19 مايو من نفس السنة.

فكيف قرأ رينان موضوع الإسلام؟ وهل استطاع أن يتخلص من عباءة المستشرق الفكراني الذي يصدر عن مرجعية تصنيفية مغلقة غير قابلة للمراجعة أم أنه بقي وفيا لها؟ كيف فسر تخلف المسلمين في عصره؟ وإلى ماذا أرجع تقدم الغرب التقني والصناعي والعسكري والسياسي؟

الإسلام والعلم

 في هذه المحاضرة الشهيرة وصف رينان الإسلام بأنه تديُّن متعصب يستخفُّ بالعلم والعلماء والفكر والمفكرين، ويقلص عقل الإنسان في أفكار متحجرة تمنعه من أية فكرة لطيفة أو إحساس رقيق أو بحث عقلاني، بل أكثر من ذلك فقد عدَّ الإسلام “أثقل قيدٍ حملته الإنسانية”[2] عبر تاريخها الطويل.

 في نصوص كثيرة وباستدلالات فاسدة يحاول رينان أن يظهر أن الإسلام يتعارض مع المعرفة العلمية والفلسفية والفنية وجميع القيم النبيلة، وكأن الإسلام هو الشر الذي تسلط على العالم وما دونه الخير! من ذلك قوله: “الواقع إن الإسلام قد عمل باستمرار على اضطهاد الفلسفة والعلوم وانتهى به الأمر إلى وأد هذه المعارف… وكل مجتمع يحكمه الإسلام هو مجتمع منغلق على ذاته ومحرِّم للعلم والفلسفة والتقدم، لأن الإسلام بطبيعته يتناقض مع العلم ومع الفلسفة ويُضر بالعقل لذلك نجده يدخل معهما من أول وهلة في صراع، كما أن دغمائيَّته هي التي تمنع الشرق اليوم من الانفتاح على العلوم وعلى الفلسفة، كشرط ضروري لأيِّ تقدم”[3].

يحمل هذا النص -وغيره من النصوص- من الفساد في تدليل صاحبه ما يكفي لرد قوله المتحامل قبل حكمه القاسي، إذ إن موقفه هذا “لا يعكس حقائق أو وقائع بل يصور تمثلات أو ألوانا من التمثيل حيث تتخفى القوة والمؤسسة والمصلحة”[4]، فهل يقبل باحث منصف القول بأن الإسلام اضطهد العلوم؟ بل وأدها نهائيا؟ أليس الإسلام هو من احتضن هذه العلوم وطورها المسلمون وتلقفها الغرب واستأنف المسير؟ وكيف استنتج من مقدمة فاسدة مثل هذه أن كل مجتمع مسلم هو مجتمع منغلق على ذاته ومحرم للعلوم؟ هل المسلمون اليوم يحرمون العلوم؟ أليس هذا كذبا وتلفيقا من مُستشرق خبير بالثقافة الإسلامية غير أن رغبته في إرضاء قومه أعمته عن الحقيقة وقادته إلى تبني إيديولوجية سفسطية تضليلية؟ ثم أليس الشرق منفتحا على العلوم والمعارف والفلسفات؟ أوليس مهد الثقافة المسيحية نفسها التي يبرؤها من كل عيب هو الشرق؟

علة الدين أم علة التدين

لا يفرق رينان بين الدين والتدين، بين الوحي وتطبيقات الناس المظروفة بظروفهم ومصالحهم، فالدين عنده هو كل شكل من أشكال التدين في تاريخ المسلمين، حتى ولو كان انحرافا عقديا وسلوكيا، وبناء على ذلك ينسب تخلف المسلمين وخفة وزنهم في العالم خلال القرن التاسع عشر إلى علة ملازمة لتاريخهم ولا يتصور أنها تفارقهم مذ أن تمكنت منهم وهي علة “الدين الإسلامي”! هكذا!

المسلمون متخلفون بالدين مطلقا لأنهم يدينون بدينٍ يحارب العلم والعقل والفلسفة، ولا يتساكن علم مع الدين، فهو يقول: “الحق أن الدين الإسلامي حاول خنق العلم ووقف تقدمه. وعلى هذا النحو أفلح في تعويق الحركة العقلية أو الفلسفية، وفي صرف العقول عن البحث عن الحقيقة العلمية، ومثل هذه المحاولة، إذا لم أكن مخطئاً، قد قام بها الدين المسيحي، وبحسب علمي فإن الزعماء الموقرين للكنيسة الكاثوليكية لم يكفّوا حتى الآن عن ذلك. إنهم يواصلون الكفاح القويّ ضد ما يسمونه روح الحيرة والضلال”[5].

 استفاد رينان من المناهج النقدية المعاصرة غير أنها لم تزح من ذهنه فكرانية التفوق الأوربي والازدراء بالآخرين،  ولم تمنعه من أن يتعامل بتعميم وانتقائية كلما تعلق الأمر بقضية من قضايا الإسلام والمسلمين والعرب، فهو لا يخفي اتهامه للدين في نسبة كل نقص وقع في تاريخ المسلمين وحاضرهم له، إذ يقول مثلا: ” كلّ إنسان يتمتع بالحدّ الأدنى من الاطلاع على شؤون العصر يرى بوضوح الدونية الحالية للبلدان الإسلامية والانحطاط الذي يميّز الدول التي يحكمها الإسلام والبؤس الفكري للأعراق التي لا تقتبس ثقافتها وتعليمها إلاّ من هذه الديانة. كلّ الذين زاروا الشرق أو إفريقيا يصدمهم الانغلاق الذي يميّز عقل كلّ مؤمن صادق، حتى كأنّ دماغه قد أحيط بسوار معدني يمنع عنه العلوم ويحظر عليه التعلّم ويدرأ به أن ينفتح على فكرة جديدة. والطفل المسلم قد ينشأ بعقل يقظ لكنّ التربية الدينيّة تحوّله في سنّ العاشرة أو الثانية عشر إلى كائن متعصّب يدعي حمقا أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة ويسعد بوضعه الدوني الذي يحسبه امتيازا. تمثّل هذه العزّة الجنونيّة الرذيلة الجذريّة للمسلم. والبساطة التي تبدو عليها عباداته تملأه باحتقار غير مبرّر للأديان الأخرى. يحتقر المسلم التعليم والعلوم وكلّ ما يميّز العقل الأوروبي لأنّه يعتقد أنّ الله يمنح الثروة والسلطان بمطلق مشيئته فلا دخل في ذلك للتعلّم ولا للاستحقاق. هذه العادة الرديئة التي رسختها العقيدة الإسلاميّة بلغت من القوّة حدّا جعل الفوارق بين الأعراق والقوميات تختفي باعتناق الإسلام.”[6] فهو إذن يرد أسباب التخلف والدونية والجهل التي يعيشها من رآهم أو سمع بهم ممن يستوطنون بلدا يقال عنه أنه مسلم أو يدين أكثر سكانه بدين الإسلام إلى الإسلام نفسه التي يحمل في ذاته العداوة للتعلم والتحضر والتمدن، ويلقي في قلوب وعقول المتدينين به عقلية التواكل والجهل واحتقار الآخر.

العرب والثقافة اليونانية

رغم أن رينان لا يتقن اللغة العربية، ولم ينشر أيّ نص عربي[7]، ورغم ذلك يفتي في تفاصيل القول في الثقافة الإسلامية العربية، ولا يتوانى في وصفها بمجرد نسخة رديئة من الثقافة اليونانية، فقط تم تدوينها بلسان عربي، و”العرب لم يصنعوا غير انتحال مجموع الموسوعة اليونانية”[8]، لكن إذا كانت الموسوعة اليونانية موسوعة علمية وفلسفية عقلانية، وكان العرب قد تلقفوها واحتضنوها وانتحلوها، أليس ذاك كافيا في القول بأنهم لا يحاربون العلم والفلسفة إذن؟ إذ لو كانوا يحاربون العلم والفلسفة حقا ما ترجموا مؤلفات الفلسفة والعلوم اليونانية وقربوها بالشرح والتلخيص والفحص والنقد.

و”الشرق السامي والقرون الوسطى مدينان لليونان بكل ما عندهما من الفلسفة طبعا، ولذا فإذا ما دار الأمر حول اختيار حجة فلسفية لنا في الماضي كان لليونانية وحدها حق إلقاء دروس علينا”[9]، ويضيف في محاضرته الشهيرة حول “الإسلام والعلم”: “هذا هو المجموع الفلسفي الذي تعوّدنا أن نطلق عليه صفة العربي لأنه مدوّن باللغة العربيّة. لكنه في الحقيقة تراث إغريقي ساساني. وقد يكون أكثر دقّة أن نصنفه إغريقيا لأنّ العناصر الأكثر حيوية في هذا كله قد أتت من اليونان. في عصور الانحطاط تلك كانت قيمة العالم تتحدّد بما تتوفر لديه من معرفة بعلوم اليونان القديمة وكانت اليونان المصدر الوحيد للمعرفة والتفكير السليم. ولئن تفوقت سوريا وبغداد على الغرب اللاتيني فإنما السبب الوحيد لذلك قرب مفكريها من الميراث الإغريقي… وفي غياب الفلسفة الإغريقية الحقيقية التي كانت مطمورة في المكتبات البيزنطية اتجه البحث نحو إسبانيا كي تستخرج علوم إغريقية رديئة الترجمة مغشوشة”[10].

يقرر رينان في هذا النص وغيره من النصوص أن العرب يفتقرون إلى نمطي التفكير العلمي والفلسفي، على غرار ما هو عليه الحال عند اليونان القديمة وأوربا الحديثة، وتمسكهم بالدين المنزل زادهم بعدا عن العلم والعقل والبحث الحر، حيث حارب الإسلامُ العلوم في نظره حتى جنى على نفسه والمتدينين به، ذلك أن” العقائد المنزلة تتعارض دائما مع البحث الحرّ الذي قد يخالفها. ليست محصلة العلوم أن تقضي على الألوهية وإنما أن تبعدها عن عالم الجزئيات حيث كان المؤمنون يرون حضورها بدون انقطاع. فالتجربة تحاصر مجال الخوارق وتضيقه والحال أنه قاعدة كلّ لاهوت. والإسلام وفيٌّ لمنطقه إذا ما حارب العلم لكن الوفاء قد يتحوّل أحيانا إلى خطر على صاحبه. كان من سوء حظّ الإسلام أنّه نجح في مسعاه فجنى على نفسه بقضائه على العلم وحكم على أتباعه بأن يظلوا في الدرجة الدنيا من الرقي البشري”[11]. فهل حقا إذا كان المرء مسلما سيكون في الدرجة الدنيا؟

لا أظن عاقلا يسلم بهذا القول المرسل، إذ برز من المسلمين آلاف الحكماء والعباقرة والعلماء وأنجزوا ما لا يحصى من الأعمال العلمية التي يشهد بها الجميع، وفي بلاد الغرب نفسها آلاف المسلمين ممن يتزعمون ويديرون مؤسسات ومراكز بحثية علمية دقيقة في مختلف التخصصات. أما رينان فهو يتساءل مستنكرا “هل وجدت حقا علوم إسلامية أو على الأقلّ علوم قبلها الإسلام أو تسامح معها؟”[12] ويجيب “جاء الإسلام في معزل عما يسمّى العقلانيّة والعلم واعتنقه الفرسان العرب وتعلقوا به لتبرير الغزو والنهب[13].

أليست الدول الاستعمارية التي يدافع عن عقلانيتها رينان هي من يحترف الغزو والنهب والقتل؟ أليست بلاد المسلمين هي من تعرض للاحتلال والاضطهاد وسرقة الثروات؟ هل كان للحروب الصليبية الاستئصالية هدف نشر العلم والعقلانية والمدنية؟

أما الفلسفة التي تطلق عليها صفة الإسلامية العربية إنما هي فلسفة إغريقية قديمة مدونة بلغة عربية تدوينا رديئا لا أقل ولا أكثر، ذلك أن مضمونها هو نفسه المضمون الذي راج في الثقافة اليونانية والثقافات التي لحقتها ونسجت على منوالها. وكتب في مقدمة كتابه “ابن رشد والرشدية” قائلا: “إن الساميين (العرب) هم أعجز من يعطينا دروسا في الفلسفة. بل إن ما لديهم من فلسفة لا يمتلك أية أصالة أو ثراء إنما هو مجرد تقليد سيئ للفلسفة الاغريقية”[14]، وبمحوِ الفلسفة من طرف بعض الملوك الذين تضايقوا من التفكير الفلسفي “يكون الإسلام قد كشف عما هو ملازمٌ لعبقريته لزوما عُضالا…وإذ لم يستطع الإسلام أن يتحول وينتحل أيَّ عنصر من الحياة المدنية والعلمانية فقد نزع من جوفه كلَّ أصلٍ من الثقافة العقلية …(وخاصة) لما تسلم قيادةَ الإسلام أقوامٌ من البرابرة كالترك والبربر وغيرهم. فهنالك دخل العالم الإسلامي دورا من الغِلظة العمياء لم يخرج منها إلا ليقع في نزعٍ كئيب”[15].

 عندما يُقهر رينان بحجج تفوق المشرق على المغرب في أحايين كثيرة من التاريخ، فإنه لا يرجع مصدر هذا التفوق إلى ذوات مسلمة مفكرة ومبدعة من مثالها الخاص، وإنما يعده دوما نسخة وتقليدا للتراث اليوناني الوافد، من خلال القرب الجغرافي من بلاد الإغريق. وهو هنا لا يعيب ما وقع لفلاسفة المسلمين فقط وإنما ينفي تماما عن عنهم إمكان إنجاز حضارتهم الخاصة بهم، والعائق عن إنجاز تلك الحضارة في نظره هو الدين، يقول: “العقيدة المستمدة من الوحي تتعارض دائماً مع البحث الحرّ الذي يمكن أن يناقضها. ونتيجة العلم ليست طرد، بل إبعاد ما هو إلهي دائماً من عالم الوقائع الجزئية التي كان يُعتقد أنه موجود فيها. والتجربة تجعل الخوارق تتراجع وتقلل من ميدانها. والخوارق هي أساس كل لاهوت. والإسلام، حين يعتبر عدوّاً له. هو منطقي مع نفسه”[16]، أما كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” فهي -في نظر رينان- مجرد تحصيل الحاصل، إذا كان الدين قائما على اعتقاد المعجزات والتدخل الإلهي المعجز في الطبيعة.

يبدو لقارئ نصوص رينان أنه وتحت ضغط الوقائع ووضوح الحقائق، يعترف بفضل العرب في نقل العلم والفلسفة اليونانيين إلى الحضارة الغربية الحديثة، وبتفرد نشأة الإسلام مقارنة مع غيره، يقول: “إن هذا الدين بدلا من الغموض الذي يحيط نشأة كل الأديان الأخرى، يبدو واضح النشأة تماما. فجذوره ترى مباشرة. أما حياة مؤسسه فمعروفة كحياة أي زعيم من زعماء الإصلاح في القرن السادس عشر”[17]، غير أنه سرعان ما يطعن في هذا الاعتراف حينما يقول بأن هذا الناقل رديء، “فترجمات العرب مغشوشة وتفتقد لأدنى شروط الأمانة العلمية. لم أقصد يا سادتي أن أتهاون بشأن هذه العلوم العظيمة المدعوة بالعربية فهي تمثّل مرحلة مهمة من تاريخ تطوّر العقل البشري. أجل بالغ البعض في تأكيد أصالتها في مسائل عديدة منها خاصة المسائل الفلكية لكن ليس من الحكمة الانتقال من النقيض إلى النقيض ومعاملتها بالازدراء. حقا لقد وجدت مرحلة عربية امتدت من زمن انهيار حضارة العهد القديم في القرن السادس إلى ظهور العبقرية الأوروبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وقد تواصل خلالها تراث العقل الإنساني في الأقاليم التي فتحها الإسلام. لكن ما هو العربي في هذه العلوم المدعوة بالعربية؟ إنه اللغة ولا شيء غيرها”[18].

التحرر من الدين

بالإضافة إلى خُلو الدين الإسلامي وتاريخ المسلمين من العلم والفلسفة، يرى رينان أن الحرية لا توافق هذا الدين ولا هؤلاء البرابرة الذين اعتنقوه فأطبقوا به على أنفسهم وحجروا على عقولهم وأطبقوا على “التنكيل بكلّ مخالف”، فالإسلام “ليس أضرّ بالحريّة من نظام اجتماعي يسيطر فيه الدين سيطرة مطلقة على الحياة المدنية. ولم نر في الأزمنة المعاصرة إلا مثالين من هذا النظام أحدهما العالم الإسلامي والثاني الدولة البابوية السابقة، مع أنّ البابوية الزمنية لم تحكم إلا رقعة محدودة، والإسلام سيطر على أجزاء شاسعة من الكرة الأرضية فرض فيها أشدّ التعاليم معارضة للرقي ومنها مبدأ قيام دولة على وحي مزعوم وتنظيم المجتمع بمقتضى اللاهوت. الليبراليون الذين يدافعون عن الإسلام لا يعرفون منه شيئا. الإسلام هو الاتحاد الكامل بين الروحي والزمني، وهو سلطان العقيدة، وهو أشدّ ما حملت الإنسانية على عاتقها من الأغلال[19].

يتبين لنا من خلال ما صرح به رينان في محاضرته هذه أنه انحاز لهويته الغربية العرقية التي تعتقد بأصولها اليونانية، وتجاهَل بالمطلق الإنجازات الحضارية للمسلمين في أية مرحلة في التاريخ. وهو بذلك يساير مجموعة من المستشرقين -والفرنسيين منهم على الخصوص- الذين يختصرون الفترة التي سادتها الحضارة الإسلامية العربية في عبارة “العصور الوسطى المظلمة”، وإذا ذُكر المسلمون فإنهم يُنعتون بأشد النعوت قباحة، كقولهم: مجموعة من الأعراب الذين دمروا الحضارتين الرومانية والبيزنطية وريثتي الحضارة اليونانية العريقة، ونقلوا تراث اليونان نقلا متعسفا وعاشوا الظلام قرونا حتى انبعث نور الحضارة اليونانية من جديد في أوربا الغربية فأنقد العالم من ظلام الإسلام ! ولا تتجاوز جهودهم نقل التراث اليوناني لمن يستحقه، “لقد اختفت العلوم المدعوة بالعربية بعد أن نقلت لقاح الحياة إلى الغرب اللاتيني. وبينما كان ابن رشد يحقّق في المدارس اللاتينية شهرة تعادل شهرة أرسطو كان مصيره بين أبناء دينه أن يقبع في النسيان.”[20].

ما العمل في نظر رينان لكي يرضى عن المسلمين والإسلام قيد حرية التفكير وعطل العقل؟

الجواب بكل بساطة هو نبذ الدين وطرحه من الاعتبار، وإخراج المسلمين من دينهم وجعلهم كفارا به، آنذاك فقط يمكنهم التحرر والتقدم، يقول: “أفضل مساعدة يمكن لنا أن نقدّمها للمسلم هي أن نحرّره من دينه”[21].

مدنية أم عرقية؟

يتبين إذن الحقد الكبير على الإسلام والانحياز الواضح للهوية الغربية على حساب إسهامات الآخرين في صنع الحضارة الإنسانية المشتركة، لكن هذا الانحياز الممثل بنموذج إرنست رينان لم يقتصر على بيان إسهامات الغرب في تبلور وتطور التفكير الفلسفي وتجاهل الآخر فقط، وإنما أضاف له الطعن في القدرات الإبداعية للمكونات البشرية الأخرى التي لا تحمل -في نظره- سوى صورة مُظلمة، وفضَّل عرقا معينا على باقي الأعراق، حيث رأى في العرق الغربي انفراده بخصائص العلم والوعي والفلسفة والقدرة على قيادة الأمم على جميع المستويات، أما الأعراق الأخرى فليس لها إلا أن تتبع وتقلد وتستهلك. وما دام العرق الأوربي بأصوله الآرية المتفوقة خِلقيا، فإن رينان يرى بأن أي إبداع في أي مجال من المجالات الإنسانية هو إبداع آري خالص لا تخالطه أية حضارة أو ثقافة مغايرة. ناهيك عن أن تكون عربية أو مسلمة، يقول: “إنّ ما يميّز المسلم جوهريا هو كونه يحمل ضدّ العلم حقدا دفينا وقناعة صلبة بأن البحث غير مجد بل هو مدعاة إلى الخطأ ويشبه أن يكون كفرا. والمسلم ينأى بنفسه عن العلوم الطبيعية لأنه يراها منافسة للعلم الإلهي ويعادي العلوم التاريخية لأنّها تحتفظ بذكرى ضلالات الماضي”[22].

تخوف رينان من مستقبل الإسلام

غير أن رينان وإن وقع في خطأ منهجي فضيع -في نظرنا- يتمثل في الخلط بين الإسلام وواقع المسلمين في فترة أو فترات زمنية محددة، حيث حاكم الإسلام من خلال تصرفات المسلمين التاريخية، وعرف موقف الإسلام من العلم والمعرفة والفكر من خلال بعض المواقف والآراء والاجتهادات الطارئة، إلى درجة قوله عن الإسلام بأنه “اضطهد الفكر الحرّ؛ ولا أقول إنه فعل ذلك على نحوٍ أشد وطأة من سائر المذاهب الدينية، وإنما لأن ذلك كان على نحو أكثر فعالية. لقد جعل من البلاد التي فتحها ميداناً مغلقاً دون الثقافة الفعلية للروح”[23] فإنه يُظهر إحساسه بمستقبلية دين الإسلام، إذ يقول: “وللدين الإسلامي مستقبله إذا نظرنا إليه من جهة كونه ديناً. ولم تطأ قدماي مسجدًا قط إلاّ وتملكتني عاطفة حادّة بل لعلّي أشعر بالحسرة لكوني لست مسلمًا”[24] لكنه يرتد من جديد على هذه العاطفة ليقرر أن “الإسلام كان للعقل البشري ضررًا محضًا. لا شكّ أنّ العقول التي حرمها من الأنوار كانت مهيأة لذلك بسبب عوائق ذاتية لكنّه اضطهد الفكر المتحرّر ولن أقول إنّ اضطهاده كان أكثر قسوة من أديان أخرى لكن أقول إنّ اضطهاده كان الأكثر فعالية. لقد حكم على البلدان التي ضمّها إليه بأن تظلّ منغلقة عن الثقافة العقلية”[25].

لذلك ينبغي التخلص من كل عقيدة تقوم على الخوارق التي لا يقبلها العلم الوضعي “إن العقل الإنساني يجب أن يتخلص من كل عقيدة قائمة على الخوارق، إن شاء أن يتوفر على عمله الجوهري، إن أراد هو تشييد العلم الوضعي. ولا يستوجب هذا هدماً عنيفاً، ولا قطيعة مفاجئة. ولا يقتضي الأمر من المسيحي أن يتخلى عن مسيحيته، كما لا يقتضي من المسلم أن يتخلى عن إسلامه. وإنما المطلوب من المستنيرين من المسيحيين ومن المسلمين هو أن يصلوا إلى هذه الحالة من الاستواء المتسامح التي فيها تصبح العقائد الدينية غير مؤذية. وهذا أمر قد تم في نصف البلاد المسيحية تقريباً؛ فلنؤمّل أن يحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى الإسلام”[26].

في رده على جمال الدين الأفغاني أثناء المناظرة التي جمعتهما الدليل القاطع على هذا الإثبات، إذ يقول رينان: “أن الشيخ الأفغاني متحرر تماما من تحيزات الإسلام، فهو ينتمي إلى تلك الروح النشطة لإيران العليا الواقعة على الحدود قرب الهند، التي ما زالت الروح الآرية تزدهر فيها بقوة، تحت اللباس الإسلامي السطحي، لأنه أفضل إثبات لتلك البديهية العظيمة، التي أعلنا عنها كثيرا، وهي أن قيمة الدين يجب أن تحدد بقيمة الأعراق التي تعتنقه”[27]. هذا الاستنتاج الأخير يسقط قوله السابق بإرجاع العطالة في العلم والفلسفة إلى الدين، لأنه إذا كانت قيمة الدين تتحدد بقيمة العرق فالمشكل في العرق لا في الدين. وقس على مثل هذه الاستدلالات كثيرا من استدلالات المستشرقين الفاسدة[28].

خاتمة

نخلص إلى أن أفكار رينان المتحيزة هذه، لم تعبر عن وجهة نظر خاصة لهذا الفيلسوف حول حركة التفكير الفلسفي من الفلسفة اليونانية القديمة إلى الفلسفة المعاصرة، وإنما هي تتويج لموقف فكري وفكراني جماعي وحركة واسعة من المستشرقين المتحيزين التي أثرت تأثيرا عميقا في تشكيل عقول الكثير من الغربيين وتنميط أفكارهم. فآفة التحيز من خلال هذا النموذج  تجاوزت حدود تمجيد الماضي الإغريقي كتحفيز للذات الغربية من أجل المزيد من الإبداع والابتكار والوعي بالتفوق، إلى الطعن في الخرائط الإدراكية للآخر المختلف عرقيا ودينيا وحضاريا. وهو تحيز لا يمكن أن نصنفه سوى كونه تحيزا عنصريا فجا بعيدا كل البعد عن الأهداف الموضوعية للتفكير العلمي الذي يفترض الخُلو من الذاتية وأحكام القيمة، وبعيدا أيضا عن التفكير الفلسفي الذي يؤمن بالاختلاف وتعدد الآراء والأطروحات حول أي موضوع أو قضية من القضايا الفكرية والفلسفية مهما كان شأنها وحساسيتها.

لائحة المصادر والمراجع

– الأفغانى، جمال الدين. الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، د.ت.

– بدوي، عبد الرحمن. موسوعة المستشرقين، دار العلم بالملايين، بيروت، ط 1، 1984م

– حميش، بنسالم. الاستشراق في آفق انسداده، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، ط 1، 1991م.

– العلاني، محمد الصبحي، الاستشراق الفرنسي والأدب العربي القديم، ألفا للنشر، تونس، ط 1، 1998.

– الفراك، أحمد. فلسفة المشترك الإنساني، مطابع أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2016م.

– رينان، إرنست. ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ط1، 1957م.

– رينان، أرنست. والأفغاني، جمال الدين. الإسلام والعلم مناظرة رينان والأفغاني، ترجمة مجدي عبد الحافظ، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط.1، 2005م.

– رينان، أرنست. الأعمال الكاملة

 Œuvre complètes, Ed Définitive établie par Henriette Psichari Calman Levy, 1868

– رينان، أرنست. دراسات في التاريخ الديني، باريس، ط7، 1985م.

– يفوت، سالم. حفريات الاستشراق: في نقد العقل الاستشراقي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 1989.

– Ernest Renan, L’Islamisme et la science, conférence faite à la Sorbonne, le 29 mars 1883, Calmann-Lévy 1883

– Khatibi, Abdelkbir. J. Berque ou la saveur Orientale, les temps modernes, juin 1976

 

 

[1] – Ernest Renan, L’Islamisme et la science, conférence faite à la Sorbonne, le 29 mars 1883, Calmann-Lévy 1883

وهي محاضرة مشهورة لإرنست رينان، ألقاها في السوربون يوم 29/03/1883، ترجمة: د. محمد الحداد، والترجمة منشورة بموقع أجراس:   http://www.ajras.org/?page=show_details&Id=26&table=studies

[2] – المرجع نفسه.

[3] – المرجع نفسه.

[4] – يفوت، سالم. حفريات الاستشراق: في نقد العقل الاستشراقي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 1989، ص 8

[5] – ترجمة السيدة جواشون لكتاب “الرد على الدهريين” لجمال الدين الأفغاني، باريس سنة 1942، الملحق ص: 174- 185، نقلا عن: بدوي عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، مرجع سابق، ص: 316

[6] – رينان، إرنست. الإسلامية والعلم، ترجمة محمد حداد، مرجع سابق.

[7] – بدوي، عبد الرحمن. موسوعة المستشرقين، دار العلم بالملايين، بيروت، ط 1، 1984م

[8]– رينان، إرنست. ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ط1، 1957م، ص:10

[9] – رينان، إرنست. والأفغاني، جمال الدين. الإسلام والعلم مناظرة رينان والأفغاني، ترجمة مجدي عبد الحافظ، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط.1، 2005م، ص:15

[10] – رينان، إرنست. الإسلامية والعلم، ترجمة محمد حداد، مرجع سابق.

[11] – المرجع نفسه.

[12] – المرجع نفسه.

[13] – المرجع نفسه.

[14] – إرنست رينان، ابن رشد والرشدية، مرجع سابق، ص: 15

[15] – المرجع نفسه، ص: 11. من هؤلاء الملوك يذكر رينان “الخليفة” المستنجد سنة 1150 حيث أحرق جميع الكتب الفلسفية بما فيها كتاب حول الفلك لابن الهيثم. (ينظر ابن رشد والرشدية، مرجع سابق، ص: 48)

[16] – رينان، إرنست. مجموعة مؤلفاته، مرجع سابق، ص: 958، ، نقلا عن: بدوي عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، مرجع سابق، 1/315

[17] – رينان، إرنست. دراسات في التاريخ الديني، باريس، ط7، 1985م، ص:220

[18] – رينان، إرنست. الإسلامية والعلم، مرجع سابق.

[19] – المرجع نفسه.

[20] – المرجع نفسه.

[21] – رينان، إرنست. الإسلامية والعلم، مرجع سابق.

[22] – المرجع نفسه.

[23] – المرجع نفسه.

[24] – المرجع نفسه.

[25]– المرجع نفسه.

[26] – رينان، إرنست. مجموع مؤلفاته، مرجع سابق، ص: 962-963، نقلا عن: بدوي عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، مرجع سابق، 1/316

[27] – Ernest, Renan. L’Islamisme et la science, conférence faite à la Sorbonne, le 29 mars 1883, Calmann-Lévy 1883 في: http://fr.wikisource.org/wiki/L%E2%80%99Islamisme_et_la_science

 

[28] – ولا ننسى فضل الدراسات والأبحاث الاستشراقية في تحقيق آلاف النصوص العربية وكشف آلاف الحقائق العلمية في التراث الإسلامي وغيره، بل إن العديد من المخطوطات والمؤلفات لم يكن للعرب والمسلمين أي علم بها أو اهتمام أبرزها واعتنى بها المستشرقون.

اظهر المزيد

د. أحمد الفراك

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي– المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: