إنما البيع بالتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة قواعد فقهية في المعاملات المالية؛

7/ تحليل قاعدة؛ “إنما البيع بالتراضي“.

       الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأزواجه، وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

       التراضي هو الركن الأول والأساس في كل العقود، ومنها عقد البيع، إذ يشترط اقتران إرادتين متطابقتين أي وجود إيجاب معين وقبول مطابق له، واقتران الأخير بالأول أي وصوله إلى علم موجب، وكل ذلك يسري على تبادل الإيجاب والقبول.

     وسأحــلل هنا قاعدة “إنما البيع بالتراضي حسب المنهج الآتي:

1- مضمون القاعدة:

2- فــوائد القاعدة:

3- تطبيقات القاعدة:

4- رصـد الاختلافات الفقهـية:

5- مستثنيات القاعدة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مضمون القاعدة:

أ- شرح المصطلحات:

* البيع:  لغة: مقابلة شيء بشيء؛ فمقابلة السلعة بالسلعة تسمى بيعًا لغة كمقابلتها بالنقد، ويقال لأحد المتقابلين: مبيع، وللآخر: ثمن. وقال بعضهم: إن معناه في اللغة تمليك المال بالمال. والبيع ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضا[1].

واصطلاحا: مبادلة مال بمال لغرض التملك[2].

* الرضا:  لغة: مصدر رضي يرضى وهو مأخوذ من مادّة “ر ض و”، الّتي تدلّ على خلاف السّخط. وفي حديث الدّعاء: اللهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك[3].

والرضا اصطلاحا[4]: هو صحّة العلم الواصل إلى القلب. فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدّاه إلى الرّضا. وقيل هو “استقبال الأحكام بالفرح”. قال المناويّ: الرّضا طيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر، وقول الفقهاء يشهد على رضاها أي إذنها جعلوا الإذن رضا لدلالته عليه.

        والتــراضي هو توافق إرادتين بقصد إحداث أثر قانوني. ويعتبر التراضي موجوداً إذا تطابقت إرادتـا المتعاقدين وتوافرت شروط المحل والسبب وبهذا ينعقد العقد.

ب- شرح القاعدة:

 يقصد بهذه القاعدة أن يتم البيع، كباقي المعاملات على أساس التراضي التام بين الأطراف، ودليل ذلك قول الله تعالى : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ”[5]. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا” (متفق عليه)، وتأسيسا على ذلك تبطل العقود القائمة على الإكراه أو الإذعان، أو لا يتوافر في أحد الأطراف أهلية التعاقد.

       ويشترط في عقد البيع كما في سائر العقود اقتران إرادتين متطابقتين وهذا ما سبق أن عرفناه, لأجل إحداث أثر قانوني معين وهذا يعبر عنه ب”التراضي”. وبما أن إرادة الشخص هي أمر كامن بذاته فلا بد لها إذن أن تخرج إلى العالم الخارجي وذلك بالتعبير عنها حتى تتطابق مع إرادة أخرى وبالتالي انعقاد العقد.

        أما عن طرق التعبير عن هذه الإرادة؛ فيكون باللفظ و بالكتابة أو بالإشارة المتداولة عرفا كما يكون باتحاد موقف لا يدع أي شك في دلالته على مقصود صاحبه. ويجوز أن يكون التعبير عن الإرادة ضمنيا إذا لم ينص القانون أو يتفق الطرفان على أن يكون صريحا”

2- فــوائد القاعدة:

      تظهر فائدة هذه القاعدة في تحديد موضوعات التراضي، وضبط شروط صحته، ومعرفة مكانة التراضي في العقود.

أ- موضوعات التراضي في عقد البيع.

       التراضي على العناصر الأساسية للبيع أمر ضروري لكي ينعقد البيع، وهي:

* الاتفاق على المبيع:

إن الاتفاق على المبيع من المسائل الجوهرية أي تطابق إرادتين على المبيع مثلا إذا عرض أحد الطرفين على الآخر أن يبيعه شيء معين بالذات وجب أن تتجه إرادة الطرف الأخر إلى قبول شراء هذا الشيء ذاته، وإلا فلا يكون تمت بيع لعدم الاتفاق على المبيع[6].

* الاتفاق على الثمن:

فلا بد من توافق إرادتين على الثمن فلا ينعقد البيع إذا عرض احد الطرفين البيع بثمن معين و قبل الطرف الآخر بثمن أقل[7]. ولا ينعقد البيع لعدم تطابق الإيجاب و القبول حول الثمن.

* الاتفاق على طبيعة العقد:

       بالإضافةً إلى الاتفاق على المبيع والثمن. يتم الاتفاق على طبيعة العقد أي أن تتجه إرادة البائع إلى البيع وتتجه إرادة المشتري إلى الشراء[8]. أي أن كل من إرادة المتعاقدين تتجه إلى إبرام عقد البيع. فإذا كان أحد المتعاقدين يقصد إبرام عقد بيع وكانت إرادة المتعاقد الثاني تتجه إلى إبرام عقد الإيجار، فلا ينعقد عقد البيع ولا عقد الإيجار وذلك لانعدام التراضي على طبيعة العقد.

      ويجب أن يتم الاتفاق على المبيع والثمن وطبيعة العقد. أما باقي الأحكام الأخرى فإن القانون قد تكفل بتنظيمها كمكان وزمان دفع الثمن وتسليم المبيع. وتجدر الإشارة إلى أن عقد البيع ليس له شكل خاص فهو ليس بعقد شكلي بل عقد رضائي.

ب- شروط صحة التراضي في عقد البيع:

        لا يكفي وجود التراضي لكي يستقر العقد نهائياً؛ ولكن يجب أن يكون التراضي صادراً من ذي أهلية وخالياً من العيوب. وصحة التراضي تتحقق من خلال ثلاثة شروط: توافر الأهلية. خلو الرضا من العيوب وعلم المشتري بالمبيع علما كافيا.

* توافر الأهلية: يقصد بالأهلية صلاحية الشخص للقيام بتصرفات القانونية. ومناط الأهلية الإدراك والتمييز فمن كان فاقد الإدراك اعتبر منعدم الأهلية، فيكفي لشخص تمييزه من أجل إبرام البيوع. والعبرة بتوافر الأهلية في وقت إبرام العقد. ولا أثر لما يصيب أهلية الشخص بعد انعقاد العقد.

* خلو الرضا من العيوب: عيوب الإرادة هي: الغلط والتدليس والإكراه واستغلال؛ فإذا أعيبت إرادة البائع  أو المشتري بأحدها تبث لمن أعيبت إرادته الحق في طلب إبطال العقد إذا ما توافرت شروط العيب الذي اتصل بالإرادة. إلا أن هذا الحق يسقط لأسباب منها: التقادم والإجازة.

* علم المشتري بالمبيع علما كافيا: لابد أن يكون المشتري عالما بالمبيع علما كافيا، بحيث يشتمل العقد على بيان المبيع وأوصافه الأساسية بحيث يمكن التعرف عليه. ويتحقق العلم بحسب الأصل برؤيته أو بمعاينته. وبوصف المبيع عند إبرام العقد يُمَكن من معرفة المبيع. و يتحقق أيضا بإقرار المشتري في عقد البيع بأنه عالم بالمبيع فيقوم هذا الإقرار مقام الرؤية أو المعاينة ويعد بمثابة تنازل المشتري المسبق عن حقه في طلب الإبطال. وإذا ذكر في عقد البيع أن المشتري عالما بالمبيع سقط حق هذا الأخير في طلب إبطال البيع بدعوى عدم العلم به إلا إذا أثبت غش البائع.

3- تطبيقات القاعدة:

من النماذج التطبيقية لهذه القاعدة : بيوع المساومة، بيوع المرابحة، وبيع السلم، وكذلك  شروط التسليم والسداد وشرط الرهن، وشرط الضمان، وغيرها من المعاملات التي تقوم على التراضي بدون إذعان أو احتكار أو إكراه أو استغلال .

4- رصـد الاختلافات الفقهـية:

اختلف علماء الشريعة وفقهاء القانون في مجموعة من القضايا تتعلق بالرضا في العقد بشكل عام، ومنها:

–  تحديد المدة التي يجب أن تفصل بين الإيجاب و القبول.

– التعبير الضمني عن الإرادة بسبب اختلاف العادات والأعراف.

– السن الشرعي والسن القانوني للأهلية.

– موانـع الأهليـة، ومنها :
* الغائب.
* في حالة الحكم بعقوبة سالبة للحرية عندها تعين المحكمة قيماً على المحكوم عليه ليتولى إدارة أمواله.
* العاهة المزدوجة.

5- مستثنيات القاعدة:

       قاعدة إنما البيع بالتراضي لها مستثنيات من نوعين مختلفين:

النوع الأول: لا يجوز التراضي على أمور منهي عنها شرعا، مثل التراضي على الميسر، أو التراضي على التزوير، أو التراضي على التهرب من أداء حقوق الغير، أو التراضي على بيع شيء محرم شرعا، أو التراضي على البيع بالربا.

النوع الثاني: بيع الشيء عُـنوة على صاحبه:

– يكمن للقاضي أن يبيع شيئا على صاحبه إن كان مملوكا للمدين، وكان ضروريا لوفاء دين عليه.

– كما يمكن أن تضطر الدولة إلى إلزام شخص ببيع ما يملك إذا دعت الضرورة الشرعية الملحة لحفظ مصلحة العامة، وهو ما يسمى ب؛ “نزع الملكية للمصلحة العامة”.

لكن يجب أن نعطي البائع الثمن المناسب للشيء المبيع، بحيث لا ضرر ولا ضرار.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– يُـنظر: ابن منظور، لسـان العرب، مادة (بيع) ج: 8 / ص:23-25.

 والفـيروز آبادي، القاموس المحيط ، مادة (بيع) ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ  محمد البقاعي. الصفحة: 635.

[2]-يُـنظر: محمود عبد الرحمان عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية،ج:1 / ص:400-402. ففيه تفصيل فريد.

[3]– يُـنظر: ابن منظور، لسـان العرب، مادة (رضو) ج: 14 / ص:324-325.

 والفـيروز آبادي، القاموس المحيط ، مادة (رضو) ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ  محمد البقاعي. الصفحة: 1160.

[4]– محمود عبد الرحمان عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية،ج:2 / ص:150-151.

[5] –  النســاء : 29.

[6] – زاهية يوسف، “عقد البيع”. مطبعة دار الأمل. الصفحة: 25.

[7] – زاهية يوسف، “عقد البيع”. الصفحة: 26.

[8] – زاهية يوسف، “عقد البيع”. الصفحة: 27.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: