إمام الصلاة وقراءته بالروايات

اتفقت المذاهب الفقهية المشتهرة على جواز القراءة بمتواتر القراءات في الصلاة وخارجها، وحِرمة القراءة بالشواذ في الصلاة وخارجها.
والذي عليه جمهرة القراء والأصوليين أن القراءات المتواترة عشر: قراءة نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبي عمرو بن العلاء البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم وحمزة والكسائي الكوفيين، وأبي جعفر المدني، ويعقوب الحضرمي البصري ،وخلف البزار، وأن ما عداها شاذ. وكل واحد من العشرة له رواة، وأشهر الروايات المتداولة اليوم بالبلاد الإسلامية، المقروء بها في الجوامع أربعة: روايتا ورش وقالون عن نافع، ورواية الدوري عن أبي عمرو، ورواية حفص عن عاصم.
وأما باقي الروايات والقراءات فتتعلم في المقارئ، ويتلقاها طلبتها عن أشياخهم بأسانيد صحيحة، إذ تعلم القراءات وحفظها واجب وجوبا كفائيا، وقراؤها هم الذين حافظوا لنا عن أحرف القرآن ورواياته. ولا ضير في القراءة بهذه الروايات في حلقات التعليم، والمسابقات القرآنية، والمناسبات المتنوعة، شرط إعلام الناس بذلك كي لا ينسبوا إلى قارئيها اللحن في القرآن الكريم.
فهل للإمام في المسجد أن يقرأ بهذه الروايات في الفرض أو التراويح مثلا، تعريفا للناس بها؟ أم وجب عليه القراءة بما تعارف عليه أهل البلد واعتادوا سماعه.
إن المصلي المنفرد له القراءة في خاصة نفسه بأي رواية شاء من الروايات الصحيحة التي أخذها عن أهلها المتحققين منها أصولا وفرشا، وله ذلك مع زمرة القراء العارفين بالروايات القارئين بها، وللمقرئ إن رغب إليه جمع من الناس أن يصلي بهم برواية معينة فله أن يجيب طِلبَتهم، لكن مرتبة الإمامة في الصلاة مع عامة الناس في الجوامع شيء آخر.
إن المصلي يناجي ربه، والصلاة تذكير بالخالق، وهي قربة فعلية يتجسد التمسكن والتواضع فيها والخضوع للباري سبحانه وإلا كانت خداجا، وفيها ينبغي حضور القلب وخشوع الجوارح. والإمام إنما جعل ليؤتم به ويكون مساعدا على تحقيق هذه المعاني السامية في المصلين؛ فحينما يقرأ بما اعتاده الناس ونشأوا عليه منذ الصغر، فإن المأتمين به لا محالة يدفعهم ذلك إلى انجماع قلوبهم، وبخاصة إن كان الإمام ممن يتغنى بالقرآن ويحسن الصوت به، لكن إن قرأ في المحاريب بغير المعهود، كأن يقرأ مثلا بالإدغام الكبير للسوسي عن أبي عمرو، أو بالسكت لخلف عن حمزة، أو بالإمالات للكسائي، أو بضم الهاء من (عليهم) و(إليهم) وغيرهما عند من يضمهما، على تواتر ذلك وصحة القراءة به في الصلاة، فإن المصلين سينشغلون بهذه الظواهر الصوتية الغريبة على أسماعهم، وقد يذهب معه المقصد الأساس من الصلاة، وقد تثار أسئلة بعد انقضاء الصلاة تحتاج إلى أجوبة…
إن الإمام في الجامع حري به أن يقرأ في الصلاة بما جرى به العمل في البلد بالرواية المختارة، كجري العمل عندهم في إخراج الزكاة من “جل عيش أهل البلد”، إذ ما جرى به العمل هو بمثابة العرف الذي له اعتبار في الشرع.
روي أن أبا العباس بن طالب وهو من أصحاب الإمام سحنون أمر أبا عبد الله محمد بن برغوث القروي المقرئ (272ه) المتصدر بجامع القيروان ألا يقرأ الناس إلا على حرف نافع. (ترتيب المدارك 4/37-38).وقال أبو الوليد بن رشد(ت 520ه) في مسائله عن رواية ورش: “اختارها الشيوخ المتقدمون عندنا، فكان الإمام في الجامع لا يقرأ إلا بها” مسائل ابن رشد 974-875
وجماع الكلام أن أهل كل بلد ينبغي أن يقرأوا في محاريبهم بالرواية المتداولة عندهم، فإن كانوا في بلد به ناس من أجناس مختلفة، يقرؤون بروايات متعددة كبلدان الغرب مثلا، حيث تجد فيها العرب المسلمين والأفارقة والآسيويين وغيرهم، فمنهم من يقرأ على رواية حفص، ومنهم من يقرأ بورش، ومنهم من يقرأ بقالون، ومنهم من يقرأ بدُورِي أبي عمرو، ويصلي كل أولئك في مسجد واحد، فالإمام مخير بأن يلتزم رواية واحدة في صلاته، ويحسن أن تكون رواية أغلب معتادي ذلك المسجد الذي يؤم فيه، وله أن يقرأ بهذه في صلاة وبأخرى في صلاة لوجود من يعرف هذه أو تلك، إن كان هو قد تلقاها عن مشايخه وأساتذته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: