أضحية العيد؛ حـكم ومقــاصد

      الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛

      شرع الله تعالى العبادات لحـكم بالغة، ومقاصد سامية، ومن هذه الحكم والمقاصد:

– استحضار النية والإخلاص في العمل: قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ)[1]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)[2]. فلا عمل بدون نية، وجميع العبادات تؤدى بهذا المقصد.

– استشعار العبد بالافتقار إلى الله عز وجل.

– ارتباط العباد بالله سبحانه في حياتهم، ونسكهم. فالأضحية في العيد ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود هو الخضوع لله، والتقرب بها إلى الله ماديا بالانتفاع بلحومها وشحومها وصوفها وجلودها، قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”[3]، ونيل الأجر بعدد شعر صوفها، قال تعالى: “وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ”[4].

– ومن أعظم هذه المقاصد؛ تحقيق معاني العبودية، وأن يخضع العبد لربه عز وجل لتحصل الثمرة وهي تقوى الله عز وجل، وإصلاح القلوب، كما يُقصد من الأعمال التعبدية تعظيم شعائر الله تعالى، وقد ورد ذلك عند ذكر جل العبادات؛ فعن مناسك الحج وأضحية العيد قال عز وجل: (ذَلكَ وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب)[5]. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: “فشعائر الله أعلام دينه لاسيما ما يتعلق بالمناسك؛ قال ابن عباس ومجاهد وجماعة: وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البُدْن ربما يُحمل على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشَّرع، وهو من تقوى القلوب”.

       ولتحقيق هذه العبودية مع ذبح الأضاحي، خاصة، ينبغي أن نستحضر ونتأمل قوله تعالى: (لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)[6]. جاء في مختصر تفسير ابن كثير، عن هذه الآية: (قول الله تعالى؛ إنما شرع لكم نحر هذه الضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فهو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: “لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا”، عن ابن جريج قال: “كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق أن ننضح فأنزل الله؛ ”لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”، أخرجه ابن أبي حاتم، أي؛ يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وجاء في الحديث: “إن الصدقة لتقع في يد الرحمـن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع إلى الأرض”)[7].

       قال ابن عَبَّاس: “كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُضَرِّجُونَ الْبَيْت بِدِمَاءِ الْبُدْن، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلكَ” فَنَزَلَتْ الْآيَة. وَالنَّيْل لَا يَتَعَلَّق بِالْبَارِئِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا عَنْ الْقَبُول، والْمَعْنَى: لَنْ يَصِل إِلَيْه. وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ؛ أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيث؛ “إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ”.

        إذا كانت الأعمال الظاهرة مطلوبة، فإنه يجب أن نـعرف أن المقصود في الأعمال الظاهرة هو التأثير على القلب، وأعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى في هذه العشر الأول من شهر ذي الحجة أن يجدها الإنسان فرصةً لتصفية القلب، فحسنات القلوب أهم من حسنات الجوارح، وهي الأصل لحسنات الجوارح. لذلك يجب أن يستحضر المؤمن أن الأضحية قد شُرعت لحِكم بالغة، وفي مقدمتها التقرب إلى المولى عز وجل، وامتثالا لأمره حين قال: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر”. وشكر الله تعالى على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام، وفيها إحياء لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، ومن المعاني الجميلة أن فيها التوسعة على العيال يوم العيد، وإشاعة الفرحة بين الفقراء والمساكين لما يتصدق عليهم منها. فكل ذلك عبادة نتقرب بها إلى الله تعالى.

        ولتجديد النية وإخلاص العمل لله تعالى؛ ينبغي ألا يذكر المؤمن سعر الأضحية عند الزملاء أو العائلة أو عبر وسائط التواصل، على أساس التفاخر أو التضجر من الثمن لأن هذه الشعيرة تقدم تقرباً لله عز وجل، باعتبارها شعيرة من شعائر الإسلام، وهي سنة مؤكدة على الراجح من أقوال الفقهاء، وعلى المضحي أن يقدمها لله تعالى بنفس طيبة.

– شكر الله على نعمه: فالشكر هو اعتراف بفضل الله وتقييد النعم يكون بالشكر الذي يصدقه العمل والاجتهاد بالتقرب إلى الله عز وجل. لذلك قل الشاكرون؛ قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا، وقليل من عبادي الشكور)[8]، ولا يعرف قدر النعمة إلا من فقدها، قال ابن عطاء الله السكندري، رحمه الله، (من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها).

      أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا جميعا صالح الأعمال، وأن يجعل نسكنا صوابا وخالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلها من تقوى القلوب. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين

[1] – البينة: 5.

[2] – رواه الإمامان البخاري ومسلم.

[3] – الحج : 32.

[4] – الحج : 37.

[5] – الحج : 32.

[6] – الحج : 37.

[7] – مختصر تفسير ابن كثير، ج: 2 / ص: 546.

[8] – سبأ : 13.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: