أساسات في بناء أجيال الحكمة وفصل الخطاب[1]

إذا كان من المشروع أن نتحدث الآن عن أفق علمي تجديدي لمستقبل الأمة، تصاغ فيه العلوم صياغة تجديدية متكاملة وتتناغم فيه المعرفة الكونية والمعرفة الشرعية، لتجاوز حالة الانفصام النكد الحاصل في المعرفة، ويجمع فيه شتات العلم النبوي المفتت في أذهان الأمة وقلوبها طرائق قددا سنين عددا من أجل إعادة بناء شخصية الأمة الجامعة وعقليتها المتكاملة على أساس الفقه الجامع، فمن غير المشروع أن نتجاوز الحديث عن الفاعل التاريخي لتلك القضايا، عن الأجيال القادرة على صنع هذه الإنجازات وتحقيق ما يشبه المعجزات، وفي جملة عن مناط البناء المستقبلي للأمة.

كيف نتصور هذه الأجيال؟ وكيف نصنعها ونصوغ شخصيتها؟ استفهامان عريضان سأحاول الإجابة عنهما من خلال المحورين التاليين:

أ. مواصفات الشخصية العلمية لأجيال الحكمة وفصل الخطاب.

ب. المبادئ المؤسسة لنظام تربوي تعليمي لتخريج أجيال الحكمة وفصل الخطاب.

أ. مواصفات الشخصية العلمية لأجيال الحكمة وفصل الخطاب:

إن الشخصية العلمية التي نروم بناءها، إن شاء الله، لأجيال الحكمة وفصل الخطاب شخصية تكون على قدر كبير من التوازن، بحيث يتكامل فيها الجانب التربوي الإيماني، والجانب العلمي والثقافي والفكري، والجانب الدعوي والاجتماعي وذلك حتى تكون تلك الأجيال قادرة، فعلا، على الإنجازات التاريخية الكبرى التي تمكن لدين الله في الأرض، وللأمة في التاريخ، إنجازا لوعد الله ورسوله.

فما هي مواصفات هذه الشخصية العلمية التي نريد بناءها وصياغتها؟

نستطيع أن نجمل هذه المواصفات في الأمور التالية:

  1. نموذجية في الجمع بين العلم والعمل والإيمان والدعوة بشكل متناغم بمعنى أن يصبح لدينا علماء وعاظ مذكرون مربون معلمون خاشعون لله منيبون إليه خبراء بما تجيش به نفوس عباد الله، وبما هو حشو أدمغتهم، أمناء على وحي الله، متئدون، رفقاء بالفارين من دين الغفلة إلى الله، حكماء في خطابهم ربانيون تصيب أنات قلوبهم أسماع الفطرة، قبل أن تقرغ كلماته آذان الحاضرين الغائبين[2].
  2. قوة الشكيمة في الدفاع عن العقيدة، والقدرة على إنتاج أساليب الصد والإقناع حيال العدوان الثقافي الدوابي، “لأن كل أسلوب غير أسلوب الإقناع والإلزام العقلي محكوم عليه بالفشل والفناء، ما دام الذين يواجهون هذا الإسلام، قد أعدوا أنفسهم للمرحلة، بما يعدون من بحوث ودراسات، وبما أسسوا من دوريات ونشرات ومجلات، وبما فتحوا من محطات وقنوات إعلامية، كلها تسعى إلى عرض مذاهبهم عرضا يتزيا بالعلم ويتوارى خلف المنطق”[3].
  3. أهلية الانخراط في جهاد البناء والتعبئة والتعليم من أجل نهضة إعداد القوة وقومة الخلافة على منهاج النبوة.
  4. كمال الرجولة العلمية والإيمانية: وإنما تكتمل الرجولة العلمية والإيمانية لأجيالنا بالدراسة والتكوين وفق منهج يجمع بين علوم الوحي وعلوم العصر ومعارفه “فعالم المستقبل ليس عالما مفيدا لفئة خاصة هي فئة المؤمنين الذين يأخذون عنه مسلمين بما يقول ويوجه وإنما هو عالم نافع للمجتمع كله بكل شرائحه ومكوناته، فهو عالم وباحث ومفت ومناظر وموجه ومشارك في كل شعب الحياة”[4]. كما أن حصول الكمال للعالم المتوسع في ديوان الرجولة الإيمانية، والتقوى الإحسانية، إنما يكون بسعيه ليلا ونهارا، يجفو فراشه ودثاره، ويحترق كبده شوقا إلى الله، ويتحسر على ما انصرم من عمره في غفلة عن الله، حتى يفتح الله له إلى معرفته بابا، ويذوق من حلاوة الإيمان لبابا[5].
  5. القدرة على الاجتهاد المطلق، بمعنى أن يتكون لدينا علماء جمعوا من المؤهلات العلمية والتربوية والدعوية والجهادية ما به يستطيعون الأخذ والتلقي المباشر من الكتاب والسنة مستنيرين بهدي السلف الصالح فيتجاوزون بذلك كل الوسائط النسبية بينهم وبين الوحي ناظرين إلى ما أثله لنا من سبقنا بالإيمان من علمائنا الأجداد، من علوم ومعارف على أنها صيغت صياغة ناسبت زمانها ومكانها وأحوال وهمم أهلها.

تلكم بعض المواصفات اللازمة لشخصية أجيال الحكمة وفصل الخطاب لكن على أي منهاج يمكن صياغة وبناء هذه الشخصية المتصفة بتلك المواصفات؟

ب. المبادئ المؤسسة لنظام تربوي تعليمي لتخريج أجيال الحكمة وفصل الخطاب:

إن الحديث عن الشخصية العلمية لأجيال الحكمة وفصل الخطاب، التي تحدثنا آنفا عن مواصفاتها، يستلزم بالضرورة الحديث عن طبيعة النظام التربوي التعليمي الذي توكل إليه مهمة تخريج أجيال من مستوى ما ذكرناه. فما هي المبادئ والمنطلقات الأساسية لهذا النظام التربوي؟

1. مبدأ وحدة المرجعية:

ونقصد به أن ينبثق نظامنا التربوي والتعليمي إجمالا من ذاتيتنا وأصالتنا، وينطلق من حاجياتنا الآنية والمستقبلية، في خصوصياتنا، فالمنطلق في تحديد فلسفتنا التربوية ومبادئ وأهداف إصلاحاتنا التعليمية إنما هو كتاب ربنا وسنة نبينا، وفي ظلالهما نجتهد ونبتكر، لا نسمح لأي مرجعية أجنبية بالتشويش علينا خصوصا في هذا المجال التربوي الفلسفي.

لكننا ننفتح على مختلف تجارب الأمم في ميدان التربية والتعليم، لنحاورها وننتقدها ونستفيد منها في مجالي التنظيم والتطبيق التربوي التعليمي وبذلك نجمع بين الحصانة الذاتية لشخصيتنا من الغزو الفكري والتبعية الثقافية والمسخ الحضاري الذي غرسه فينا النظام التعليمي الرسمي، وبين ضرورة الانفتاح على تجارب الأمم وثقافاتها التي هي من عطاء الله غير المحظور باحثين عن الحكمة ضالة المؤمن.

2. مبدأ استقلالية المؤسسة التعليمية:

لقد ظلت مؤسساتنا التعليمية عبر التاريخ الطويل تعمل على مبدإ الاستقلال، سواء من الناحية الإدارية المكتبية أو من الناحية المالية أو من الناحية البيداغوجية، غير أنه لا بد من تحديد هذا المبدأ وضبطه حتى لا يكون ذريعة للدولة لتتملص من مسؤوليتها، ووسيلة للفوضى والعبث في أخطر قضية من قضايا الأمة، ألا وهي التربية والتعليم.

فالمقصود باستقلالية المؤسسة أن تحافظ على استقلالها عن الهيمنة المكتبية للوزارة الوصية في اتخاذ القرار ووضع البرامج وتحديد المناهج والطرق، مع احتفاظ الدولة بمسؤوليتها في تحديد السياسة التعليمية العامة، وغايات التربية من خلال ميثاق وطني يشارك في وضعه جميع الفاعلين والخبراء التربويين والعلماء، ويصوت عليها الشعب، خصوصا بعد ما أثبتت الدولة فشلها في تعميم التعليم وتأهيل الأجيال. كما يجب أن تحافظ هذه المؤسسة على استقلالها المالي بتدبير مواردها الخاصة وتطويرها واستثمارها بعيدا عن أي تدخل آخر، لكن مع ضرورة تخصيص ميزانية ثابتة من خزينة الدولة للمدرسة.

ولهذا المبدإ بعد استراتيجي هام، يتمثل في إعادة بناء العلاقة الشرعية التاريخية بين الدعوة والدولة من خلال ضمان استقلال مواقف العلماء والمؤسسات العلمية والتعليمية عن هيمنة الدولة واحتوائها، ولنا في تجربة الحوزات العلمية الإيرانية درس مهم في هذا المجال. ومبدأ استقلال المؤسسات العلمية أثبت نجاعته وفعاليته في كثير من المؤسسات التعليمية بالغرب نذكر منها على سبيل المثال جامعتي كامبردج وأكسفورد القائمتين على هذا المبدأ الاستقلالي مع ما تحظيان به من دعم مالي ثابت من الكنيسة.

3. مبدأ البذل والتطوع:

ويقصد به ربط العملية التربوية التعليمية بعامل الإيمان بالغيب حتى تكون المردودية قوية والحصيلة جيدة، فلا يحرر المعلم من ذهنية الأجير القاتلة إلا تعبئته على أن يطلب بما يبذله من علم وتعليم، تلك الخيرية التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[6]، ويخشى الوعيد الشديد لمن كتم العلم وبخل به الوارد في الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي القائل: “من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة”، كما ينبغي رفع همة الطالب ليطلب معالي الأمور، وعلى رأسها ما أعده الله من الدرجات العلا للعلماء العاملين (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)[7]، (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)[8]، وما أعده لطالب العلم في قوله صلى الله عليه وسلم: “… ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة”[9].

ويقتضي مبدأ البذل والتطوع إحياء الحوافز الإيمانية في الأمة ليهب أهل المروءة والمال للتنافس في تشييد المعاهد والمؤسسات العلمية، وتخصيص أوقاف غنية لها، وإيواء الطلبة وإكرام المعلمين وإغنائهم طلبا لما أعده الله للمنفقين لأموالهم، تماما كما ينفق أهل العلم علمهم، وبذلك تصبح قضية التعليم قضية الأمة وفي كنفها فعلا.

4. مبدأ التخصص المزدوج للبرامج الدراسية:

انسجاما مع الآفاق التجديدية المنشودة، وتحقيقا للأهداف الاستراتيجية المطلوبة، نرى لزاما أن نبني البرامج الدراسية على مفهوم التخصص المزدوج بحيث يصبح المتخرج ملما بالعلوم الشرعية إلماما تاما، مطلعا على علوم عصره. فالعلوم الشرعية تضمن لنا أصالة المعرفة ومتانتها في تكوين الطالب بينما علوم العصر توسع مدارك الطالب، وتجعله أكثر فهما واستيعابا لقضايا عصره وشؤون أمته، خصوصا وأن الكثير من مشاكل العصر التي تنتظر أحكامها الشرعية، وما يستجد غدا، يتوقف فهمها وتحقيقها على جملة من المعارف العصرية تجب دراستها والتزود منها.

بعد هذا التكوين الأساسي المتزن يحق للطالب أن يختار مجالا من مجالات العلم والمعرفة ليعمق تخصصه فيه ويبدع فيه ويبتكر.

5. مبدأ الصياغة القرآنية للبرامج الدراسية:

إن ضمان عناصر القوة والأصالة مع القدرة على الانفتاح المنضبط في الشخصية العلمية المنشودة لأجيال الحكمة وفصل الخطاب، رهين بضرورة صياغة جميع مواد البرنامج التعليمي بشقيه الشرعي والعصري صياغة قرآنية، بحيث تفرغ بعض مواد العصر كاللغات الأجنبية وغيرها من كل مضمون يصادم شرعنا ولا يحترم خصوصيتنا الحضارية، وبذلك نتمكن بإذن الله من غرس الولاء المبكر لله وحده دون مشاكسة ولاء أجنبي آخر، خصوصا في المراحل الأولى من الدراسة الحاسمة التي تتأسس فيها قواعد الشخصية للطفل ويتأصل فيها الشعور والولاء والفكر والباعث.

6. مبدأ العقلانية الإيمانية:[10]

نريد من تعليم أجيال الحكمة وفصل الخطاب أن يتأسس على هذا المبدأ ليكون:

تعليما ينور القلوب بالإيمان ويعلم العقول العلم والحكمة والنظرة الناقدة المميزة، وذلك بشكل متوازن.

تعليما يجعل طاقة العقل ودرايته في خدمة الغاية الإيمانية الإحسانية.

تعليما يجمع في غير ما تناقض مزعوم بين النقد العلمي والسيطرة على الطبيعة وداعي العقلانية من جهة، وبين مقتضيات الإيمان من جهة أخرى[11].

7. مبدأ الشخصية القرآنية لرجل التعليم:

يعتبر رجل التعليم ركنا ركينا في المنظومة التربوية، وواسطة عقدها والمربي والقدوة، لذلك ينبغي أن يكون على قدر كبير من الكفاءة والباعث والكرامة والرخاء الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية الإيمانية، حتى يدرك أنه صاحب رسالة في المجتمع يجب أن يؤديها بأمانة لا مجرد موظف أجير[12]، ولتحقيق هذه النموذجية في رجل التعليم، رجل التربية والتغيير وصناعة أجيال الحكمة وفصل الخطاب، يتعين أن تتوفر له وفيه الشروط التالية:

1. الشرط الاجتماعي:

ونقصد به ضرورة ضمان العيش الكريم لرجل التعليم حتى يتفرغ لرسالته العظمي، بحيث لا يصرفه عنها صارف من صوارف المعاش، وإلا كما قال الأستاذ ياسين: “فكيف ينفق من علمه وخلقه من هو موزع في همومه اليومية منبث غير مضموم؟”[13]

فتحرير رجل التعليم من عبودية هم المعاش ليقود جهاد التعليم بات على رأس الأولويات الملحة، قال ابن سحنون في آداب المعلمين، حاثا على ضرورة التفرغ لرجل التعليم: “ليلزم المعلم الاجتهاد ويتفرغ لهم ولا يدع عمله ولا يتبع الجنائز ولا عيادة المرضى”[14].

2. الشرط العلمي:

لا شك أن التدريس بالمدرسة التي ينتظر منها تخريج أجيال الحكمة وفصل الخطاب يتطلب الكفاءة العلمية الرصينة في تخصص معين بعد تحصيل الحد المعقول اللائق من المعلم الشرعي، وكذلك الكفاءة المهنية والقدرة البيداغوجية، وذلك حتى يكون عطاء مربي الناشئة مثمرا وفعالا. لكن قبل ذلك وبعده يجب أن نحدث التغيير في عقل أهل التعليم مشرفين وممارسين ومراقبين وطريقة تفكيرهم، حتى يكون التجديد المستمر لأساليب العمل ومناهجه جزءا من بنية تفكيرهم وثقافتهم.

3. الشرط التربوي الأخلاقي:

والمقصود اختيار أفاضل الناس لقضية التربية والتعليم من أهل المروءة والهمم العالية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الناس من تعلم القرآن وعلمه”[15]، فلا بد لمن انتدب لقضية التربية والتعليم أن يكون قدوة حسنة، بحيث يكون متأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يمكن أن يستأمن على أبنائنا وشبابنا، ولا يقاوم السيوبة الأخلاقية إلا المعلم القرآني المتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

8. مبدأ البحث العلمي:

من أجل تمكين المؤسسة التعليمية من أن تكون مصدر إشعاع علمي تربوي في المجتمع، وأن تساهم في تحقيق إقلاع تعليمي تربوي جاد تتناسل منه أجيال الحكمة وفصل الخطاب، يجب أن تتأسس في كل مؤسسة أو مجموعة من المؤسسات على الأقل فرق للبحث العلمي في مجالات العلوم الشرعية والكونية، على أن تتم تعبئة المجتمع أفرادا ومؤسسات ودولة لتمويل البحث العلمي والإنفاق عليه بسخاء باعتباره مسألة حياة أو موت للأمة في المستقبل، ويجدر بنا في هذا الصدد أن نعمل على إحياء الحوافز الإيمانية في المجتمع لإعادة نشر فضيلة تخصيص الأوقاف للمدارس.

9. مبدأ اعتماد اللغة العربية لغة التدريس الموحدة:

إن اعتماد العربية اللغة المهيمنة على جميع الأسلاك والتخصصات في تعليمنا واجب شرعي، لأن الله عز وجل اختار العربية وعاء وحيه كتابا وسنة، ولم يجز أن يتعبد بكتابه بغير العربية.

كما أن العربية هي الوسيلة التي بها يتم واجب ربط الناشئة بالنبع الصافي، الكتاب والسنة، دارسة وتمثلا واستنباطا.

والمبدأ كذلك ضرورة علمية تربوية، ذلك أن مختلف التجارب التربوية في العالم برهنت أنه بدون الاعتماد على اللغة الوطنية الأم، لن يكون هناك تقدم حقيقي للمجتمع[16]. فقد جاء في تقرير لليونيسكو الذي نشر عام 1963: “إن اللغة الوطنية، اللغة الأم، هي من الناحية السيكولوجية منظومة من الرموز تعمل أوتوماتيكيا في ذهن الطفل عندما يريد أن يتكلم أو يفهم، ومن الناحية السوسيولوجية تربط الطفل بقوة مع المجموعة البشرية التي ينتمي إليها، ومن الناحية البيداغوجية، تمكنه من التعلم بسرعة أكبر من السرعة التي يتعلم بها إذا كانت اللغة أجنبية”.

ومن جهة أخرى فاعتماد هذا المبدأ ضرورة سياسية واجتماعية، إذ من شأنه أن يقوي وشائج الوحدة بين فئات المجتمع ويقارب بين الفهوم والتصورات وتلك هي البداية الحقيقية لتنمية اجتماعية وفكرية وثقافية واقتصادية.

10. مبدأ المنهج الاجتهادي:

إن النظام التعليمي الذي نعول عليه بعد الله عز وجل في بناء أجيال الحكمة وفصل الخطاب لا يفي بالغرض ما لم يقم أساسا في تصريف برامجه على منهج جامع متكامل يجمع بين معارف الوحي ومعارف العصر، كما يجمع بين التحصيل الإيماني والتحصيل العلمي، بين الحفظ والتكرار والإبداع والابتكار أنه في جملة منهج اجتهادي متجدد.

ففي المراحل الأولى يمكن أن يكون المنهج التحصيلي مناسبا شريطة أن يتزاوج بمناهج أخرى تنمي في المتعلم ملكات البحث والتحليل والتركيب والنقد والتأصيل والمقارنة، أما الطور العالي فينبغي أن يعتمد على المنهج الاجتهادي الذي ينمي ويرسخ الملكات السابقة في المتعلم ثم يقوده تدريجيا نحو التعامل المباشر مع الكتاب والسنة دراسة وتنظيرا واستنباطا.

وفي الختام وجب التأكيد على أن البناء العلمي لمستقبل الأمة المنشود مرهون بإعداد أجيال الحكمة وفصل الخطاب القادرة، علما وعملا، على مواصلة واجب البناء والتجديد. وأن هذا الأخير متوقف على إعداد منظومة تربوية تعليمية تتأسس على الأسس والمبادئ التي تحدثنا عنها سلفا، وتتأطر بثنائية واجب التأصيل وضرورة التجديد.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى، العدد الأول، فبراير 2002، من ص 95 إلى ص 103.

[2] – انظر رسالة الأستاذ عبد السلام ياسين في المسألة العلمية ص 53.

[3] – من كلمة الأستاذ مصطفى بن حمزة مدير معهد البعث الإسلامي بوجدة في الندوة الوطنية الثانية للمدارس العتيقة المنعقدة بوجدة شتنبر 98.

[4] – انظر المرجع السابق.

[5] – انظر رسالة الأستاذ عبد السلام ياسين، ص 65.

[6] – أخرجه البخاري.

[7] – سورة المجادلة، الآية 11.

[8] – سورة فاطر، الآية 28.

[9] – صحيح مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار رقمه 4867.

[10] – قيدنا لفظة العقلانية بوصف الإيمان للتمييز بين دلالتين: دلالة العقلانية، بما هي لفظة مترجمة من لفظة Rationalité على كل ما هو حكيم وإجرائي وعملي مناف للارتجالية والعشوائية، ودلالة اللفظ، بما هو مترجم عن لفظة Rationalisme على مذهب فلسفي يؤله العقل البشري ويجحد الغيب.

[11] – انظر الإسلام غدا لعبد السلام ياسين، ص 762.

[12] – انظر حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 169.

[13] – انظر حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 171.

[14] – نفسه.

[15] – أخرجه البخاري في جامعه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

[16] – انظر مجلة النداء التربوي ص 53 العدد المزدوج 5و6.

اظهر المزيد

د.محماد رفيع

الأستاذ الدكتور محماد بن محمد رفيع أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس/المغرب

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حياك الله استاذي الكريم ، سيدي محماد ربيع ، احسنت واجدت وافدت
    في حياتنا نمر بالكثير من التجارب ونتعلم منها، وفيها نتعرف على شخصيات كثيرة بعضها نتعلم منه ويتحولون إلى قدوة لنا نحتذي بهم في كل شيء إيجابي، ونتطلع إلى أن نصبح مثلهم.
    ولكن يبدو أن تسارع الحياة وتعقيدها، قد خلق فجوة كبيرة بين الأجيال الماضية والحاضرة، وجعلت لكل جيل منهما اعتقادات ومبادئ وشخصيات مختلفة، وبنظرة سريعة سنجد أن الجيل الحالي مختلف تماماً حتى في قدواته الذين تحولوا من العلماء ورجال السياسة والأدب إلى المطربين والممثلين الذين بنوا شهرتهم بسرعة دون تعب واضح، مما شكل فراغاً كبيراً لدى الشباب.وقد لا نلوم الجيل الحالي على اختياراته، لأن الإنسان في النهاية يحتاج إلى شخصية يعجب بها ويقتدي بأفعالها وسلوكها
    إذن استاذي الكريم ، القدوة دور فعال واكيد في صناعة جيل الريادة والسيادة
    شكر الله لكم استاذي الكريم
    تلمذكم ياسين بورمضان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: