أحكام النكاح

أولا: تعريف النكاح

النكاح لغة[1]: التداخل تقول أنكحت الأرض البذر ونكحت الحصاة خف البعير، والوطء تداخل، فسمي نكاحا، ويطلق على العقد مجازا من باب إطلاق المسبب على السبب.

واصطلاحا[2]: هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم[3] ومجوسية، بصيغة، لقادر، محتاج، أو راج نسلا.

ثانيا: حكم النكاح

حكم النكاح الندب لقوله تعالى:” فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ[4]“، ولما رواه معقل بن يسار رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال، إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال له مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم [5]“.

وقد تعتري النكاح الأحكام الشرعية الأخرى، من تحريم، وكراهة، ووجوب، حسب أحوال الناس.

ثالثا: حكمة مشروعية النكاح[6]

من حكم مشروعية النكاح، دفع التوقان وغوائل الشهوة. والاستدلال بلذة الدنيا الفانية على لذة الآخرة الباقية. وكف النفس عن الزنا. وموافقة إرادة الله تعالى في بقاء النسل إلى الوقت المعلوم. وتحقيق إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكاثرة.

رابعا: الخطبة

الخِطْبَةُ: طلب المرأَة للزواج، وليست زواجا، ولذلك لا يحل للخاطب من المخطوبة إلا النظر إليها، لما ورد عن المغيرة بن شعبة، أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما[7]“.

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل.” فخطبت امرأة من بني سليم، فكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها[8]“.

والخطبة من حيث الحكم، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، هي:

1- امرأة تجوز خطبتها تصريحا وتلميحا، إذا لم تكن في عصمة زوج، ولا في عدة طلاق أو وفاة، لأنه لما جاز نكاحها جازت خطبتها.

2- امرأة لا تجوز خطبتها، لا تصريحا، ولا تلميحا إذا كانت في عصمة زوج، وكذلك لا تحل خطبة المرأة المطلقة رجعيا لأنها في حكم المنكوحة.

وكذلك المرأة المخطوبة، لا تحل خطبتها، لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: ” نهى أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب[9]“، فإذا خطب الرجل المرأة فرضيت به وركنت إليه فليس لأحد أن يخطب على خطبته، وأما قبل أن يعلم رضاها أو ركونها إليه فلا بأس أن يخطبها، والحجة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس حيث جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها، فقال:” أما أبو جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة[10]“.

3- امرأة تجوز خطبتها تعريضا لا تصريحا، وهي المرأة المعتدة عدة الوفاة، لقوله تعالى: “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ[11]“.

خامسا: أركان النكاح

أركان النكاح ثلاثة، هي:

1- العاقدان: وهما الزوج أو وكيله، وولي الزوجة، ويشترط في كل منهما شروط.

2- المعقود عليه: وهو محل الحلية، أي حلية الزوج للزوجة، وحلية الزوجة للزوج، فإنه لا يحل أحدهما للآخر إلا بالعقد.

3- الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، كأن يقول ولي الزوجة للزوج: زوجتك ابنتي، فيقول الزوج، قبلت.

سادسا: شروط الزوج

فالزوج تشترط فيه شروط[12]، هي:

أ- الإسلام، لأن الكفر مانع من استباحة فروج المسلمات، لقوله تعالى: ” وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا[13]“.

ب- التمييز، والعقل، حتى يتأتى له الإنشاء للعقد.

ج- خلو الزوج من أربع زوجات، ولو كانت إحداهن مطلقة طلاقا رجعيا، فعن ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وعنده عشر نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أمسك أربعا، وفارق سائرهن[14]“.

د- ألا يكون تحته من يحرم عليه جمعها معها، لقوله تعالى: ” وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا[15]

سابعا: شروط الزوجة

  • ألا تكون ذات زوج، لقوله تعالى: ” وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ[16]“.
  • ألا تكون معتدة، عدة وفاة، أو طلاق، لقوله تعالى: ” وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ[17]“.
  • أن تكون غير مجوسية، لأن الله جل وعلا حصر الحلية في المسلمة والكتابية بقوله تعالى: ” وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ[18]“.
  • ألا تكون مبتوتة للزوج، أي مطلقة ثلاثا، لقوله تعالى: ” فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ[19]“.

ثامنا: شروط الولي

أما الولي فلا يصح النكاح إلا بمباشرته للعقد بنفسه، أو بإذنه لغيره في مباشرته، لما ورد عن عروة قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها، فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له[20]“.

ويشترط في الولي شروط، هي:

أ- الذكورة: فلا يصح العقد من أنثى لغيرها، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها[21].”

ب- البلوغ: فلا يصح العقد من صبي، لأنه غير مؤهل.

ج- العقل: فلا يصح من مجنون، ولا معتوه، ولا سكران.

د- الإسلام: المسلمة لا يصح أن يتولى عقد نكاحها كافر، ولو كان أباها، لقوله تعالى: “وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [22]“.

أما الكتابية التي يتزوجها مسلم فلأبيها أن يعقد لها عليه، لقوله تعالى: ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[23]“.

ه- عدم التلبس بإحرام حج، أو عمرة، فعن نبيه بن وهب، أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب[24]“.

و- عدم الإكراه: فكل عقد يبرم تحت الإكراه فهو باطل.

تاسعا: ما يحل بالعقد

وبالعقد تحل أمور، وهي:

  • يحل بالعقد الصحيح لكل واحد من الزوجين النظر إلى سائر بدن الآخر، حتى نظر فرج صاحبه.
  • يحل بالعقد لكل واحد من الزوجين أن يستمتع بالآخر كيفما شاء، لقوله تعالى: ” نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [25]“، ما تجنبا أمرين اثنين، هما:
  • الاستمتاع بفرج الزوجة في زمن الحيض، لقوله تعالى: ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.[26]
  • الإيلاج في الدبر، لما ورد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر[27]“، أما الاستمتاع بالدبر من غير إيلاج فلا بأس به.

عاشرا: شروط النكاح

1- الصداق: لقوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً[28]، ويحرم الاتفاق على إسقاطه، ويشترط ولو لم يذكر حين العقد، ويتأكد ذكره عند الدخول، وإلا تقرر للزوجة صداق المثل بالدخول.

2- الشهود: وأقله اثنان عدلان[29] لقوله تعالى:” وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ[30]“، فإن عدمت العدالة استعيض عنها بكثرة الشهود، كما لا تصح هنا شهادة النساء للآية السابقة ولما رواه مالك، عن أبي الزبير المكي، أن عمر بن الخطاب أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: “هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت[31]“.

3- عدم التواطؤ على كتمان العقد: وهو أن يوصي الزوج منفردا، وأحرى إن تواطأ في ذلك مع الولي والزوجة على توصية الشهود حين العقد بكتمه، أما إن وقع الإيصاء بعد العقد فلا يضر، لأن العقد وقع بوجه صحيح، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ” نهى عن نكاح السر[32]“. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف[33]“.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذخيرة، ج 4، ص 188   [1]

  الفقه المالكي وأدلته، ج 3، ص 183    [2]

وصف للأنثى: أي غير محرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة [3]

سورة النساء الآية 3. [4]

رواه الحاكم في المستدرك,  [5]

الفقه المالكي وأدلته، ج 3، ص 186.  [6]

سنن الترمذي.   [7]

رواه الحاكم في المستدرك.  [8]

صحيح البخاري.  [9]

سنن الترمذي.  [10]

سورة البقرة، الآية 235   [11]

الذخيرة، ج 4، ص 203  [12]

سورة البقرة، الآية 221  [13]

صحيح ابن حبان.  [14]

سورة النساء، الآية 23  [15]

سورة النساء، الآية 24  [16]

سورة البقرة، الآية 235  [17]

سورة المائدة، الآية 5  [18]

سورة البقرة، الآية 230  [19]

رواه الحاكم في المستدرك.  [20]

سنن ابن ماجه.  [21]

سورة النساء، الآية 101. [22]

سورة الأنفال، الآية 73  [23]

صحيح مسلم.  [24]

سورة البقرة، الآية 223 [25]

سورة البقرة، الآية 222. [26]

رواه الترمذي في سننه، وقال حسن غريب [27]

سورة النساء، الآية. [28]

المقصود بالعدالة هنا الشخص الذي يجتنب الكبائر، ويتقي في الغالب الصغائر.  [29]

سور ة الطلاق، الآية 2.  [30]

رواه مالك في الموطأ.  [31]

مسند الطبراني [32]

سنن الترمذي.  [33]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: