وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ/ د. محمد السقا عيد
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ
بقلم: د. محمد السقا عيد
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق قصة أصحاب الكهف في سورة الكهف، حيث يصف الله تعالى حال الفتية الذين ناموا في كهفهم سنين طويلة، فيقول: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾. وهذه العبارة الموجزة تحمل دلالات علمية دقيقة لم يكن لأحد في زمن نزول القرآن أن يحيط بها.
تفيد الآية أن من ينظر إليهم يظنهم مستيقظين، مع أنهم في نوم عميق. وقد أثبت الطب الحديث وجود حالات يدخل فيها الإنسان في سبات طويل، تبدو عليه علامات اليقظة من حيث فتح العينين أو وجود بعض الحركات البسيطة، بينما يكون في حالة فقدان للإدراك الواعي. وهذا الوصف يقترب كثيرًا مما ذكره القرآن بدقة متناهية قبل قرون طويلة.
ومن الناحية الطبية، فإن العين إذا بقيت مفتوحة باستمرار تتعرض للهواء والغبار والجراثيم، مما قد يؤدي إلى تقرح مقدمة العين وتعكرها، ثم فقدان البصر. وفي المقابل، فإن إغلاق العين دائمًا وحرمانها من الضوء يضعف العصب البصري ويؤدي إلى ضموره مع الزمن، لأن أي عضو في جسم الإنسان إذا لم يُستعمل يضعف تدريجيًا. لذلك جعل الله للإنسان نظامًا دقيقًا يحفظ عينيه، وهو حركة الرمش اللاإرادية التي توزع الدموع على سطح العين فتنظفها وتحميها.
وعندما قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ دلّ ذلك على أن أعينهم كانت في هيئة توحي باليقظة، بما يحفظها من التلف، دون أن يكونوا مستيقظين حقيقة. فلم يقل: “وتحسبهم أمواتًا”، بل أشار إلى مظهر اليقظة، وفي ذلك دقة عجيبة في التعبير، وحفظ إلهي لأبصارهم طوال تلك المدة الطويلة.
وفي الختام، يبقى قوله تعالى في سورة الكهف﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ شاهدًا على دقة البيان القرآني وروعة تصويره للمشهد، بما يحمله من إشارات تدعو إلى التأمل في عظمة الخالق سبحانه. فكلما تقدم العلم وكشف شيئًا من أسرار الجسد والحياة، ازداد المؤمن يقينًا بأن هذا الكلام هو من عند الله، وأن في آياته من العمق ما يتجدد فهمه عبر العصور.