منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا يشعر الشباب اليوم بالفراغ رغم كثرة وسائل الترفيه؟

ريان النجيب

0

لماذا يشعر الشباب اليوم بالفراغ رغم كثرة وسائل الترفيه؟
بقلم: ريان النجيب

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]

لم يعرف الإنسان في تاريخه زمنا كثرت فيه وسائل الترفيه كما كثرت في هذا العصر، ولم يعرف كذلك زمنا انتشر فيه القلق الداخلي والفراغ الروحي بهذا الشكل المخيف، فقد صار الشاب اليوم ينتقل بين مئات المقاطع والصور والألعاب والمنصات في ساعات قليلة، يضحك كثيرا، يتابع كثيرا، ويستهلك كثيرا، ثم يأوي إلى فراشه آخر الليل وفي قلبه شيء بارد لا يستطيع تفسيره.

إنها مفارقة هذا العصر؛ عصر ممتلئ بالضجيج، فارغ من المعنى.

لقد صار الإنسان المعاصر يهرب من الصمت، لأن الصمت قد يجبره على مواجهة نفسه، يهرب إلى الشاشة كلما شعر بالوحدة، وإلى الموسيقى كلما اقترب منه الحزن، وإلى التسلية كلما لاح له سؤال الوجود والمعنى، وهكذا تتحول وسائل الترفيه من وسائل راحة مؤقتة إلى أدوات هروب دائم.

وليست المشكلة في الترفيه من حيث الأصل، فالإسلام دين الفطرة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه ويلاطف أهله، وكان يراعي حاجة النفس إلى الراحة وجبر الخواطر.

ن

لقد أقنع هذا العصر كثيرا من الشباب أن السعادة تشترى بالاستهلاك، وأن الإنسان كلما زاد استهلاكه للمتعة زادت طمأنينته، لكن الواقع يكشف العكس، فكم من شاب يملك هاتفا حديثا، وحسابات ممتلئة بالمتابعين، ووسائل لا تنتهي للتسلية، لكنه يعيش وحدة خانقة وفراغا ثقيلا.

إن النفس البشرية لا تعيش بالمتعة وحدها، بل تحتاج إلى معنى، تحتاج إلى رسالة تشعرها بقيمتها، وإلى غاية تجعل لحياتها اتجاها، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 116]. فالإنسان إذا فقد المعنى، تحولت حياته إلى دوران متعب ولو كان محاطا بكل أسباب اللهو.

وقد كان الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله من أكثر من تحدث عن أمراض القلب وغفلة الإنسان عن حقيقة نفسه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو هريرة وأخرجه الترمذي:“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، وما نلاحظه جليا في هذا العصر أن الإنسان يستهلك يومه في متابعة ما لا يزيده علما ولا قربا من الله عز وجل ولا بناء لنفسه.

إن وسائل التواصل الاجتماعي صنعت إنسانا مشغولا دائما، لكنه قليل التأمل، إذ أنه يرى كل شيء بسرعة، وينسى كل شيء بسرعة، حتى صار العقل يعيش حالة تشبع مرهقة، بينما القلب يزداد خواء.

وقد أشار علماء النفس المعاصرون إلى أن الإغراق المستمر في الترفيه السريع يجعل الإنسان يفقد قدرته على التركيز العميق والاستمتاع بالأشياء البسيطة، لأن النفس تعتاد الإثارة الدائمة، ولهذا ترى بعض الشباب يشعر بالملل من كل شيء؛ من الدراسة، والقراءة، والجلوس مع العائلة، وحتى من العبادة نفسها، لأنه صار أسيرا للسرعة واللهاث.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ أن يتحول الإنسان إلى كائن يهرب من التفكير، فالفراغ لا يأتي من قلة الأشياء، بل من غياب المعنى الذي يربط الأشياء.
ذكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه «الإحسان ج1» مقولة رائعة لابن عطاء الله رحمه الله في حكمه: “لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره.”

إن الشاب الذي يعيش بلا رسالة واضحة، وبلا هدف يسمو فوق الشهوة العابرة، سيظل يشعر بنوع من التيه مهما كثرت حوله المغريات، ولذلك لم تكن العبادة في الإسلام مجرد طقوس جامدة، بل بناء للإنسان من الداخل، حتى يمتلئ قلبه بالسكينة والمعنى.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وهذه الطمأنينة لا تصنعها الشاشات، ولا الضحكات العابرة، ولا الشهرة المؤقتة، بل يصنعها قرب الإنسان من ربه، وشعوره أن لحياته قيمة تتجاوز الاستهلاك اليومي.

لقد صار بعض الشباب يعيش يومه كله بين هاتف وسماعات وشاشة، لكنه لا يجد دقائق يجلس فيها مع نفسه جلسة صدق. وحين يختلي بنفسه يشعر بثقل داخلي، فيعود مسرعا إلى الضجيج حتى لا يسمع ذلك الصوت الخافت الذي يسأله: إلى أين تمضي؟ ولماذا تعيش؟

إن الإنسان لا يهرب من الفراغ بالضجيج، بل يملأه بالمعنى.

وما أحوج شباب الأمة اليوم إلى صحبة صالحة، وقراءة نافعة، وعمل يخدم الناس، وعبادة تحيي القلب، بدل هذا الاستنزاف اليومي الذي يحول الأعمار إلى مقاطع قصيرة تُستهلك ثم تُنسى.

وقد كان السلف الصالح يدركون قيمة الوقت إدراك عجيبا. قال الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك.”

فكيف يطمئن قلب إنسان يرى عمره يتسرب في التفاهة، ثم يقنع نفسه أن ذلك مجرد ترفيه بريء؟

إن الترفيه حين يكون وسيلة راحة متوازنة لا بأس به، أما حين يتحول إلى غاية الحياة، فإنه يترك الإنسان فارغا مهما بدا من الخارج سعيدا.

ولذلك فإن معركة هذا الجيل ليست معركة التكنولوجيا نفسها، بل معركة المعنى وسط هذا الطوفان الرقمي. ومن استطاع أن يحفظ قلبه من الغرق في الاستهلاك الدائم، وأن يجعل لحياته هدفا ورسالة، فقد نجا من أكبر أمراض هذا العصر.

قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

فالعمر رأس مال الإنسان، والروح لا يحييها كثرة الترفيه، بل يحييها القرب من الله، والعمل الصالح، والشعور بأن للحياة معنى يستحق أن يعاش من أجله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.