لماذا نرى بعينين ؟
بقلم: د. محمد السقا عيد
يُعد وجود عينين بدلًا من عين واحدة من أعظم مظاهر الإتقان في خلق الإنسان، إذ لا يقتصر الأمر على مضاعفة القدرة على الإبصار، بل يتجاوز ذلك إلى نظام بصري شديد الدقة يمنح الإنسان إدراكًا أعمق للعالم من حوله. وعند التأمل في هذا التكوين ندرك أن المسألة ليست مجرد “زيادة عضو”، بل تصميم متكامل يخدم وظائف متعددة في وقت واحد.
فعندما ينظر الإنسان إلى أي جسم بعينيه معًا، فإن كل عين تلتقط الصورة من زاوية مختلفة قليلًا، ثم يقوم الدماغ بدمج الصورتين في صورة واحدة ثلاثية الأبعاد. هذه العملية تُعرف بالرؤية الثنائية، وهي التي تمكّن الإنسان من تقدير المسافات والأبعاد بدقة. ولولا وجود عينين، لكانت الرؤية مسطحة أشبه بالصورة المرسومة على سطح ورقي، مما يجعل الحركة في البيئة أكثر صعوبة، خصوصًا في تقدير القفز، أو الإمساك بالأشياء، أو قيادة المركبات.
كما أن وجود عينين لا يعني فقط رؤية أوسع، بل يرفع أيضًا من دقة الإبصار. فعندما تتلقى العينان الصورة نفسها، يقوم الدماغ بمقارنة الإشارتين واختيار الأكثر وضوحًا، مما يساعد على تحسين جودة الرؤية وتقليل تأثير التشويش البصري. وهذا يشبه إلى حد ما وجود نظام مزدوج في أجهزة القياس الحديثة، حيث يؤدي التكرار إلى رفع الدقة وتقليل الخطأ.
تغطي كل عين من عيون الإنسان مجالًا بصريًا مختلفًا قليلًا، وعند جمع المجالين يحصل الإنسان على نطاق رؤية أوسع بكثير مما لو امتلك عينًا واحدة فقط. هذا الاتساع مهم في الحياة اليومية، إذ يساعد على إدراك ما يحدث في الجانبين دون الحاجة إلى تحريك الرأس باستمرار.
ومن الجوانب المهمة في وجود عينين أن كل عين تعمل بشكل مستقل نسبيًا، فإذا ضعفت إحداهما أو تعرضت لمشكلة، تبقى الأخرى قادرة على أداء الوظيفة الأساسية للإبصار. وهذا يمنح الإنسان قدرًا من الأمان الوظيفي ويحافظ على قدرته على الرؤية في ظروف مختلفة.
إن وجود عينين بدلًا من عين واحدة ليس تفصيلًا عشوائيًا، بل هو جزء من منظومة متكاملة في خلق الإنسان تدل على الحكمة والإحكام. فكل وظيفة في هذا النظام تخدم غاية محددة، وتعمل بتناغم كامل مع بقية أجزاء الجسم. ومع تقدم العلم، يزداد فهمنا لكيفية عمل العينين، لكن يبقى الإعجاز في أصل التصميم الذي جمع بين الدقة والوظيفة والاستمرارية في آن واحد.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ البلد: 8