منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا يحتجُّ المسلمون على حرق مُصحف وأعلام؟ ولا يحتجُّون على تحريف مصحف وتخريب أوطان؟

ادريس قافو

0

لماذا يحتجُّ المسلمون على حرق مُصحف وأعلام؟

ولا يحتجُّون على تحريف مصحف وتخريب أوطان؟

بقلم: ادريس قافو

حرْقُ القرآن الكريم بقصد إهانة مقدسات المسلمين، أو بحثا عن شهرة كشهرة الأعرابي الذي بال في بئر زمزم ليذكره الناس ولو بالسبِّ، أو استخفافا بحرمة القرآن، جريمة. وأقول استخفافا لاستثناء مثل الحالة التي أقدم فيها سيدنا عثمان على حرق المصاحف([1]) .

لكن السؤال المحير هو لماذا الاحتجاج على المظاهر دون أصولها؟ وعلى الصغائر دون الكبائر؟ ولماذا هذا السلوك المشابه لسلوك أهل الفتن من أهل الكوفة الذين وصفهم الطبري إنهم أنظَـرُ الناس في صغـير (يتورعون في الأمور الدينية الصغيرة)، وأرْكبهم لكبير (الكبير في موضوعنا هو السكوت عن أصول الفساد)؟

(الصغائر) المُحتَجُّ عليها: حرق المعتوهين من متطرفي الغرب للقرآن

هذا العمل الحقير، حين يقوم به سياسيون كرسالة موجهة لأتباعهم أو للمسلمين، هو مظهر من مظاهر الشعور بالهزيمة النفسية أمام الإسلام كدين يناقض توجهاتهم الدوابية التي تريد أن تتحرر من كل الضوابط الأخلاقية، وأمام الأعداد المتزايدة للمسلمين رغم التضييق، وأمام استماتة لافتة لبعض المسلمين في التشبث بدينهم. أما دليل الهزيمة النفسية ذاتها فهو اللجوء إلى ردود أفعال غير محسوبة العواقب، وتأتي بنتائج عكسية؛ فحين يقدم معتوه على حرق المصحف بقصد الإساءة فإنه بذلك يثير حميَّة الانتصار للإسلام عند المسلمين، وأسئلة ما هو القرآن؟ وما مضمونه عند غير المسلمين؟ وعند المسلمين بالوراثة أو الجغرافيا الذين لا يقرؤونه.

 فحين يكون الغباء جنديا من جنود الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو، ستجد معادين للإسلام يخدمونه ويدعون إليه بشكل مدهش؛ فحين فَشَا أمر رسول الله ﷺ في مكة، وأعيت الحيلة قرشا، واقترب موسم الحج، اتفقوا على أن يخرجوا إلى الطرقات خارج مكة، ويترصَّدوا الحجاج الوافدين من القبائل الأخرى ليحذروهم من سحر محمد ﷺ. وقد وصف الطفيل بن عمرو الدوسي جانبا من المشهد قائلا: (فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني … كرسفا فَرقا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه‏‏).‏ ‏ لكن سرعان ما رجع الطفيل وغيره إلى رشدهم وقال: (فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول‏‏!‏ ‏ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته)‏‏.

‏فلولا الحملة الإعلامية المضادة التي شنتها قريش على رسول الله ﷺ لانشغل الناس بتجارتهم وأغراضهم، وتبادل أخبارهم، والتباهي بأشعارهم، ولحج كثير منهم دون أن يسمع بالدين الجديد. ولكن ما حيلة؟ (وإنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ)([2]).

الكبائر المسكوت عنها:

إن الكبائر المسكوت عنها التي لها علاقة مباشرة بالعمليات المتكررة لحرق القرآن الكريم، والتي جَرَّأَت القاصي والدَّاني على التطاول على مقدسات الأمة كثيرة ومنها:

  • الأسباب الحقيقية لسياسة التبعية للغرب والضعف العلمي والاقتصادي والعسكري… للدول الإسلامية، فجرأة أعدائها على مقدساتها هو نتيجة طبيعية لحالة الضعف الشامل، التي تولد عنها الهوان وموت الإحساس بالكرامة والمسؤولية، و(من يهن يسهل الهوان عليه. ما لجرح بميت إيلام)([3]) . فدولة الاحتلال لقوتها، ورغم صغر مساحتها وقلة سكانها، استطاعت أن تفرض قانون معاداة السامية على العالم، وأن تكون الخارجية الأمريكية هي الساهرة على تنفيذه. ففي الدول الغربية تستطيع أن تلعن أو تنتقد رئيس الدولة، ولكنك لن تستطيع أن تشكك حتى من الناحية العلمية في أعداد من تعرضوا (للمحرقة)، حتى لا تتابع قضائيا.
  • سياسة التفقير المتعمدة أو الناتجة عن الفساد، والتي تدفع بعض بنات المسلمين إلى البحث عن لقمة العيش في مواخر الدعارة، وتدفع الأبناء إلى ركوب قوارب الموت فرارا من جحيم أوطان الاجحاف في تقاسم الخيرات؛ تلك السياسة التي تتأسس على فكرة (جوع كلبك يتبعك)، والتي تلهي بالجوع والخوف عن كل المطالب العالية؛ كالعبادة والالتزام بشرع الله، والإقبال على القرآن الكريم باعتباره كتاب هداية، لا كتاب تبرك فقط. فالله تعالى أمر قريشا بالعبادة بعد الإطعام من جوع والأمن من خوف، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾([4])
  • محاربة دول ومنظمات ورموز تعليم القرآن باعتباره منهج حياة، وكتاب جهاد بالمعنى الشامل للجهاد؛ جهاد تعليم، وجهاد تصحيحٍ لتصور الانسان للغاية من وجوده، وجهاد تزكية النفوس من الأنانيات والكبر… وجهاد تأليف بين القلوب وبناء للقوة الأخلاقية ثم البشرية ثم المادية، أخذا بأسباب التدافع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور… ومحاربة القرآن تكون تارة بالمنع و(القوة الصلبة)، وقد تثير عناصر المقاومة في النفس، لكن الأخطر هو حين تكون (بقوة ناعمة) يقتنع بموجبها رافعو شعاره بأن يفرضوا عليه (الإقامة الجبرية في المساجد ومعرض التجويد ومباريات الترنيمِ).
  • ما يُدَسُّ في المناهج التعليمية، وما يُقدَّم في الإعلام العمومي المموَّل من ضرائب المواطنين، وما يبثه بعض المحسوبين على رجال الفكر من مواد تُشكِّك في الإسلام، وتنْسِف كل القيم التي تتأسس عليها دعوة القرآن.

الخلاصة

في الماضي شغل دهاةُ السياسة الناسَ بجهاد العدوان الخارجي، وفي ظل ذلك زحف العدوان الداخلي على الأمة فنخرها من الأساس، ووقع الظلم، والظلم مؤذن الخراب، مصداقا لقول الله تعالى: ( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)([5]). وأول ما يخربه، بل يقتله، الظلمُ في الإنسان هو الإرادة والحافز للعمل الجاد والمسؤولية. فهل نعتبر بدروس الماضي وننتفض على العدوان الداخلي كما ننتفض للعدوان الخارجي؟ وننتفض لتحريف المصحف أكثر مما ننتفض لتحريقه؟ وننتفض لحرق الأوطان، وقتل إنسانية الإنسان، أكثر مما ننتفض لحرق الأعلام؟


 -[1] روى البخاري في صحيحه أن الصحابة لما كتبوا المصاحف أرسل عثمان إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

 -[2] رواه البخاري في صحيحه

 -[3] بيت شعري للمتنبي

 -[4] سورة قريش: الآية 3 و4

 -[5] سورة النمل الآية 52

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.