منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من نُسائل عن سيدة آسفي؟

ابراهيم بومسهول

0

من نُسائل عن سيدة آسفي؟

ابراهيم بومسهول


حين لا تكون الكارثة طبيعية… بل سياسية وقضائية وأخلاقية

ما شهدته عدد من مدن المغرب هذا الأسبوع من عواصف رعدية وتساقطات مطرية قوية يبدو – في ظاهره – حدثًا طبيعيًا متكررًا، يدخل في مناخ بلاد اعتادت فصولًا ممطرة وأخرى جافة. لكن ما وقع في مدينة آسفي تحديدًا، حيث اجتاحت السيول المدينة العتيقة وخلفت ضحايا في الأرواح، يتجاوز بكثير حدود “تقلبات جوية استثنائية”، ولا يمكن اختزاله في خطاب “القدر” أو “المفاجأة” التي لا تُقاوَم.

كما أن الفيديو المتداول لسيدة نجت من الموت بأعجوبة، وهي تصارع الماء والطين والهلع، ليس مجرد مشهد إنساني مؤثر يلامس الوجدان، بل وثيقة اتهام صامتة في حق منظومة كاملة: في التخطيط العمراني، وفي تدبير المخاطر، وفي الحكامة الترابية، وفي ترتيب المسؤوليات حين تقع الفاجعة.

 

نعم، الأمطار من عند الله. لكن الغرق… من صناعة البشر، حين يُهمل القانون، وتُؤجل الإصلاحات، ويُترك المواطن وحيدًا في مواجهة فيضانات يمكن التنبؤ بها والوقاية من آثارها.

حين تسقط ورقة التوت عن خطاب “القوة القاهرة”

في كل مرة تضرب كارثة من هذا النوع، تسارع الدولة إلى الاحتماء بمفهوم “القوة القاهرة”، كدرع قانوني جاهز لتبرير ما وقع، والتنصل من تبعات التقصير في الاستعداد والوقاية. غير أن هذا الخطاب لم يعد مقنعًا، لا أمام العقل الذي يرى تكرار نفس المشاهد في مدن مختلفة، ولا أمام الواقع الذي يُظهر هشاشة البنيات التحتية سنة بعد أخرى، ولا – وهذا الأهم – أمام الاجتهاد القضائي المغربي الذي رسم حدودًا واضحة لهذا المفهوم.
فالقضاء الإداري في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 23 يناير 2014،سبق أن اعتبر أن الأمطار الغزيرة، حتى وإن كانت استثنائية، لا ترقى إلى مستوى القوة القاهرة متى كانت متوقعة في فصل الشتاء، ومتى توفرت وسائل العلم المسبق بها، لأن واجب الدولة هو الاستعداد لها، لا الاكتفاء بتشييع الضحايا وتعداد الخسائر بعد مرور السيل.

بل إن أعلى درجات التقاضي،محطمة النقض، أكدت في قرارها عدد 608 بتاريخ 18 أكتوبر 2017،  أن القوة القاهرة لا تقوم إلا بتوافر ثلاثة شروط مجتمعة: عدم التوقع، واستحالة الدفع، واستحالة التنفيذ استحالة مطلقة. فأي شرط من هذه الشروط يمكن الادعاء بتحققه في فيضانات آسفي، في زمن النشرات الإنذارية الدقيقة، وصور الأقمار الاصطناعية، وتجارب سابقة مؤلمة في مدن أخرى؟ وهل كانت السماء مفاجِئة أكثر من إهمال استمر سنوات في بنية تصريف المياه، ومراقبة البناء، وحماية الأحياء الهشة؟

الإهمال بما هو سياسة عمومية غير معلنة

مدينة آسفي، خصوصًا أحياؤها العتيقة والهشة، لم تُغرقها الأمطار وحدها، بل غرقَت في تراكم الإهمال الذي صار، مع الوقت، أشبه بسياسة عمومية غير مكتوبة. فشبكات الصرف إما مهترئة أو منعدمة في مجموعة من النقط السوداء، والتوسع العمراني تم في حالات كثيرة دون احترام صارم لمجاري الأودية ولطبيعة التضاريس، بينما غابت مخططات وقاية فعّالة من الفيضانات تُفعَّل قبل الكارثة لا بعدها.
في كل موسم مطر تتكرر نفس المظاهر: إنذارات شكلية أو متأخرة، تدخلات مرتجلة بعد فوات الأوان، وترك المواطنين يواجهون مصيرهم بأدوات بسيطة، وكأن درس الفواجع السابقة لم يُكتب في ذاكرة السياسات العمومية.

السؤال هنا مباشر ولا يحتمل المجاملة: هل فُعّلت فعلا مقتضيات المادة 118 من قانون الماء 36-15 بشأن مخططات الوقاية من الفيضانات، وإعداد الخرائط المتعلقة بالمناطق المعرّضة للمخاطر المائية؟ وهل قامت الجماعات الترابية، ووكالة الحوض المائي، والسلطات الوصية بما تفرضه هذه النصوص من تشخيص، وتخطيط، وتمويل، وتتبع، أم أن القوانين صيغت لتزيين الرفوف والتقارير، بينما تُترك المدن لمصيرها كلما قررت السماء أن تُمطر بغزارة؟

حين يتحول التقصير إلى خطأ مرفقي

في منطق دولة الحق والقانون، لا يُنظر إلى الفواجع الطبيعية فقط كقدر، بل كاختبار لمدى احترام المرافق العمومية لالتزاماتها في الحماية والوقاية والإنقاذ. لذلك اعتبر القضاء الإداري، كما جاء في حكم المحكمة الإدارية بأكادير (2 يونيو 2016)، أن عدم توفير وسائل الإنقاذ، رغم وجود نشرات إنذارية مسبقة، يشكل خطأ مرفقيًا يوجب التعويض، على أساس مسؤولية الدولة والمرافق العمومية عن أفعالها وإغفالها.
الأسئلة التي تفرض نفسها في حالة آسفي قاسية لكن لا مفر منها: أين كانت زوارق الإنقاذ؟ أين كانت فرق التدخل المدربة والمجهزة؟ أين كانت خطط الإجلاء الاستباقي للأسر المقيمة في النقاط الأكثر هشاشة؟ وكيف يُترك الناس حتى تصل المياه إلى الأعناق، ثم يُقال لهم بعد ذلك إن ما حدث “قضاء وقدر”؟

“لو عثرت بغلة…”

يُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: “لو عثرت بغلة في العراق لسُئل عنها عمر”، في إشارة عميقة إلى أن المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تتجزأ، وأن من يتولى شؤون الناس يُسأل عن التقصير في حمايتهم ولو كان في التفاصيل البعيدة. فمن نُسائل اليوم عن سيدة آسفي؟
من نُسائل عن الضحايا الذين لم تُلتقط لهم فيديوهات، ولم يتحولوا إلى صور تتداولها المنصات الاجتماعية؟ ومن نُسائل عن مدينة تُركت تواجه مصيرها بين مطر السماء وجفاف المسؤولية على الأرض؟

 إن أخطر ما في هذه الفاجعة ليس عدد الضحايا فقط، بل محاولة التطبيع مع الغرق، والتعامل مع المأساة كحادث عابر في نشرة الأخبار، بينما هي في جوهرها نتيجة اختيارات سياسية، وصمت إداري، وتواطؤ على الإهمال.

ربط المسؤولية بالمحاسبة… بين النص والممارسة

منذ دستور 2011، صار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد الأعمدة المعلنة للنظام الدستوري المغربي، باعتباره ضمانة أساسية للحكامة الجيدة وخضوع المرافق العمومية لقواعد الشفافية والمسؤولية. التنصيص الدستوري كان يحمل وعدًا بقطيعة مع زمن الإفلات من العقاب الإداري والسياسي، والانتقال إلى مرحلة يصبح فيها الموقع في هرم القرار مقترنًا بمساءلة حقيقية عن النتائج.
لكن ما تكشفه فواجع مثل ما وقع في آسفي هو أن هذا المبدأ ما زال، في كثير من الأحيان، حبيس النصوص والخطب، بعيدًا عن الممارسة اليومية في تدبير الأزمات والمخاطر. بدل أن تُفعَّل آليات تحقيق مستقلة وجدية تُحدد المسؤوليات، وتُرتّب الجزاءات على من قصّر في التخطيط أو المراقبة أو التدخل، يُصار غالبًا إلى البحث عن “كبش فداء” في أسفل السلم الإداري: موظف بسيط، أو مسؤول محلي محدود الصلاحيات، يُعفى أو يُنقل أو يُجمّد، بينما يبقى أصحاب القرار الفعلي في مأمن من أي محاسبة.

هذا النمط في تدبير الأزمات يُفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من محتواه، ويحوّله إلى شعار للاستهلاك بدل أن يكون آلية لتصحيح الاختلالات ومنع تكرار المآسي. حين تُقدم الدولة أكباش فداء بدل مساءلة المسؤولين المباشرين عن السياسات والبرامج والميزانيات، فإنها لا تظلم فقط أولئك الذين يُضحّى بهم، بل تظلم أيضًا الضحايا وذويهم الذين حُرموا من عدالة حقيقية، كما تظلم المجتمع الذي يحتاج إلى رسائل واضحة بأن الأرواح ليست ثمنًا لرداءة التدبير.

خاتمة

ما وقع في آسفي فشل مركب ومتراكم: فشل في التخطيط العمراني، فشل في الوقاية من المخاطر، فشل في احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية، وفشل في حماية الحق في الحياة الذي يفترض أن يكون أسمى الحقوق. القضاء سبق أن قال كلمته في قضايا مماثلة، والدستور نص بوضوح على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والقوانين المؤطرة للماء والتعمير والحكامة الترابية موجودة وليست سرًا.
الذي ينقص اليوم ليس النصوص ولا الخطب، بل شجاعة تحمّل المسؤولية الحقيقية، والانتقال من مرحلة الاكتفاء بإحصاء الخسائر وتبادل العبارات المطمئنة، إلى مرحلة فتح تحقيقات جادة، تُسمي الأشياء بمسمياتها، وتُحدد من يتحمل وزر ما وقع، من موقع القرار لا من على هامشه. عندها فقط، قد تتحول مأساة سيدة آسفي من فاجعة متكررة إلى لحظة تأسيس لمسار جديد في احترام الإنسان والقانون في هذه البلاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.